من أين جاءت شعبية ترامب؟

مقالات

خاص بـ «الوطن» عن واشنطن بوست

دعوني أعرفكم بما أسميه بـ «السياسة من أجل احترام الذات»، والتي تعني ازدياد المشاركة في السياسة من قبل جميع الاتجاهات اليمينية واليسارية وأصحاب النوايا السليمة، فقط لأن مشاركتهم السياسية تلك تجعلهم يشعرون بأنهم أفضل أو أنها تزيد ثقتهم بأنفسهم. هذه الظاهرة سبقت ترشح دونالد ترامب للرئاسة الأمريكية، ولكن بإمكانها مساعدتنا على تفسير لغز ترامب الذي يحير الكثير من المراقبين.

هذا اللغز يتضح في سلوك ترامب المتكرر لقول بعض الأشياء التي تبدو معقولة جداً بالنسبة له في حين أنها بغيضة وهجومية وغبية أو ببساطة خاطئة. لكن بدلا من أن تأتي أخطائه تلك بنتائج عكسية واضحة، من خلال زرع الشك بداخل النفوس حول كفاءته وقيمه الأخلاقية، يحدث عكس ذلك تماما. فكلما خالف ترامب الأعراف السائدة ازدادت شعبيته بين الجمهوريين. أحدث مثال على هذا الأمر كان اقتراحه الذي حاز على انتقادات واسعة، والذي أراد من خلاله حظر دخول جميع المسلمين للولايات المتحدة، ليرتفع بعدها دعمه بين الجمهوريين إلى 38% في شهر ديسمبر من 32% في نوفمبر، وفقا لمسح أجرته واشنطن بوست وايه بي سي نيوز.
ورقة ترامب الرابحة ليست حول إعادة تعريف السياسة، لكن من خلال استغلال التغيرات الكبيرة الحادثة في العقود الأخيرة. فمنذ الحرب العالمية الثانية والكثير من السياسة الوطنية تنطوي على النضال من أجل زيادة الفوائد الاقتصادية. في عام 1940، نقلت الحكومة حوالي 7% من الدخل القومي من بعض الجماعات لجماعات أخرى، ووصلت تلك النسبة الآن إلى ما يقرب من 20%. هذا الأمر لا يزال يشكل جزءا كبيرا من السياسة والمناقشات بشأن الإنفاق على الطرق السريعة والدعم الزراعي والضرائب وغيرها من المواضيع الأخرى. لكن قرارات الإنفاق تدريجية، ولا تحدث بصورة تحولات جذرية.
لهذا أخذت السياسة تتشكل بصورة متزايدة عن طريق القضايا المتعلقة بالناحية الأخلاقية، كالإجهاض وحقوق المثليين والانحباس الحراري وترخيص حمل الأسلحة والهجرة والرعاية الصحية، على سبيل المثال لا الحصر. لذا فبالمقارنة مع معظم القضايا الاقتصادية الأخرى، فإن هذه المشكلات تحظى باهتمام واسع من الناحية السياسية. حيث إن العديد من المسائل الاقتصادية يمكننا التفاوض عليها لخلق التنازلات التي قد ترضي البعض أو تغضبهم، وغالبا ما تساوي تلك القضايا بين الجميع، فدائما هناك مجال للأخذ والعطاء. على النقيض من ذلك، عادة ما تكون التنازلات بشأن المسائل الأخلاقية صعبة وفي الكثير من الأحيان تصبح مستحيلة.
مؤديون الحروب الأخلاقية المختلفة، وهم من مختلف الاتجاهات اليمينية واليسارية، مخلصون عموما لقضاياهم. فالليبراليون يتعهدون بإنقاذ كوكب الأرض والمحافظون يتعهدون بإنهاء الهجرة غير الشرعية. لكنها هي العاطفة ذاتها التي تشير إلى أنهم يشعرون بتفوقهم الأخلاقي على خصومهم وتجعلهم يتلهفون لأي شيء يعزز إحساسهم بالتفوق. مما يعطيهم ما أسميه “بالفوائد النفسية”، تماما كما يحصل المستفيدون من الضمان الاجتماعي على الفوائد الاقتصادية. إلا أنه، ولحد كبير، لا تتطلب هذه الفوائد النفسية تشريعًا. أي أنه يكفيهم أي شيء يؤيد موقفهم، فسيبدو هذا جيدًا، أو على الجانب الآخر، أي شيء يعارضهم سيبدو سيئاً ويمكنهم الاكتفاء بذلك.
إذا ما هو أكثر شيء يفضله أنصار ترامب فيه، حتى لو كانوا يختلفون مع بعض سياساته (كما يحدث في بعض الأحيان)؟ الإجابة أنه قد خلق صورة مثالية لنفسه ولم يدع الآخرين يفعلون هذا الأمر نيابة عنه. هذه الصورة أكدت تفوق قيمه على الأحكام الصادرة عن “المؤسسات السياسية” و “وسائل الإعلام الرئيسية”. لذلك استطاع أنصاره تحدي أحكام الآخرين المعادية لقيمهم، وفي المسابقة الكبرى للقيم، امتلكوا بطلهم والمتحدث بالنيابة عنهم، وهو ما جعلهم يشعرون بالرضا عن أنفسهم. هذه هي الفوائد النفسية التي أتحدث عنها.
بالنسبة “للمؤسسات السياسية” و«وسائل الإعلام الرئيسية» ذلك الأمر يشكل معضلة. فعندما يقدم ترامب مقترحاته التي تنتقدهم، والتي غير قابلة للتطبيق وغير مرغوب فيها، أو للأسف عنصرية إلى حد كبير، يصبح لديهم خيارين كلاهما سيئ. إذا قرروا عدم الرد، قد يبدو صمتهم تغاضي عن السياسات المعترضين عليها، وإذا قاموا بالتنديد بالعديد من أفكار ترامب، فتعرضه للهجوم يزيد من شعبيته بين أنصاره.
ليس حتميا أن تستمر هذه الدورة إلى أجل غير مسمى، فترامب قد يتعثر، وقد يتفوق عليه بعض المرشحين الآخرين. أو أن سيل الانتقادات قد يصل إلى مرحلة حرجة تثير معها شكوكاً جديدة بين بعض أتباعه. فالسياسة هي أمر معقد ومتقلب، ومع ذلك فاجأت شعبية ترامب حتى الآن العديد من الصحفيين المخضرمين ومراقبي الانتخابات الذين استهانوا بمهاراته السياسية.
الدرس المستفاد هنا يتعلق “بالسياسة من أجل احترام الذات”، التي غرست التظاهر بالفضائل والنفاق في نظام الحكم وجعلت من الصعب تحقيق التسوية السياسية وتقديم التنازلات. أصحاب النوايا السليمة كثيرا ما يتصرفون بطرق صارمة من أجل تعظيم شخصيتهم وتعزيز احترامهم لذاتهم، بينما هم في الواقع يضيقون الخناق على الحكم السليم للبلاد.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.