الإمارات تنجز معاهدة السلام انطلاقاً من قرارات شجاعة وسيادية تجيد التعامل مع متطلبات الحاضر ومقتضيات المستقبل

الإمارات وإسرائيل.. والبحث عن السلام

الرئيسية مقالات
محمد خلفان الصوافي: كاتب إماراتي

الإمارات وإسرائيل.. والبحث عن السلام

وقعت، أمس، دولة الإمارات العربية المتحدة معاهدة السلام التاريخية مع دولة إسرائيل، وبذلك تكون الدولة العربية الثالثة التي لديها علاقات دبلوماسية كاملة ومعلنة مع إسرائيل بعد مصر والأردن.
جاء خيار توقيع المعاهدة، بعدما أدركت الإمارات ومعها أغلب أبناء المنطقة الباحثين عن السلام والاستقرار بقرار تاريخي شجاع من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو قرار سيادي وتاريخي انطلاقاً من الرغبة في تعزيز أمن المنطقة وبما يخدم حاضر الأجيال ومستقبلها وصولاً إلى علاقات تقوم على التعاون والتفاهم والتنسيق.
يدرك الجميع أن الأساليب والآليات السابقة التي اعتمدها البعض والقائمة على العنتريات والتعنت لم تأت بحلول للقضية الفلسطينية العادلة، بقدر ما كانت أحد عوامل زيادة الاحتقان السياسي والاجتماعي بين الشعوب العربية ومعها الفلسطينيين، وكانت نتيجتها استغلال بعض الدول الإقليمية لتحقيق مصالحها السياسية مع إسرائيل التي تدعو إلى معاداتها نظرياً ولكن في الخفاء تدار الصفقات معها، كما أنها كانت سبباً للتمدد الإيراني والتركي داخل المجتمعات العربية وإثارة الفوضى والتخريب فيها.
المعاهدة التي وقعها من الطرف الإماراتي سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي ومن الطرف الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رئيس وزراء دولة إسرائيل هي: خطوة تاريخية نحو الانتصار من حيث إنهاء التوتر والخلافات والدفع باتجاه حل كافة القضايا عبر لغة الحوار والمنطق والحكمة، ووضع حد لحالة التشنج السياسي الممتدة لأكثر من سبعة عقود خسر فيها الجميع العرب والإسرائيليون الكثير من الفرص لتحقيق التنمية والرفاه لشعوب هذه المنطقة بل تسببت تلك الحالة “بتوالد” حركات وتنظيمات إرهابية ومتطرفة وتزايدها مع مرور الوقت.
لاقت الخطوة الإماراتية ترحيباً دولياً كبيراً لأنها ستحرك الكثير من المياه السياسية الراكدة في موضوع حل الدولتين، وقد حدث فعلاً على مستوى الفصائل الفلسطينية مع أنها منقطعة عن التواصل رغم كل الوساطات العربية لدراسة التطبيع الإماراتي بغض النظر عما دار فيه من تفاصيل وإساءات ضد أبناء الخليج.
كما أن الترحيب بالخطوة الإماراتية لكونها مؤشر اً إيجابياً ليس فقط لأنها ستتبعها خطوات عربية أخرى تحمل نفس القناعات الإماراتية والدولية ، ولكن لأن القرارات الاستراتيجية الكبرى تحتاج شجاعة سياسية على غرار ما قامت به دولة الإمارات برؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان.
لدولة الإمارات مصداقية دولية كبيرة كسبتها خلال خطواتها الاستراتيجية لأنها غالباً ما تكون مبنية على دراسة التغيرات الواقعية في السياسة الدولية و مدى تأثيرها الإيجابي على حياة الشعوب وبالتالي فإن ملاحقة الإمارات ومتابعة ما تفعله يكون فيه المنطق الواقعي المطلوب.
المجتمع العربي في أغلب شرائحه وطوائفه الفكرية، وصل إلى مرحلة من القناعة بأن الأساليب التقليدية للتعامل مع القضايا العالقة غير مجدية أو قد انتهى عهدها خاصة بعد أن فشل من استخدموها وأصروا عليها ليس فقط في استرداد حقوقهم ومكتسباتهم ولكن حتى بالحفاظ على ما بقي منها وبالتالي لا بد من البحث عن حلول وطرق من “خارج الصندوق” السياسي التقليدي، حتى لو رفض أصحاب المصالح الشخصية والمتربحين من استمرار مأساة الإنسان الفلسطيني والعربي.
إن الشيء المؤكد وغير القابل للتشكيك فيه، أن دولة الإمارات لن تتراجع عن موقفها الأصيل في الدفاع عن القضية الفلسطينية لأنها القضية المركزية لكل العرب، وما فعلته في هذه الخطوة أنها غيرت أسلوب الدفاع وأدوات المطالبة لتواكب وقتنا الحالي، فالمصالح الاقتصادية المتبادلة، والضغط الدبلوماسي أدوات “ناعمة” ولكنها اليوم هي الأكثر تأثيراً ومنطقياً في العلاقات بين الدول.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.