شبح جديد يخيم على أوروبا

الرئيسية مقالات
فيتالي نعومكين: رئيس معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية

في عام 1848، أعلن مؤسسا النظرية الطبقية الثورية، كارل ماركس، وفريدريك إنجلز، أن «شبحاً يطوف في أوروبا، ألا وهو شبح الشيوعية». منذ فترة طويلة لم يبقَ شيء تقريباً من هذا الشبح، باستثناء الاستعارة التي يتم تذكرها. لكن في بعض الأحيان تظهر أشباح أخرى في أوروبا والعالم. عن أحد هذه الأشباح، أعلن عالم السياسة الأميركي الشهير صمويل هنتنغتون، في إطار رؤيته «صدام الحضارات»، في عام 1993، ألا وهو شبح المواجهة المحتومة بين عالمين. في ذلك الوقت، بدا لي ومن دون شك أن أفكار هنتنغتون مبتدعة وبعيدة عن الواقع.
مرت سنوات كثيرة منذ ذلك الحين، وجرت خلالها أحداث كثيرة، منها ما أكد جزئياً أفكار عالم السياسة، ومنها ما دحضها. كان من بين التي أكدتها؛ الصعود المؤقت لـ«القاعدة» و«داعش» و«طالبان» وما يسمى بـ«الحرب العالمية على الإرهاب». برزت على أثرها لديّ شكوك، ربما كان هنتنغتون محقاً في شيء ما؟ لكن سرعان ما عُقدت عشرات المؤتمرات الدولية والطاولات المستديرة حول هذه المشكلة، التي كنت شخصياً من المشاركين فيها. حدث أني كنت في الفترة 2005 – 2007 عضواً فيما يسمى المجموعة الرفيعة المستوى لمشروع «تحالف الحضارات» من بين 20 ممثلاً عن مختلف القارات والدول العظمى. وُضعت أمام المجموعة مهمة كتابة تقرير للأمين العام للأمم المتحدة، أولاً وقبل كل شيء، حول طرق تطوير العلاقات بين الغرب والعالم. تم تقديم التقرير من قبلنا إلى الأمين العام حينها كوفي أنان، ومن ثم إلى المبادرين بهذا المشروع؛ رئيس الحكومة الإسبانية آنذاك خوسيه ثاباتيرو، ولا تزال بعض الأفكار الواردة في التقرير تبدو لي حيوية حتى في يومنا هذا “بالمناسبة، لا يزال مشروع التحالف موجوداً في إطار هياكل الأمم المتحدة”.
ومع ذلك، ومن المفارقة، أن المشكلة لم تصبح أقل حدة. ولا سيما إذا نظرنا إلى ما يحدث الآن في علاقات إحدى الدول، التي يترأسها معنيّ بالمشروع. كما أن تفاقم مشكلة المهاجرين في أوروبا يجعل الوضع أكثر توتراً. بالمناسبة، كنا قد تطرقنا في سياق مناقشاتنا في المجموعة إلى موضوع العلاقة بين حرية التعبير واحترام مشاعر المؤمنين.
أحداث الفترة الأخيرة تثير القلق. بردة فعل حادة في العالم الإسلامي، بما في ذلك في روسيا.
ولفتت تصريحات رئيس الشيشان رمضان قديروف الانتباه بشكل خاص، بعد أن أمطر الرئيس الفرنسي على مواقع التواصل الاجتماعي بانتقادات. وقال إن ماكرون يستفز المسلمين و«عقول الشباب». وقع سجال عنيف على أثر ذلك بين قديروف ونائب رئيس مجلس الدوما (مجلس النواب بالبرلمان الروسي) فلاديمير جيرينوفسكي، الذي أشار على الهواء مباشرة من إذاعة «صدى موسكو» ورداً على ذلك، طالب قديروف زعيمَ الحزب الليبرالي الديمقراطي بالاعتذار، وذكّر بمآثره في دحر التطرف في منطقته.
على الأغلب، هذا السجال قد أثار القلق في الكرملين. إذ دعا دميتري بيسكوف السكرتير الصحافي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى عدم أخذ تصريحات رئيس الشيشان بشأن ماكرون كانعكاس للسياسة الخارجية الروسية. وشدد على عدم وجوب انخراط رؤساء كيانات الاتحاد الروسي في السياسة الخارجية، وإنما المطلوب منهم هو «التركيز على الخط الذي يرسمه رئيس الدولة». وبدوره، أوضح قديروف أنه ينتقد ليس كسياسي، وإنما كمسلم.
من الواضح أن رئيس الإدارة الدينية لمسلمي الاتحاد الروسي، المفتي الشيخ راوي عين الدين، الذي أدلى بتصريح شديد الانضباط يليق بالراعي الروحي، أراد تهدئة بعض الممثلين الحماسيين والمزاجيين في روسيا. حيث قال: «قداسة الرسول (صلى الله عليه وسلم) منيعة أمام الجاهلين. دعونا نحافظ على كرامتنا بتأكيدنا على عظمة الإسلام بالأعمال النبيلة والعقلانية، ولا نلتفت للجهلة عند إدانتنا للأعمال الدنيئة في نشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة. فالقصاص هو من صلاحيات رب العالمين، والخلق والأخوة من صفات خليقته». وكتب في هذا الشأن الكاتب الروسي الشهير من أصل عربي رامي الشاعر أنه كان من الأفضل أن يعتذر البعض عن تصريحاتهم. أما توضيحات ماكرون بأن كلماته لا ينبغي أن تُفهم كما لو كان من مؤيدي الرسوم الكاريكاتورية، فقد جاءت لتهدئة الوضع. لكن هذا لم يغير كثيراً من المزاج السائد في الأمة الإسلامية الروسية.
من المفارقة أن الفضيحة الدولية، على الرغم من الخلافات الظاهرة في تقييم ما يحدث، لم تهز السلام القائم بين الأديان في روسيا، بل عززته. وأكد مفتي تتارستان ساميغولين أيضاً، أن المجتمع الروسي؛ حيث «تعلم السكان إجراء حوار متبادل الاحترام»، هو أكثر حضارة وتقدمية ونضجاً من المجتمع الأوروبي الغربي.

تتابع النخبة السياسية الروسية باهتمام دقيق كيف يتصرف الرئيس إردوغان في الوضع الحالي، وكيف يستغل ذلك في علاقاته مع القيادة الفرنسية. وتُستخدم القصة الفرنسية بوضوح في الصراعات التقليدية بين المجموعات والشخصيات المختلفة. لذلك، أشار الملاكم الشهير، بطل العالم السابق، والآن نائب مجلس الدوما نيقولاي بالوييف، إلى أن سبب العبارات الحادة التي استخدمها حبيب نور محمدوف تجاه الرئيس الفرنسي هي كلمات ماكرون نفسه. في الوقت نفسه، تحدثت السياسية الليبرالية والصحافية المعروفة كسينيا سوبتشاك عن تهديدات تأتيها من «المتعصبين».
وبضع كلمات أخرى حول الجدل الذي اندلع في البيئة الفكرية الروسية على سبيل المثال، في الآونة الأخيرة في جامعة سانت بطرسبرغ الحكومية، تم الدفاع عن أطروحة الدكتوراه للنائب الأول لرئيس الإدارة الدينية لمسلمي الاتحاد الروسي دامير محيي الدين، بنجاح كبير. مؤلف هذه السطور كان المشرف العلمي على هذه الأطروحة، وترأس المجلس حينها ميخائيل بيوتروفسكي، المدير العام لمتحف الإرميتاج الحكومي. تعرضت الأطروحة لانتقاد حاد من قبل دوائر بعض النقاد التقليديين لرئاسة الإدارة الدينية لمسلمي الاتحاد الروسي. فكما كتب البروفسور رومان سيلانتيف، الذي ينتمي إلى هذه الدائرة: «… لأول مرة داخل أسوار جامعة سانت بطرسبرغ الحكومية، نسمع تبريراً لأنشطة المنظمات الإرهابية». ليس هناك ما يبرر اتهام النائب الأول لرئيس الإدارة الدينية بـ«تبرير الإرهاب». بالطبع، يكمن وراء تبادل الاتهامات المزيفة عداء شخصي وتنافس بين مجموعات مختلفة في النخبة الروسية، والذي تستخدم فيه أحياناً عوامل عدة، أو بالأحرى الموقف تجاهها.
الهجمات الإرهابية المستمرة في فرنسا وبعض الدول الأوروبية الأخرى، والتصريحات غير المبالية لعدد من السياسيين، التي يمكن تفسيرها على أنها تمييزية، والاستقطاب العميق في آراء النخب السياسية في عدد من الدول، مع وجود عناصر واضحة بشكل متزايد من الراديكالية لدى الأطراف المتعارضة، تجعل المرء يعتقد أن الأشباح عادت تطوف من جديد في أوروبا (وربما ليس فقط فيها). لكنها أي أشباح الآن؟. “الشرق الأوسط”

تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.