لبنان وقاع الهاوية

الإفتتاحية

لبنان وقاع الهاوية

ربما حتى في عز الحرب الأهلية لم يعان لبنان أوضاعاً مأساوية ومزرية كما هو اليوم، ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال ضيق أفق الخروج من الأزمة الحالية الطاحنة المتمثلة بتعطيل تشكيل الحكومة والانهيار الاقتصادي وتداعيات انفجار مرفأ بيروت الكارثي، كما أنه من المعروف أن أي تشكيلة حكومية في لبنان يسبقها وفق العرف والبروتوكول المتعارف عليه مشاورات مع الكتل النيابية حتى يمكن أن تمر عبر بالثقة تحت القبة البرلمانية، لكن الكارثة الكبرى أنه في ظل وجود دولة داخل الدولة والمتمثلة بمليشيات “حزب الله” الإرهابي، فإن الكارثة تزداد تعقيداً خاصة مع محاولة الاستئثار بوزارة المالية للتلاعب على العقوبات الدولية المفروضة عليه، وهذا ما يتم في معارضة واضحة للأغلبية اللبنانية وشارعها المشتعل الذي يطالب بحكومة “تكنوقراط” بعيدة عن الحزبية والطائفية، لكن من يستقوون بالسلاح غير الشرعي لا يتورعون عن وضع العصي في عجلات كل محاولة يمكن أن تتم بطريقة تحظى سواء بالإرادة اللبنانية أو بالدعم الدولي، وهو الدعم الذي لا يمكن أن يتم في ظل وجود عصابة “حزب الله” ومحاولتها تشكيل حكومة على قياس أطماعها، حيث أن المجتمع الدولي يتعامل مع حكومة شرعية وأنظمة تحظى بدعم شعوبها وليس مع مليشيات.
في آخر مؤتمر صحفي للرئيس اللبناني ميشيل عون، ورداً على أحد الأسئلة في حال تعثر تشكيل الحكومة إلى أي يتجه البلد؟ وهو ما تم بعد يومين من خلال اعتذار مصطفى أديب عن التشكيل.. كانت الإجابة الصادمة: “إلى جهنم”!، وهذا يعتبر تجسيداً لمأساة جمود السلطة وكيف باتت عالة على الشعب اللبناني الذي تتردى أوضاعه تباعاً ويغرق أكثر تحت وطأة الترقب الذي لا يبدو أن له نهاية، حيث إن لبنان رهينة لمليشيات تعمل وفق أجندة خارجية ويعاني الكثير من الاستنزاف في كل ما يمكن أن يحفظ مصير البلد، فالتلويح بالحرب الأهلية والاستقواء بالتعنت الأجوف ينعكس حقيقة على حساب رغيف خبر اللبنانيين الذين لا يريدون استعادة كوابيس “تذكرة باتجاه واحد” واستنزاف الهجرة للمزيد من شبابهم ، خاصة في ظل أزمة عالمية طاحنة يعاني منها لبنان أكثر من غيره مع تخييم شبح الفراغ في السلطة التنفيذية وهو البلد الذي عانى كثيراً من فراغات مدمرة استمرت وقتاً طويلاً دون أن تأتي الحلول التوافقية الهشة بأي انفراجة على مستوى المطالب الشعبية المحقة التي تعتبر عابرة للطوائف ويطالب بها الشباب الذين ينزلون إلى الشوارع بين حين وآخر رافضين بقوة لهيمنة السلاح وجعل لبنان رهينة لمشاريع وأجندات خارجية ليس في طاقته تحملها، خاصة من حيث محاولات “حزب الله” الإرهابي الإبقاء على تلك الهيمنة والتلاعب بمصير لبنان غير آبه بالتداعيات التي يمكن أن تكون أكثر من كارثية على البلد الذي طالما عانى جنون السلاح والمليشيات والأجندات.
المجتمع الدولي يتعاطف مع لبنان رغم كل أزماته، لكنه في الوقت ذاته لن يتعامل مع أي حكومة يراها غير شرعية أو محسوبة عملياً على طرف واحد، بل يريد نظاماً يحظى باعتراف المجتمع الدولي تكون كل المساعدات والدعم الذي ينتظره البلد المنكوب عن طريق هذا النظام، أما حكومات صورية يتم تشكيلها تبعاً لمصلحة حزب مصنف إرهابي ومدرج على اللوائح السوداء فهو ما لا يمكن إلا أن يزيد معاناة البلد الغارق دون أمل بالنجاة.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.