القرار الأصعب لـ «الفيدرالي الأمريكي»

مقالات

 

قرر «الاحتياطي الفيدرالي» الأسبوع الماضي رفع سعر الفائدة بمعدل 0.25 في المائة بعد أكثر من سبع سنوات من الفائدة الصفرية. وكان الهدف من الاستمرار في هذه السياسة هو دعم الاقتصاد الذي عانى من آثار الأزمة العالمية، وتشجيع المستثمرين على أخذ المزيد من المخاطرة والاستثمار في الاقتصاد الحقيقي لزيادة النشاط الاقتصادي والتوظف. الهدف من هذه السياسة تحقق ولكنه أخذ فترة طويلة من الزمن، حيث اتجهت رؤوس الأموال للاستثمار في الأصول الرأسمالية بدلا من الودائع وكذلك اتجه كثير من رؤوس الأموال للاستثمار في ديون الدول ذات الاقتصادات الصاعدة، وديون الشركات والسلع. الآن مع عودة النمو الاقتصادي ومع التنبؤات بزيادة الفائدة الأمريكية، بدأت رؤوس الأموال التي اتجهت لهذه الأصول بالعودة، ما أدى إلى التأثير السلبي في أسعار هذه الأصول. قرار «الاحتياطي الفيدرالي» لم يكن مفاجئا لكنه كان قرارا صعبا، حيث كانت هناك وجهات نظر مختلفة حول توقيت الزيادة، والسيناريوهات المتعلقة بتأثيرها، خصوصا في ظل بقاء الفائدة عند مستوى الصفر لمدة طويلة. المهمة الرئيسة لـ «الاحتياطي الفيدرالي» تتمثل في تحقيق التوظف الكامل واستقرار الأسعار ومن ثم يجب على «الاحتياطي» مراعاة هذين الجانبين عند اتخاذ القرار برفع الفائدة والنظر في تبعاتها على جانبي النمو الاقتصادي والأسعار.

إحدى الأدوات التي يستخدمها الاقتصاديون لذلك هي منحنى فيليبس الذي يبين العلاقة بين التضخم والبطالة، حيث إن هناك علاقة عكسية بين هذين المتغيرين، فزيادة التضخم تعبر عن زيادة في النشاط الاقتصادي ومن ثم انخفاض البطالة، والعكس صحيح. والمتمسكون بمنحنى فيليبس في مجلس الاحتياطي يرون أن زيادة النشاط الاقتصادي الملحوظ في الولايات المتحدة الأمريكية ستؤدي إلى الضغط على الأجور بسبب زيادة التوظف ومن ثم ستؤدي إلى زيادة معدل التضخم، وهم يستنتجون بناء على ذلك أهمية المضي قدما في رفع الفائدة. على الجانب الآخر، يرى آخرون أن منحنى فيليبس للعلاقة بين البطالة والتضخم لم يعد أداة ذات مصداقية في ظل حدوث ما يسمى الركود التضخمي في السبعينيات من القرن الماضي، الذي أدى إلى ارتفاع في التضخم والبطالة معا. لذلك، هم يرون أن البديل لذلك هو النظر إلى توقعات الأسعار كمؤشر على التضخم في المستقبل، حيث تشير جميع مؤشرات السلع إلى انخفاض مستقبلي في الأسعار، الذي سينتج بالتأكيد عن انخفاض في الطلب الناتج عن تراجع في النشاط الاقتصادي. ومن ثم فإن هؤلاء يرون أن رفع الفائدة في هذا الوقت يعد مبكرا، حيث قد يؤدي إلى كبح جماح التعافي الاقتصادي.

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» جانيت ييلين وأعضاء المجلس كانوا في وضع صعب للموازنة بين وجهتي النظر اللتين لكل منهما ما يبررها. فمن جانب إما أن يبقوا على سعر الفائدة عند مستوى الصفر – وهو ما يغلب وجهة النظر الثانية – وفي حال خطئهم في ذلك وارتفاع معدلات التضخم بشكل سريع في فترة لاحقة، فسيحتاج «الاحتياطي» إلى رفع الفائدة ولكن بمعدلات أكبر وبوتيرة أسرع. ومن جانب آخر فإن تغليب وجهة النظر الأولى قد يضعهم أيضا في حرج في حال كان توقيت الزيادة غير مناسب ما سيؤثر في التعافي الاقتصادي الذي يشهده الاقتصاد الأمريكي حاليا. ولكن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قرر في النهاية المضي قدما في رفع الفائدة، ما يغلب وجهة نظر الفريق الأول. وقد بنى «الاحتياطي الفيدرالي» قراره على عدد من العوامل منها: انخفاض مستوى الدين للقطاع العائلي إلى مستويات ما قبل الأزمة المالية، وتراجع وتيرة التقشف المالي للحكومة الأمريكية، وارتفاع مستوى الدخل المتاح للقطاع العائلي بوتيرة مستمرة، وأخيرا تحقيق معدل نمو اقتصادي بمعدل 2 في المائة خلال السنوات الخمس الأخيرة.

الجانب الأخير الذي تجدر الإشارة إليه هو تأثير رفع الفائدة الأمريكية خارج حدود الولايات المتحدة الأمريكية، حيث واجه عدد من دول الاقتصادات الناشئة تدفقات خارجة لرأس المال وتراجعا لأسعار صرف عملاتها. وبشكل عام يواجه الاقتصاد العالمي اليوم اختلافا في السياسة النقدية للاقتصادات الرئيسة في كل من الولايات المتحدة الأمريكية التي أنهت عملية التيسير الكمي وبدأت فعليا في استعادة الوضع الطبيعي للسياسة النقدية Monetary Policy Normalization، وكل من اليابان ومنطقة اليورو، التي ستضطر كل منهما للتوسع في التيسير الكمي لمواجهة تراجع معدلات النمو الاقتصادي فيهما، وفي بريطانيا التي تتمتع بنمو اقتصادي جيد يعد الأفضل في دول الاقتصادات المتقدمة لكنها في الوقت نفسه تعاني تراجع معدلات التضخم، ما يجعلها في وضع حذر لزيادة الفائدة. ونظرا لأن السياسات النقدية لكل دولة دائما تبنى على الظروف المحلية للدولة وليس على الظروف المحلية لدول أخرى، فإن هذا التباعد في السياسات النقدية للدول المتقدمة سيكون له آثار في الاستقرار الاقتصادي العالمي تجب متابعتها بشكل دقيق، لتجنب أن تؤدي السياسات في دولة أو منطقة إلى إلغاء تأثير السياسات في منطقة أخرى، ومن ثم إضعاف تأثير السياسات النقدية على المستوى المحلي. هذا ما يطلق عليه محمد العريان في مقال له صدر أخيرا حول ذلك (الاختلاف العظيم في السياسات Great Policy Divergence الذي يتوقع أن يكون موضوع الحديث في الأوساط والمنتديات الاقتصادية العالمية خلال الفترة المقبلة.نقلا عن الاقتصادية


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.