الالتزام بالتمويل المستدام للمنظمة هو استثمار في عالم أوفر صحة وأكثر أماناً لنا جميعاً

«كوفيد 19» أثبت أن التمويل المستدام لـ«الصحة العالمية» ضرورة لتحقيق هدف الصحة للجميع

الرئيسية مقالات
غوردون براون وهيلين كلارك وغراسا ماشيل وبول مارتن وإيلين جونسون سيرليف والحاج آس سي وفيليسيتي هارفي :مسؤولون وخبراء في مجال الصحة

 

 

«كوفيد 19» أثبت أن التمويل المستدام لـ«الصحة العالمية» ضرورة لتحقيق هدف الصحة للجميع

 

 

 

 

ما القيمة التي نوليها لصحتنا؟ مؤكَّداً ليس ما يكفي، إن كان ثمة ما تعلمناه من جائحة «كوفيد 19».

لقد أُهملت هذه الحقيقة الصارخة طويلاً بتكلفة باهظة يشهدها العالم بأسره اليوم.

ولم يكن الرد على التحذير تلو التحذير بشأن ضرورة تقوية دفاعات العالم ضد جوائح مسببات المرض المستجدة سوى كلام معسول، وهو ما ترك العالم جاثياً على ركبتيه قبل عامين تحت رحمة السيل الجارف من المعاناة القادمة.

وكانت الحصيلة خسائر فادحة ومتفاقمة في الأرواح، حيث لقي أكثر من 5 ملايين شخص حتفهم، ولا يزال عدد الوفيات في تزايد، فضلاً عن ملايين لا تُحصى من المصابين بالعدوى الذين يواجه كثيرون منهم حول العالم مضاعفات وخيمة دون أن يتسنى لهم الحصول على الرعاية التي يحتاجون إليها في المستشفيات المنهكة فوق طاقتها.

أضف إلى ذلك «كوفيد» طويل الأمد وما يسببه من كرب نفسي لا يُطاق، ليرتسم أمامك مشهد الآلاف المؤلفة من الأشخاص الذين خلّفت فيهم هذه الجائحة ندوباً مؤلمة ومتنوعة والأهم أنها ندوب كان يمكن تفاديها.

إن التقاعس عن الاستثمار في التأهب للجوائح والاستجابة لها، وبشكل أعمّ في صحة الناس كافة لم يزل أبرز أعراض النهج العليل الذي انتهجه العالم على مدى عقود من الزمن إزاء الاستثمار في الصحة العامة العالمية وفي التغطية الصحية الشاملة.

وقد كثف قادة «العشرين» جهودهم في أثناء اجتماعهم في روما الخريف الماضي، ولكنهم أخفقوا في التصدي كما ينبغي، لعدم كفاية التمويل المخصص للعمل على حماية العالم من الجوائح، وعلى وجه الخصوص تمويل منظمة الصحة العالمية “المنظمة” للاضطلاع بولايتها الواسعة والمتنامية بصفتها السلطة العالمية الرائدة في مجال الصحة العالمية.

ونحن نقدّر اعتراف قادة العالم بأن الصحة العالمية وصحة المنظمة صنوان لا يفترقان، وأن ضمان التمويل المستدام للمنظمة ليس ضرورة ملحّة فحسب، بل هو أيضاً هدف واقعي يمكن إنجازه في عام 2022.

وصعوبات التمويل التي تواجه المنظمة ليست بالأمر الجديد، وإنما هي مشكلة طال عليها الأمد وتجلت على مدى العقود الماضية بأشكال كثيرة صارخة. وهي مؤشر على الإخفاق العام في الاستثمار بما يكفي في الصحة العامة العالمية. ويجب وضع حدّ لهذه المشكلة الآن.

فخلال الأعوام الأخيرة، تراجع بشكل مطرد الاستقلال المالي والتشغيلي للمنظمة. فقبل أربعين عاماً، كانت المنظمة تتلقى 80% من مواردها في شكل «اشتراكات مقدّرة»، وهي رسوم العضوية المقررة التي تدفعها البلدان. وكانت تلك الإيرادات ثابتة ومتوقعة وغير مرتهنة ويمكن توظيفها لمعالجة طيف واسع من المسائل الصحية الحاسمة، ابتداءً من الأنشطة العلمية الأساسية للمنظمة إلى عملها في مجال التصدي للطوارئ الصحية. أما بقية التمويل فكانت تتأتى من المساهمات الطوعية التي تقدمها جهات مانحة متنوعة، من الحكومات إلى المؤسسات الخيرية، وكانت تُخصص لمجالات صحية محددة.

أما اليوم، فإن 16% فقط من ميزانية المنظمة تقدمها الحكومات من خلال رسوم العضوية غير المرتهنة باشتراطات معينة. أما الغالبية الساحقة من التمويل فتتأتى من المساهمات الطوعية التي كثيراً ما تكون مشفوعة بشروط محددة وفي بعض الأحيان تقييدية، وتُقدّم بشكل دوري على مدى سنتين عادةً.

وقد أدّى هذا الوضع، فضلاً عن استحالة التخطيط الطويل الأمد، إلى إضعاف قدرة المنظمة تدريجياً عن الاضطلاع بالطيف الواسع والمتنامي من المهام التي تطلبها وتحتاج إليها جميع الحكومات منها، وبالتالي شعوبها. وأسفر ذلك، على وجه الخصوص، عن نقص في تمويل التأهب للطوارئ والوقاية من الأمراض غير السارية ومكافحتها.

ولا يتعلق الأمر بمقدار الأموال التي تتلقاها المنظمة فحسب، بل يتعلق أيضاً بنوعية الموارد المقدمة، وتحديداً مدى المرونة المتاحة لاستعمالها وما إذا كان بوسع المنظمة الوثوق باستمرار تلقي هذه الموارد. فكلما كانت الموارد أكثر مرونة وقابلية للتنبؤ كان الأمر أفضل.

وفي الآونة الأخيرة، أجريت استعراضات مستقلة كثيرة للاستجابة الموجهة للجائحة مسلطة الضوء على الاحتياجات التمويلية للمنظمة، التي تشكّل الآن أيضاً بؤرة اهتمام الحكومات في معرض نقاشها حول كيف يمكن جعل المنظمة أقدر على الاضطلاع بالولاية التي كُلّفت بها.

وقد دعا جميع الخبراء المستقلون في عملية استخلاص العبر من جائحة «كوفيد 19» إلى زيادة استثمار الدول الأعضاء في استقلال المنظمة ونزاهتها من خلال إدخال زيادة كبيرة على اشتراكاتها المقدرة.

وما زلنا نعتقد أن تمويل المنظمة بواسطة زيادة كبيرة في الاشتراكات المقدرة، لتصل حصتها إلى المستوى الذي كانت عليه في الثمانينات بنسبة 80%، هو الوسيلة الأفضل للمضي قدماً. ولكننا نتقبل أن المقترح الرئيسي قيد النظر حالياً من خلال العملية التي يقودها فريق عامل بقيادة الدول الأعضاء، هو زيادة الاشتراكات من مستواها الحالي البالغ أقل من 20% من الميزانية الأساسية إلى 50% منها، وإتاحة الوقت اللازم لجميع البلدان لاستيعاب هذه الزيادة والتخطيط لها من خلال إدخالها تدريجياً على مراحل ابتداءً من عام 2028. وسيكفل اتخاذ هذه الخطوة تمويلاً مستقراً يمكن التنبؤ به لعمل المنظمة في مجال التأهب للطوارئ، ابتداءً من إرساء القواعد الأساسية لحماية المجتمعات المحلية من «إيبولا» إلى توطيد نُظم الرعاية الصحية في السياقات الهشة. وسيمكّن ذلك المنظمة أيضاً من الاستثمار في دعم تعافي البلدان من جائحة «كوفيد 19»، والتصدي لأوبئة الأمراض المزمنة غير السارية، مثل السكري وأمراض القلب وأنواع السرطان، فضلاً عن تمكينها من التخطيط المسبق للتصدي للتهديدات الصحية المتنامية المرتبطة بتغير المناخ، على سبيل المثال. وقد أكّد قادة مجموعة العشرين أيضاً الحاجة إلى تحقيق اللياقة المالية للمنظمة عندما اعترفوا بضرورة إيجاد «منظمة صحة عالمية ممولة تمويلاً كافياً ومستداماً» للاضطلاع بعملها الريادي والتنسيقي في مجال الصحة العالمية.

وإن كان ثمة درس تعلمناه من جائحة «كوفيد 19» فهو أننا بحاجة إلى إجراء تقييم جذري للقيمة التي نوليها للصحة. فالمليارات اللازمة للوقاية من الأزمات الصحية والاستجابة لها تدرأ تريليونات من التكاليف الناجمة عن عمليات الإفلاس وفقدان الوظائف وحِزم التحفيز الاقتصادي التي يتكبّدها الاقتصاد العالمي جراء طوارئ مثل جائحة «كوفيد 19». والبلدان التي تستثمر في الصحة تحقق مردوداً استثمارياً عظيماً. فالبلدان التي كرّست موارد للتغطية الصحية الشاملة والرعاية الصحية الأولية تستثمر في رفاهية الأطفال والراشدين وكبار السن لتمكينهم من الالتحاق بالمدارس وسوق العمل والحفاظ على صحتهم في أحسن حال ممكن. وهذا الاستثمار هو ركيزة الأمن الصحي الراسخ.

إن مهمة ضمان الصحة للجميع تكمن في صلب كل ما تقوم به المنظمة. غير أن الوفاء بهذه المهمة يتوقف على الصحة المالية السليمة للمنظمة نفسها. فالالتزام بالتمويل المستدام للمنظمة هو استثمار في عالم أوفر صحة وأكثر أماناً لنا جميعاً.عن “الشرق الأوسط”

 

 

 

 


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.