جيسون بوردوف: خدمة "نيويورك تايمز"

مصاعب مشروعات الطاقة الأميركية سلاح ذو حدين

الرئيسية مقالات

احتفى المعنيون بالبيئة في أميركا هذا الشهر، بانتكاسات في ثلاثة خطوط نفط وغاز كبرى، وذلك بعد مرور قرابة عقد على اشتعال مظاهرات ضد خط أنابيب «كيستون إكس إل». ومع هذا، فإن الاستراتيجيات القانونية التي قوضت خطوط الأنابيب يمكن كذلك تحويلها في الاتجاه المعاكس ضد مشروعات الطاقة النظيفة التي ثمة حاجة ملحة إليها للتصدي للتغييرات المناخية.
أما السبيل الواجب اتخاذه نحو المستقبل الآن، فليس تجريد عملية المراجعة البيئية من أي معنى حقيقي، مثلما اقترح مؤخراً، وإنما يجب على الحكومة تحسين مستوى جودة عملية إصدار التراخيص إذا رغبت في دفع عجلة مشروعات الطاقة المتجددة بسرعة ورفع مستوى كفاءة البنية التحتية المرتبطة بالشبكة الكهربائية، مع إعلاء كلمة القوانين البيئية البارزة التي أقرتها البلاد.
يحمل هذا الأمر أهمية خاصة الآن، في ظل الحاجة الملحة للتحرك الفوري لمكافحة التغييرات المناخية، وحاجة الاقتصاد إلى دفعة نحو الأمام. وعليه، فإننا بحاجة إلى استثمارات حكومية ضخمة في مجال البنية التحتية للطاقة النظيفة، من شحن السيارات الكهربائية، وصولاً إلى صور النقل الجماعي والسكك الحديدية، مثلما اقترح أيضاً.
جاءت انتكاسات خطوط أنابيب الغاز الثلاثة في أعقاب ازدهار واضح في إنتاج النفط والغاز الطبيعي داخل الولايات المتحدة على مدار العقد الماضي. من ناحيتها، طورت الجماعات المعنية بالبيئة استراتيجيات قانونية معقدة لإعاقة خطوط الأنابيب التي تنقل الوقود إلى السوق.
عادة ما تستلزم مشروعات خطوط الأنابيب الكبرى تصاريح فيدرالية، مثلما الحال عندما تعبر مسطحات مائية بعينها أو المناطق الرطبة أو أراضٍ عامة. إلا أنه قبل إمكانية صدور مثل هذه التصاريح، يستلزم القانون الفيدرالي من الحكومة الأميركية إجراء مراجعة للتأثيرات البيئية للمشروع المقترح. واللافت أن هذه العملية أصبحت مكلفة على نحو متزايد وتستهلك وقتاً طويلاً وعرضة للدعاوى القضائية، خاصة فيما يتعلق بمشروعات البنية التحتية الضخمة.
من ناحية أخرى، تقف أسباب كثيرة وراء الانتكاسات التي وقعت خلال الفترة الأخيرة في مشروعات خطوط الأنابيب، منها أن المحاكم وجدت أن المراجعات البيئية التي تجريها إدارة الرئيس ترمب تختار الطرق الأسهل والأسرع. إلا أن جهودها لإسراع وتيرة المشروعات تحت مسمى تحقيق «الهيمنة في مجال الطاقة» عادت بالسلب على جميع المشروعات التي كانت تسعى لتقديم العون لها.
وأعلنت اثنتان من أكبر مؤسسات المرافق العامة على مستوى الولايات المتحدة تخليها عن خطط لبناء خط أنابيب للغاز الطبيعي بطول 600 ميل يعبر درب الأبالاش، بسبب ارتفاع التكلفة وإجراءات التأخير المستمرة والشكوك التنظيمية الناشئة عن الحكم الذي قضت به محكمة مونتانا.
وأعقب ذلك إصدار محكمة فيدرالية أمراً يقضي بغلق خط أنابيب بارز آخر، «مشروع داكوتا أكسيس»، الذي ثارت بسببه مظاهرات من جانب السكان الأصليين للولايات المتحدة ومعنيين بالبيئة. وأمرت المحكمة بوقف المشروع لحين الانتهاء من عملية مراجعة بيئية وجدت الحكومة أنها افتقرت إلى الكفاءة.
وتعكس هذه الهزائم على صعيد مشروعات خطوط أنابيب الاستراتيجية القانونية المعقدة على نحو متزايد لاستغلال قوانين بيئية معقدة مصممة لحماية الأراضي والمسطحات المائية العامة، وجودة الهواء من أجل إعاقة مشروعات لاستخلاص الوقود الحفري، بناءً على أوجه قصور في عملية المراجعة البيئية والموافقات التنظيمية.
ومع هذا، فإن هذه التكتيكات ذاتها الآن من الممكن استغلالها في إعاقة مشروعات الطاقة النظيفة، التي يمكن أن يكون لها تداعيات بيئية هي الأخرى. على سبيل المثال، من الممكن أن تؤثر مشروعات الطاقة الشمسية في صحارى الولايات الواقعة غرب الولايات المتحدة على الأماكن الطبيعية. كما عارض الصيادون التجاريون في شمال شرقي البلاد مشروعات أوفشور لتوليد طاقة الرياح، بناءً على ادعائهم بأنها تتداخل مع المناطق التي يصطادون فيها.
وتسبب التأخيرات مشكلات، ليس فقط لأن الوقت ضيق أمامنا في مساعينا لكبح جماح الانبعاثات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري، وإنما كذلك نظراً للحاجة إلى إنفاقات حكومية ضخمة لتعزيز الاقتصاد الذي يرزح تحت وطأة عمليات الإغلاق جراء أزمة تفشي وباء فيروس (كوفيد – 19)، التي بإمكانها خلق فرصة فريدة للاستثمار في صور الطاقة النظيفة. في الواقع فإن طبيعة المحفزات الاقتصادية في حد ذاتها تعني أنه كلما زادت سرعة ضخ الأموال، ارتفع مستوى فاعليتها وكفاءتها.

الواضح أن التوجه الذي انتهجته الإدارة الأميركية، والساعي لاتخاذ طرق مختصرة في إجراء المراجعات البيئية وتجنب أي مشاركة حقيقية مع المجتمع، جاء بنتائج عكس المرجوة من الإدارة. الحقيقة أن ما نعته ترمب بالإصلاحات – والتي من شأنها إقرار مواعيد زمنية نهائية عشوائية واستثناء من عملية المراجعة البيئية تأثيرات المشروع المقترح على صعيد قضايا مثل التغييرات المناخية، وعدم إتاحة قدر مناسب من المشاركة المجتمعية – ليست سوى خطوات مضللة وتفتح الباب أمام سنوات طويلة من التقاضي.
ولذلك، فإن هناك حاجة حقيقية لتحسين مستوى عملية المراجعة، لكن ليس من خلال اتخاذ سبل مختصرة. في الواقع ليس ثمة حل بسيط، وإنما هناك العديد من الإجراءات التي يبقى بإمكان الحكومة الفيدرالية اتخاذها على هذا الصعيد. أولاً: يجب بذل مزيد من الجهود لاستثمار الموارد الضرورية واستغلال السلطات المتاحة تبعاً لقانون «إصلاح النقل السطحي بالولايات المتحدة لعام 2015» المعروف اختصاراً باسم قانون «فاست»، وذلك سعياً لتحقيق الهدف من القانون المتمثل في تحسين مستوى التنسيق بين الوكالات الفيدرالية بخصوص المشروعات الكبرى بمجال البنية التحتية، ومحاسبتها عن جداول زمنية معقولة ومتابعة مستوى التقدم الذي يجري إحرازه.
ثانياً: تتعين دراسة كامل التداعيات البيئية للمشروعات المقترحة، مثل ضرورة الأخذ في الاعتبار خفض الانبعاثات الكربونية المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري، إضافة إلى الأضرار البيئية المحتملة الأخرى.
وأخيراً: ينبغي إشراك المجتمعات المحيطة بالمشروعات في المناقشات الدائرة حول المخاوف المرتبطة بالمشروعات المقترحة والحلول الممكنة.
من ناحيتهم، سينظر المهتمون بالبيئة إلى الصفعات القانونية الأخيرة ضد مشروعات خطوط أنابيب باعتبارها انتصارات، لكن حال عدم تحسين مستوى المراجعات البيئية وعمليات إصدار التراخيص التي أعاقت تلك المشروعات، فإن الضحية المقبلة لها ربما تكون مشروعات الطاقة النظيفة الضخمة التي نحتاجها لإحداث تحول في اقتصاد الطاقة. إعداد “الشرق الأوسط”

تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.