انسحاب ترمب من ألمانيا انتصار لبوتين

الرئيسية مقالات
جيمس كيرتشيك: عن "واشنطن بوست"

أكد الرئيس دونالد ترمب اعتزامه سحب ما يقرب من 10 آلاف جندي من ألمانيا ليخفض بذلك الوجود الأميركي هناك إلى أقل من 25000.
من الصعب المبالغة في مدى سوء القرار، إذ يعد سحب هذه القوات هدية صريحة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ويجهد حلف شمال الأطلسي (الناتو) بلا طائل، ويقلل من استعداد أميركا على الصعيد العالمي للعمليات القتالية السريعة والمستمرة، ولن يوفر للولايات المتحدة أي أموال.
الأساس المنطقي الذي استند إليه ترمب هو أن ألمانيا «تأخرت» في سداد مساهمتها لحلف شمال الأطلسي (ناتو). لكن هذا غير صحيح، نظراً لأن ميزانية الناتو مقسمة بين الدول الأعضاء الثلاثين، والتزامات ألمانيا سارية حتى اليوم. ورغم أنه من الصحيح أن ألمانيا لم تحقق بعد هدف التحالف المتمثل في إنفاق الأعضاء اثنين في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على دفاعهم، إلا أن برلين تتحرك في هذا الاتجاه.
أدرك هذه الحجج جيداً، فعندما كنت القائد الأعلى لحلف شمال الأطلسي، كان لدي عمل مختلف تماماً ومتوازٍ أيضاً يتمثل في قائد القيادة الأوروبية الأميركية. كنت واحداً من ستة قادة مقاتلين موزعين جغرافياً، أو أميرالاً من فئة الأربع نجوم أو أحد الجنرالات الذين يتحمل كل منهم مسؤولية إدارة العمليات العسكرية في منطقة معينة من العالم.
في القيادة الأوروبية، كان لدي عدد كبير من العاملين في المقر الرئيسي في مدينة شتوتغارت الألمانية، وشبكة من القواعد التي امتدت عبر أوروبا الغربية. كان هناك حوالي 64 ألف فرد من جميع التخصصات في 21 قاعدة رئيسية تحت قيادتي، بما في ذلك حوالي 40 ألف فرد في ألمانيا. ومن الجدير بالذكر أن ذلك كان تقليصاً بواقع 90 في المائة تقريباً في القوات الأميركية في أوروبا منذ نهاية الحرب الباردة.
عندما أفكر في تلك الفترة، تتبادر إلى الذهن ثلاث صور: الصورة الأولى هي زيارة مستشفى الجيش في لاندستوهل بألمانيا، وهو أكبر مرفق طبي يديره الجيش الأميركي خارج الولايات المتحدة، بالإضافة إلى توفير الرعاية لعشرات الآلاف من الجنود وعائلاتهم. كان المستشفى نقطة الإخلاء الأصعب لقواتنا في العراق وأفغانستان.
في تلك الأيام، كان لدينا الآلاف من المصابين بجروح بالغة يتدفقون إلى المستشفى كل شهر قبل العودة إلى الولايات المتحدة. وخلال تجولي في الأجنحة محاولا توفير قدر من الراحة للجرحى، أذهلتني الحاجة لوجود مثل هذا المرفق من الناحية الجغرافية، حيث يمكن إجلاء قواتنا بسرعة نسبية وتقديم رعاية عالية الجودة.
كما أفكر في رحلاتي العديدة لألمانيا عند زيارتها برفقة القوات، قبل أن يجري نشرهم في الشرق الأوسط أو أفغانستان. كانوا يتحدثون مراراً وتكراراً عن مدى شعور أسرهم بالسعادة والأمان وسط المجتمعات الألمانية التي تهتم بهم. دفعت ألمانيا جزءاً كبيراً من التكلفة للإبقاء على 40 ألف جندي وسطهم، ووفرت مرافق رائعة. هذه ليست القواعد البالية للحرب الباردة، بل محطات العمليات المتقدمة في القرن الحادي والعشرين.
وأخيراً أفكر في رحلاتي العديدة إلى أفغانستان في تلك الفترة، حيث قمت بزيارة 150 ألف جندي تحت قيادتي الاستراتيجية، بعد أن تولت قوة المساعدة الأمنية الدولية بقيادة «الناتو» المسؤولية الأساسية عن الحرب هناك. كانت ألمانيا واحدة من أكبر المساهمين بقوات في الصراع الأفغاني، وفقدت العديد من الجنود. كان الألمان مسؤولين عن منطقة شمال أفغانستان التي تتمركز حول قواعد «مزار شريف»، وقاموا بعمل رائع تحت قيادة العديد من الجنرالات الألمان. سوف أقوم أيضاً بزيارة 15 ألف جندي من قوات «الناتو» في البلقان للحفاظ على جهود السلام الهشة في كوسوفو وقيادة عدد من القادة الألمان برتبة لواء.
إن السؤال الذكي الذي يتعين طرحه عند النظر في قرار أساسي هو سؤال بسيط للغاية: من المستفيد؟ في هذه الحالة، بالتأكيد ليس الولايات المتحدة، والسبب هو أن أميركا ستفقد قواعد استراتيجية قريبة من خصومها. ولن يوفر القرار أي أموال لأن البنتاغون سيفقد الإعانات الألمانية. وعندما يجري إرجاع القوات إلى الولايات المتحدة، فسوف يتطلب ذلك قواعد لإيوائهم، وإذا كانت هناك حاجة لإعادة نشرها، فستكون تكاليف النقل كبيرة.
سيتكبد «الناتو» خسائر أيضاً، ويمكنني أن أخبرك أن كل جندي أميركي موجود في القارة يساعد في ترسيخ الحلف وهو من أسباب استعداد حلفاء الولايات المتحدة للذهاب إلى العراق وأفغانستان.
وزارة الدفاع لن تستفيد. ستفقد فرص التدريب القيمة مع القوات المسلحة الألمانية ذات القدرة العالية، وسيجري الخلط بين حلفاء أميركا، وسيتساءلون عن مدى التزامنا تحقيق الردع المشترك لروسيا.

سينقلنا هذا إلى المستفيد الوحيد وهو فلاديمير بوتين. سيستخدم الزعيم الروسي هذا الانسحاب المفاجئ لتعزيز موقفه في الداخل (تخشى الولايات المتحدة من الدخول في حرب مع روسيا)، وداخل أوروبا (الولايات المتحدة ليست ملتزمة حقاً بالدفاع عنها)، ودولياً في الشرق الأوسط وأماكن أخرى (انظر كيف يتقلب الأميركيون ضد حلفائهم المفترضين؟). كل هذا لا يتعلق بألمانيا في حد ذاتها، بل بالتزام الولايات المتحدة بهيكل تحالفها بشكل عام وأوروبا بشكل خاص.
لكن لماذا تكتسب أوروبا أهمية كبيرة بالنسبة للولايات المتحدة؟ أولاً، القيم المشتركة: تعد أوروبا موطناً لمعظم الديمقراطيات التقدمية في العالم وللدول التي يتشارك الأميركيون معها القيم الأساسية. ثانياً، مع إجمالي ناتج محلي يبلغ 20 تريليون دولار ووضع كأكبر شريك تجاري لأميركا، لا يمكن التقليل من أهمية أوروبا للولايات المتحدة وللاقتصادات العالمية. ثالثاً، يتسم المسرح الأوروبي بتضاريس جيواستراتيجية حرجة، مما يمنح الولايات المتحدة فرصة النفاذ العالمي الضروري لتنفيذ العمليات في جميع أنحاء العالم. رابعاً، أوروبا هي خلفية حلف «الناتو»، أكثر تحالفات التاريخ نجاحاً ومقدرة. خامساً، أصبحت أوروبا اليوم «مصدراً للأمن»، وتمتلك بعض أكثر جيوش العالم تدريباً وتقدماً من الناحية التكنولوجية.
هناك الكثير من الأسباب الوجيهة لإبقاء قواتنا في ألمانيا، لذلك لا يمكنني التفكير في سبب منطقي واحد لسحبها للخارج. إعداد “الشرق الأوسط”

تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.