تبرز أهمية الاتفاقية، واستئناف عمليات التفتيش بين الجانبين، في عدة جوانب؛ أولها إنها الاتفاقية الوحيدة المتبقية لمراقبة الأسلحة النووية بين البلدين

مفاوضات نيو ستارت وضرورة الحد من الأسلحة النووية

الرئيسية مقالات
مركز تريندز للبحوث والاستشارات

 

اتجاهات مستقبلية

مفاوضات نيو ستارت وضرورة الحد من الأسلحة النووية

 

 

 

في خطوة تعكس حجم الخلافات الجيواستراتيجية بين أكبر قوتين نووتين في العالم، روسيا والولايات المتحدة، جاء تأجيل المحادثات بينهما، والتي كان مزمعًا عقدُها في القاهرة خلال الفترة من 29 نوفمير إلى 6 ديسمبر، حول مناقشة سبل استئناف عمليات تفتيش الحد من انتشار الأسلحة النووية، بموجب معاهدة “نيو ستارت”، التي عُقدت بين الجانبين في عام 2010، ودخلت حيز التنفيذ عام 2011، وكان آخر تمديد لها عام 2021، لمدة 5 سنوات.

بموجب هذه الاتفاقية تُجري واشنطن وموسكو عمليات تفتيش متبادلة على مواقع أسلحة بعضهما البعض، ومع ذلك، فقد توقفت عمليات التفتيش منذ عام 2020 بسبب جائحة كوفيد 19، واندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وقيام روسيا، في أغسطس الماضي، بتعليق عمليات التفتيش الأمريكية المخطط لها في مواقعها العسكرية؛ ردًا على العقوبات الأمريكية أمام عمليات التفتيش الروسية المماثلة.

وتبرز أهمية الاتفاقية، واستئناف عمليات التفتيش بين الجانبين، في عدة جوانب؛ أولًا،إنها الاتفاقية الوحيدة المتبقية لمراقبة الأسلحة النووية بين البلدين، بعد انسحابهما عام 2019 من معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى الموقّعة بينهما عام 1987. ثانيًا، بموجب الاتفاقية تم تخفيض الحدود القصوى للرؤوس الحربية الهجومية الاستراتيجية، العابرة للقارات، لكليهما، حيث حددت المعاهدة ترسانة الدولتين النووية من الصواريخ عابرة القارات بما لا يزيد على 700 رأس نووي في قواعد أرضية، و1550 صاروخًا نوويًا في الغواصات والقاذفات الجوية الاستراتيجية، مع امتلاك 800 منصة ثابتة وغير ثابتة لإطلاق صواريخ نووية.

ثالثًا، إن الاتفاقية قد تفتح الباب على مصراعيه أمام المطالبة بضرورة ضم دول أو قوى نووية أخرى إليها في المستقبل، خاصة بعدما طالبت إدارة ترامب بضرورة انضمام الصين لمثل هذه المعاهدات؛ الأمر الذي قد يتجدد، بعدما كشف البنتاجون مؤخرًا النقاب عن توقعاته بشأن حجم الترسانة النووية الصينية بعد 13 عامًا، والتي ستبلغ 1500 رأس نووي بحلول 2035. وفي الوقت الذي تعتبر فيه واشنطن أن بكين تمثل أكبر تحدٍ عسكري لها، فإن هذا المخزون الصيني يبقى أدنى مما تمتلكه كل من روسيا وأمريكا من الرؤوس النووية. ورابعًا، يعكس التوصل إلى استنئاف عمليات التفتيش بين الجانبين بادرة حُسن نية وبناء ثقة بينهما، الأمر الذي يمهد الطريق أمام إعادة النظر مرة أخرى في الوصول إلى تفاهمات حول ضرورة وقف سباق التسلح الفضائي أيضًا.

وفي الواقع، هناك عدة عقبات تواجه عملية استنئاف المفاوضات بين الجانبين؛ منها الشروط الروسية التي تؤكد على ضرورة انطلاق المحادثات من مبدأ المساواة، والاحترام للمصالح الروسية وعدم تجاوز الخطوط الحُمر لروسيا في مجال أمنها القومي. وهناك أيضًا العقوبات الأمريكية الأوروبية المفروضة على موسكو، حيث إن روسيا تعتبر أن استئناف عمليات التفتيش إحدى أوراق المساومة التي يمكن من خلالها الضغط على الولايات المتحدة لتخفيف العقوبات المفروضة عليها.  ومن هذه العقبات أيضًا الترتيبات الأمنية الجديدة التي قد تفرضها نتائج ما بعد  الحرب الروسية الأوكرانية، والضمانات اللازمة للأمن في القارة الأوروبية، حيث تتضمن المعاهدة شرطًا موحدًا للانسحاب منها ينص على أن لكل طرف الحق في الانسحاب إذا قرر أن الالتزامات المنبثقة عن المعاهدة تعرِّض مصالحه العليا للخطر.

وأخيرًا، يمكننا القول إن المجتمع الدولي مطالب الآن بضرورة اتخاذ تدابير جادة وملزمة لوضع حد لفوضى انتشار التسلح النووي، وعدم امتلاك أي دولة جديدة لأي أسلحة نووية، ووقف الازدواجية الغربية في المعايير، ففي الوقت الذي تصر فيه القوى النووية على المد اللانهائي لمعاهدة منع الانتشار النووي، يأتي سعيها المستمر لتطوير وتحديث ترساناتها النووية.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.