العراق المُنهك بتدخلات إيران

الإفتتاحية

العراق المُنهك بتدخلات إيران

غصت ساحات بغداد وميادينها الرئيسية بمناسبة مرور عام على الحراك الشعبي العارم الذي شهدته احتجاجاً على تردي الأوضاع والتدخلات الإيرانية التي حولت بلدهم إلى بقعة للمعاناة والألم، إذ تحدت أعين الشعب مخرز المليشيات وقدمت أكثر من 600 قتيل و30 ألف جريح خلال أقل من عام، فضلاً عن حملة الترهيب بالخطف والاعتقالات العشوائية التي طالت الآلاف، يومها لم تمتلك السلطات شجاعة التعاطي مع الأسباب الحقيقية التي أدت إلى انفجار الشارع لأنها تعي الأسباب الحقيقية، وكيف أن المواطن العراقي الذي وصل به الحال إلى الحلم بكأس من الماء وهو ابن “بلاد الرافدين” الذي تنعم بلاده بكميات هائلة من المياه، والحلم بالحصول على الكهرباء ووطنه يطفو فوق بحر من البترول وغير ذلك الكثير خاصة الفساد ومحاولة شق الصف، فانتفض وهو يدرك تماماً أن أول أسباب الكوارث التي يرزح تحتها يكمن بتدخلات إيران عبر طبقة سياسية مرتهنة لطهران تعمل على تنفيذ أجندتها بالتوسع والهيمنة والاستيلاء على موارد العراق، ولم تنجح كافة محاولات التخويف والتلويح بالانقسام الطائفي الذي تلعب عليه إيران وأدواتها لإسكات براكين الغضب في أغلب المدن والمناطق، حيث بيّن الشعب العراقي وحدته وتكاتفه أملاً بحياة كريمة ودولة قانون عابرة للطوائف، وكانت مطالبه المحقة بجيش وطني للجميع ومؤسسات دولة قوية تقوم بواجبها تجاه كافة مكونات الشعب بغض النظر عن أي شيء آخر.
الكثير من المعاناة وما سببته من ضغوط كان لابد أن توصل الحال إلى لحظة ينفذ فيها الصبر الشعبي أمام استنفاذ موارد الدولة عبر الفساد المستشري الذي أتى على كل شيء وجعل حتى رغيف الخبز يكاد يكون حلماً، فلم تفلح سياسة الحديد والنار ولا وحشية المليشيات الإرهابية في قمع كلمة الحق التي هزت “إمبراطوريات” الساسة الغارقين في مستنقعات الفساد والمحسوبيات والارتهان والمصالح الضيقة على حساب بلد طالما كان خزاناً لأحداث التاريخ والطاقات المبدعة.
خروج مئات آلاف العراقيين في اعتصامات عارمة، كان تعبيراً متواصلاً عن رفض عجز السلطة التي لم يروا فيها إلا سلطة تطلق الوعود وتعلن نيتها القيام بالإصلاحات ومحاسبة المتورطين بالقمع دون أي نتيجة تذكر على أرض الواقع.
العراق بلد عانى كثيراً ولعقود طويلة من السياسات العبثية والحروب المتواصلة والهمجية في التعاطي مع الأحداث التي انعكست على مجمل أوضاع حياة شعبه، واليوم الحل الوحيد يتمثل بوضع حد للتدخلات الإيرانية لأنها سبب كل ما يعانيه، وطالما أن هناك مليشيات خارجة عن سلطات الدولة فلن يكون من الممكن أبداً الوصول إلى أي أوضاع جيدة تواكب تطلعات الشعب العراقي وآماله في تحسن ملحوظ بالظروف الصعبة التي يعاني منها، فقيام عراق قوي عصي على التدخلات ضمن حاضنته العربية هو الحل الوحيد الذي يمكن أن يبدأ معه عهداً جديداً يواكب المتطلبات المحقة لشارع حسم خياراته في مواجهة كافة أسباب الأزمات التي يعاني منها البلد بعد أن باتت حتى وحدته مهددة بفعل تلك التدخلات.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.