ليونيل لورانت: عن "بلومبيرغ" الإخبارية

هل المستشفيات مستعدة للموجة الثانية من «كوفيد ـ 19»؟

الرئيسية مقالات

أذعن كثير من الدول أمام التجربة القاسية للموجة الأولى من فيروس «كوفيد- 19»؛ حيث وجدت حتى أعداد من أكثر أنظمة الرعاية الصحية سخاءً على مستوى العالم نفسها في مواجهة طوفان من حالات الإصابة بفيروس غير مألوف.
ومثلما تعلمت آسيا حقائق قاسية بخصوص كيفية التعامل مع الأوبئة، تعجُّ دول الغرب اليوم بالدروس المستفادة من التعامل مع فيروس «كورونا» المستجد الحالي. وعليه، عززت إيطاليا قدراتها في مجال الرعاية الصحية المكثفة، بينما تقدم اليوم فرنسا رواتب أفضل للعاملين بالمجال الصحي، في الوقت الذي تبني فيه إسبانيا مشفى جديداً مخصصاً للتعامل مع الوباء.
وبفضل هذه الجهود وغيرها، يجري تصوير قرارات الإغلاق الوطنية باعتبارها أمراً حدث مرة واحدة فقط ولن يتكرر. ومع ذلك، وفي ظل التفاقم الشديد مجدداً في أعداد الإصابات، تدفع الضغوط على موارد الرعاية الحيوية إلى قرارات إغلاق اقتصادية على المستويين المحلي والإقليمي.
ويشغل مرضى «كوفيد- 19» أكثر من ثلث الأسِرَّة المخصصة للرعاية المكثفة داخل باريس. ويبدو الوضع مشابهاً في مدريد. ويجري اتخاذ إجراءات إغلاق صارمة – مثل إغلاق الحانات وصالات الألعاب الرياضية ونشاطات تجارية أخرى – بهدف إبطاء تنامي حالات الإصابة وأعداد المرضى داخل المستشفيات.
ورغم أن معدل الحجز داخل المستشفى لا يزال أقل بكثير عما كان عليه الحال في الموجة الأولى، تشعر الحكومات بأنه ما من خيار أمامها سوى المبادرة إلى التحرك الآن. وتشعر الحكومات بالقلق مما ستصل إليه أعداد الإصابات في غضون شهر من الآن.
من جهته، يقدر «معهد باستور» الفرنسي أن 11 ألف مصاب بفيروس «كوفيد- 19» قد يشغلون أسِرَّة داخل وحدات الرعاية المكثفة بحلول نوفمبر (تشرين الثاني). ولا يفوق هذا الرقم القدرة القصوى للبلاد في حالات الطوارئ فحسب، وإنما يتجاوز بكثير نقطة الذروة التي سبق الوصول إليها في أبريل (نيسان).
وبالنظر إلى الأرقام المرتبطة بالمستشفيات، ثمة شعور بالإحباط إزاء التركيز الشديد على اتخاذ قرارات بخصوص ما إذا كان ينبغي غلق الحانات والمطاعم، مقارنة بالتركيز على تعزيز قدرات المستشفيات.
وتبعاً لما أفاد به كريستوف برودوم – وهو طبيب طوارئ في باريس – فإنه لو كانت فرنسا قد ضاعفت قدراتها السريرية لتصل إلى 12 ألف سرير بحلول الوقت الراهن، فإن معدل الإشغال الوطني المرتبط بحالات الإصابة بفيروس «كوفيد- 19» كان ليصبح حوالي 10 في المائة – مستوى لا يستلزم مزيداً من إجراءات الإغلاق – وليس 20 في المائة، تبعاً للتقديرات الراهنة. والتساؤل الذي يطرح نفسه الآن: هل نغلق الأعمال التجارية في وقت ينبغي لنا بناء مزيد من الأسِرَّة؟
في الواقع، يتسم هذا التساؤل بتعقيد أكبر مما يبدو عليه. الحقيقة أن أسِرَّة الرعاية المكثفة ليس من السهل إخضاعها لتحليلات التكلفة والمنفعة من وجهة نظر المسؤولين الحكوميين. وطبقاً لما أوضحته روزانا تاريكون، البروفسورة المساعدة بمجال إدارة الرعاية الصحية في جامعة «بوكوني» في ميلانو، فإن التكلفة اليومية لسرير الرعاية المكثفة يمكن أن يبلغ أي رقم ما بين قرابة ألفَي يورو (2.347 دولار) وضعف هذا المبلغ. ولا يقتصر الأمر على مجرد توفير فراش ومعدات طبية، وإنما كذلك فريق العمل الذي يتولى تشغيل هذه المعدات. والأهم من ذلك أن هذه وسيلة بمقدورها إنقاذ الأرواح؛ لكن دونما التصدي لانتشار وباء فيروس «كوفيد- 19».
وعليه، فإن بناء مزيد من الأسِرَّة من دون إحكام السيطرة على وتيرة ظهور الإصابات الجديدة سيؤدي فقط إلى إشغال مزيد من الأسِرَّة في الوقت الذي لا تبذل فيه جهود لتناول المشكلة الجوهرية. وعندما ينحسر الوباء، ستقع الضغوط الرامية لتقليص النفقات على الأسِرَّة التي أصبحت خالية فجأة.
إلا أنه تبقى هناك حدود أمام تحليلات الفعالية في ظل هذه الأوقات الفوضوية. لقد أثبتت الحكومات قدرتها على تحطيم جميع أنواع التابوهات الاقتصادية، من توفير دعم لإجازات مدفوعة الأجر للعمال، وصولاً إلى الاقتراض المشترك على المستوى الأوروبي. وعليه، فإن رفض بناء المستشفيات باعتباره عنصراً لا أهمية له في البنية التحتية يبدو موقفاً متطرفاً.
من بين الحلول الممكنة على هذا الصعيد تخصيص الموارد المتعلقة بالمستشفيات المتاحة بالفعل على نحو أفضل، بدلاً من العمل على زيادتها إلى الأبد في كل الأماكن. جدير بالذكر أنه أثناء الموجة الأولى من وباء «كوفيد- 19»، استخدمت فرنسا قطارات خاصة في نقل المرضى بمختلف أرجاء البلاد؛ بل وعبر الحدود إلى ألمانيا ولكسمبرغ. اليوم، يبدو التعاون عبر الحدود أكثر أهمية، مع تعرض بعض الدول لأزمات شديدة جراء تفشي الفيروس، بينما تبلي دول أخرى مثل إيطاليا وألمانيا بلاءً أفضل بكثير.

في هذا الصدد، اقترح فيليب جوفان، رئيس خدمات الطوارئ في مستشفى «أوروبين جورج بومبيدو» في باريس، بناء احتياطي أوروبي من العاملين والموارد في المجال الطبي؛ بحيث يمكن إرسالهم من الدول الأقل تضرراً إلى الأخرى التي بلغت حدَّ التشبع. ومن الممكن أن يتمثل سبيل آخر في تخفيف الضغوط على وحدات الرعاية المكثفة في إعادة تنظيم المستشفيات ذاتها. جدير بالذكر أن كوريا الجنوبية قاومت الحاجة لاتخاذ قرارات بالإغلاق، من خلال الاعتماد على إجراءات مراقبة موسعة واختبارات واسعة النطاق. واعتمدت في ذلك على الدروس التي استفادتها من أزمة تفشي الفيروس المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية عام 2015، من خلال توزيع المرضى تبعاً لحدة الأعراض ومدى توفر الأسِرَّة. وجرى توزيع المرضى بين منشآت مجتمعية ومستشفيات مخصصة لوباء فيروس «كوفيد- 19» ومواقع أخرى.
وعلى سبيل المثال، استضافت منشآت مجتمعية المرضى الذين أبلغوا عن حدوث تغييرات في درجات حرارة أجسادهم وأي أعراض أخرى، من خلال تطبيق عبر الهاتف الجوال أو الاتصال الهاتفي، ما يسَّر جهود الاستجابة الفورية ونقل المرضى إلى المستشفيات نهاية الأمر.
ويستلزم ذلك إعادة النظر في كيفية استغلال الموارد المتاحة، على نحو لا يبدو سهلاً على دول غربية ظلت على مدار عقود بمنأى عن موجات تفشي الأوبئة القاتلة. كما أن هذا الأمر لا يغني عن اتخاذ إجراءات وقائية.
علاوة على ذلك، فإنه لو كانت هناك لحظة مناسبة للنظر إلى الرعاية الصحية باعتبارها منفعة للمجتمع والاقتصاد وليس عبئاً على الموازنة العامة، فهي الآن بالتأكيد. وإذا رغبنا في تعلم التعايش مع الفيروس، فإنه يتعيَّن علينا التفكير في أسِرَّة المستشفيات، وليس المقاهي والمطاعم فحسب. “الشرق الأوسط”

تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.