فيتالي نعومكين: رئيس معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية/ موسكو

جنوب القوقاز والشرق الأوسط ودورة العنف

الرئيسية مقالات

كشفت الحرب الأرمنية – الأذربيجانية الجديدة، وأعتقد أن التصعيد الحالي في الصراع المسلح حول ناغورني قره باغ يمكن تسميته حرباً بكل معنى الكلمة، وإن كانت لا تزال منخفضة أو متوسطة الشدة، عن حالتين. أولاً: أن هناك علاقة وثيقة بين الأحداث في جنوب القوقاز والأحداث في بلاد الشام. أُذكّرُ في هذا الصدد بأن الجانبين يتهمان بعضهما بعضاً بإرسال مرتزقة من بين المقاتلين السوريين والليبيين الذين ترعاهم قوى إقليمية إلى منطقة القتال للمشاركة فيها، ونفس هذه القوى ترسلُ أسلحة حديثة إلى أطراف النزاع. مثل هذه المعلومات بحوزة بعض اللاعبين العالميين الذين يتهمون على وجه الخصوص تركيا بالتورط في هذه الأعمال.
ثانياً: المشاركة الكبيرة للعديد من القوى الخارجية في ديناميكية الصراع وفي نفس الوقت، ومن المفارقة، محدودية قدراتها على حفظ السلام حتى ولو كان المجتمع الدولي الذي تمثله الأمم المتحدة، منخرطاً بذلك. يمكن فقط وللأسف تثبيت حقيقة أن مجموعة مينسك، المخولة من منظمة الأمن والتعاون في أوروبا للعمل على تسوية النزاع، لم تقم في الواقع بأي نشاط ملحوظ في السنوات الأخيرة. ومع ذلك، فإن ما يبعث على بعض التفاؤل هي الدعوة الأخيرة الموجهة للأطراف المتنازعة من قبل الرؤساء المشاركين من الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا لوقف إطلاق النار في قره باغ، مما يدل على وحدة مواقف باتت نادرة في عصرنا لهؤلاء اللاعبين العالميين الثلاثة.
بالطبع، يمكن أن نتوقع، عاجلاً أم آجلاً، العودة مرة أخرى إلى نظام وقف النار الذي تبناه الطرفان في عام 1994 والذي سيستمر بدوره إلى حين اندلاع أعمال عنف جديدة. بعبارة أخرى، سينطلق من جديد «نواس العنف» القديم. لكن من دون عملية سياسية حقيقية، يتم من خلالها مناقشة الطرق العملية لحل مشكلة قره باغ بروح بناءة، وإظهار الإرادة السياسية من جانب النخب الحاكمة، فإن الصراع، الذي كان مجمداً بعمق إلى لحظة التفاقم الأخير، لن ينتقل في أفضل الأحوال إلى حالة «السبات»، وإنما إلى «غفوة مؤقتة» فقط.
في هذا الصدد، سأطرح عدة سيناريوهات أو توصيات افتراضية محضة من شأنها أن تكون «مفيدة» للّاعبين الخارجيين لأخذها في الاعتبار، والذين من دون مساعدتهم من غير المرجح أن تتمكن الأطراف المتصارعة من إيجاد مخرج من الوضع المحتدم والخطير على المجتمع الدولي. أود الإشارة هنا إلى أن هذا الوضع يشكل خطورة خاصة أيضاً على السلام والأمن في الشرق الأوسط، بالنظر إلى الدور النشط بشكل استثنائي لتركيا فيما يتعلق بالعمليات في كل من هذه المنطقة وجنوب القوقاز، حيث تقف أنقرة بشكل لا لبس فيه إلى جانب باكو. دعونا لا ننسى في هذا السياق إيران التي يُزعم، كما أوردت وسائل الإعلام، بأنها عرضت على يريفان توريد السلاح.
أول هذه السيناريوهات أو التوصيات: يتم ضمان وقف النار مع دخول الأطراف لاحقاً في مفاوضات (في صيغة ثنائية، لكن يفضل أن يكون ذلك بمشاركة ممثلين عن ناغورني قره باغ) من ثم العودة إلى الحالة «المجمدة» للنزاع. هذا هو الحد الأدنى الذي يمكن القيام به، لكن من الضروري أن يفتح الاتفاق، الذي سيتم التوصل إليه، الطريق أمام عملية سياسية حقيقية. تجدر الإشارة هنا إلى أن وزير الدفاع التركي وصف دعوة الرؤساء المشاركين لمجموعة مينسك لوقف إطلاق النار في ناغورني قره باغ بأنها «غير صادقة وغير مقنعة»، الأمر الذي يثير عدداً من المخاوف الجادة بشأن إنهاء التصعيد والعودة إلى نظام وقف إطلاق النار.
الثاني: إذا فشلت الأطراف في القيام بذلك من تلقاء نفسها في المستقبل القريب، فعندئذ وبموافقة الأطراف، يمكن النظر في نشر مؤقت لقوات روسية أو من الدول الأعضاء في رابطة الدول المستقلة أو منظمة معاهدة الأمن الجماعي في منطقة التماس من أجل فصل القوات، لكن هذا يتطلب موافقة جميع أطراف النزاع.
الثالث: الحل المفروض. تجبر مجموعة مينسك، بدعم من الأمم المتحدة، الأطراف المتنازعة من خلال صيغة مفاوضات بمشاركة ممثلين دوليين وبالطبع بعد مناقشة مفصلة، على قبول أحد خيارات حل النزاع المطورة وفقاً للقانون الدولي. في الوقت نفسه، فإن فرض خيار، باستخدام العقوبات على الأقل وغيرها من الضغوط، مفيد بشكل واضح لأحدهم، ولكنه غير موات للطرف الآخر (أو الأطراف الأخرى، نظراً لوجود ثلاثة منهم)، لن يؤدي تحت أي ظرف من الظروف إلى قبوله من قبل الأخير وسيلقى مقاومة شرسة، ذلك لأن الصراع نفسه مرتبط بمصالح الأطراف في بقائهم، فهو وجودي بطبيعته.

الرابع: من بين خيارات التسوية المحتملة، يمكن تمييز مشروع تبادل الأراضي، والذي يمكن أن يستخدم عناصر من نسخات مشروع بول غوبل المعروفة والتي رفضها الطرفان في نهاية المطاف، لكن من دون أن يكررها بشكلها الكامل بأي حال من الأحوال. أُذكّرُ بأن النسخة الأولى من «غوبل – 1» في عام 1992 افترضت، على وجه الخصوص، نقل جزء من ناغورني قره باغ إلى أرمينيا مع أراضي منابع النهر الواقعة في أذربيجان، ونقل «ممر ميغري» الذي يفصل بين أذربيجان ومقاطعة الحكم الذاتي ناخيتشيفان التابعة له إلى أذربيجان، لكن هذا الممر في الوقت نفسه يربط أرمينيا بإيران (الأمر الذي جعل هذه النسخة من المشروع غير مقبولة في يريفان). لقد حصلت هذه النسخة من الخطة على دعم من قبل الرئيس الأميركي آنذاك بوش الأب. النسخة الثانية – «غوبل – 2» من عام 1996 لم تعد تنظر في تجريد أرمينيا من حدود لها مع إيران، بل كانت تنظر في تبادل منطقة «ميغري» بالجزء الغربي من ناخيتشيفان؛ حيث كان من المفترض أن تدخل ناغورني قره باغ، جنباً إلى جنب مع ممر «لاتشين» الذي يربطها بأرمينيا، إلى أرمينيا التي لن تفقد الحدود مع إيران، وإنما يتم نقلها فقط إلى شمال الخط الحالي، في حين أن جزء ناخيتشيفان الذي سيذهب إلى أرمينيا سيستبعد الاتصال الخطير استراتيجياً على يريفان بين أذربيجان وتركيا.
الخامس: أخيراً، سأقوم بتسمية مشروع آخر تم تطويره من قبل الرئيسين المشاركين من الطرف الروسي والطرف الأميركي لمجموعة شؤون النزاعات الإقليمية في مؤتمر دارتموث الروسي – الأميركي، الذي كنت من بينهم حينذاك وما زلت حتى يومنا هذا. عَقدت المجموعة، التي ضمت بالإضافة إلى الممثلين عن أرمينيا وأذربيجان، ممثلين عن ناغورني قره باغ أيضاً، مما جعلها فريدة من نوعها لمثل هذا النوع من الحوارات المفقودة تماماً هذا اليوم، اجتماعات منتظمة على الأراضي الروسية في الفترة ما بين 2001 – 2007 كان للرئيس المشارك من الطرف الأميركي، الراحل هارولد سوندرز، دور فعال في تطوير وثيقة إطار لشرح خطتنا وتعزيز التفاعل البناء مع الروس، والذي بات غيابه أمراً مؤسفاً اليوم. كنّا ندرك جيداً أن المفهومين المتعارضين للتسوية – مفهوم التسوية على مراحل ومفهوم الحزمة – لا يمكن تطبيقهما من حيث المبدأ في غياب أدنى ثقة بين الطرفين. لقد خشي ممثلا ناغورني قره باغ وأرمينيا من أنه إذا تم التوصل إلى اتفاق بشأن إعادة الأراضي التي تحتلها أرمينيا إلى أذربيجان، فإن الأخيرة ستحقق أهدافها و«تنسى» على الفور أي وعد قُطع لهما بشأن النظر في وضع ناغورني قره باغ. والأذربيجانيون – من جهتهم – كانوا خائفين من أنهم إذا قدّموا أي تنازلات بشأن وضع ناغورني قره باغ قبل عودة الأراضي تحت السيطرة الأذربيجانية، فإن أرمينيا ستفعل كل ما في وسعها للاحتفاظ بها لنفسها، مما يقوض سيادة البلاد وسلامة أراضيها المعترف بها من قبل المجتمع الدولي. كانت المخاوف عميقة الجذور.
أنا متأكد من أن مشروعنا الذي مضى عليه 15 عاماً يمكن أن يثير اهتمام الأطراف في الظروف الحالية. سأعرض بإيجاز معالمه الرئيسية. لقد استند المشروع إلى العديد من الأفكار التي تميزه عن جميع المفاهيم والمقترحات الأخرى حول ناغورني قره باغ. أولاً إنها فكرة عملية السلام. ثانياً: هناك فكرة مهمة بشكل خاص عن الوضع المؤقت أو الانتقالي. سمح المشروع لقره باغ بالمشاركة في المفاوضات وتوقيع الوثائق وتنفيذها. من حيث الجوهر، كانت هذه الفكرة تعني إنشاء عملية تحصل من خلالها ناغورني قره باغ، من خلال أعمالها الهادفة إلى تسوية سلمية، على اعتراف فعلي من جانب أذربيجان بهذه المقاطعة كأحد أطراف النزاع، الأمر الذي من شأنه أن يضع الأسس لاعتراف أذربيجان قانونياً بناغورني قره باغ.
بعد الموافقة المبدئية على الأفكار الرئيسية للمشروع من قبل المشاركين (لاحقاً تم التنصل من الموافقة)، اقترحنا إجراء تحرير «تجريبي» من قبل القوات المسلحة الأرمينية لإحدى المناطق الست المحتلة كجزء تجريبي لا يتجزأ من المشروع، والذي يمكن اعتباره مقياساً للثقة وفي نفس الوقت كإشارة على الاستعداد لتقديم تنازلات. أعرب الجانب الأذربيجاني عن ارتياحه لأنه في هذه المرحلة الأولى من العملية، لن يحتاج إلى تقديم أي وعود بشأن الوضع النهائي لناغورني قره باغ. أود الإشارة هنا إلى أنه رغم أن أفكار المشروع تعود إلى الرؤساء المشاركين، فإن وثيقة الإطار قد تم تطويرها من قبل أطراف النزاع أنفسهم، والذين كان من بينهم وزراء خارجية سابقون ونواب وكبار المسؤولين الحكوميين السابقين مع قادة حاليين للأحزاب السياسية.
بعد الانتهاء من إحدى الجولات، توجه الرئيسان المشاركان للمجموعة الروسي والأميركي إلى المنطقة لتعريف وزراء خارجية وبرلمانات الجانبين بمشروعنا. بدا وأن الأمر قد انطلق، لكن لأسباب عدة لم يحدث ذلك.
دعونا نضع حداً للسيناريوهات المحتملة، ونسأل أنفسنا سؤالاً: هل ستدمر حرب القوقاز الجنوبي الجديدة نظام التفاعل بين المشاركين الثلاثة في عملية آستانة – روسيا وتركيا وإيران؟ آمل ألا يحدث هذا، إذ إنه ليس هناك من بين الأطراف من هو معني بذلك.
تحافظ روسيا، ورغم علاقاتها غير المتكافئة مع الأطراف المتصارعة، على علاقات شراكة معها جميعاً. في الوقت نفسه، أرمينيا هي أيضاً عضو في منظمة معاهدة الأمن الجماعي إلى جانب روسيا، وتتمركز القوات الروسية في أراضيها للحماية من التهديدات الخارجية. روسيا زودت كلا الجانبين بالأسلحة لعدة سنوات، مسترشدة بمهمة الحفاظ على التوازن بين باكو ويريفان. اليوم، تحافظ موسكو على الحياد فيما يتعلق بالصراع، وتدعو الأطراف إلى ضبط النفس ومستعدة لتكثيف الجهود نحو المصالحة. فهل سيتم اليوم التمكن من إيقاف نواس العنف؟. “الشرق الأوسط

تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.