إن الحاجة للجراحة تُعد أحد التحديات الرئيسة أمام استخدام واجهات الدماغ الحاسوبية غير أنها قد تكون الحل الأمثل لبعض الحالات

شريحة دماغية تمكِّن مريض التصلب الجانبي الضموري من التواصل

الرئيسية مقالات
محمد شعبان:صحفي علمي

 

شريحة دماغية تمكِّن مريض التصلب الجانبي الضموري من التواصل

 

 

 

 

 

 

 

“أحب ابني الرائع”… كانت تلك الكلمات الأولى لمريض يعاني حالة متقدمة من مرض التصلب الجانبي الضموري، عبر بها عن شعوره بعد أن أفقده المرض القدرة على التواصل مع الآخرين؛ إذ يدمر هذا المرض الأعصاب التي تتحكم في الحركة، وبالتالي يفقد المرضى في حالات المرض المتقدمة القدرة على أداء أي حركة إرادية، فلا يستطيعون المشي أو التحدث، ولكنهم يكونون قادرين على التفكير والشعور والرؤية والسمع والتذوق والشم.

ومن دون القدرة على تحريك الفم واللسان، يصبح التواصل مع مرضى التصلب الجانبي الضموري محدودًا للغاية، وأحيانًا تُستخدم إشارات الأعين -إن كانت لا تزال قادرةً على الحركة- كلغة للتواصل مع ذوي المرضى، جهود بحثية مضنية بُذلت من أجل تمكين المرضى من التواصل حتى ولو بشكل محدود مع ذويهم ومع أفراد الفريق الطبي الذي يتولى علاجهم.

في عام 2016، أظهرت نتائج دراسة تَمَكُّن امرأة مصابة بالمرض من كتابة بعض الجمل -على أحد البرامج الحاسوبية- باستخدام شريحة دماغية تتيح التواصل المباشر بين دماغ الإنسان والحاسوب، وتُعرف باسم “واجهات الدماغ الحاسوبية”، غير أن هذه المريضة كانت لا تزال تتمتع بقدر ضئيل من القدرة على التحكُّم في عضلات العين والفم.

إعادة التواصل

ولكن، هب أن الدماغ قد فقد سيطرته على الجسم بأكمله، فهل ستكون إشارات الدماغ حينئذٍ مفيدة لأن تُتَرجَم إلى أي شكل من أشكال التواصل؟

كان هذا هو الحال مع أحد مرضى التصلب الجانبي الضموري الذين يعانون حالة عُزلة كلية، ففي عام 2018، شُخصت حالة المريض بواسطة فريق من العلماء في جامعة توبنغن الألمانية، وفي غضون أشهر، فقد المريض القدرة على المشي والتحدث، وبعد عام، وُضِع المريض على جهاز التنفس الاصطناعي لمساعدته على التنفس، ثم فقد قدرته على تحريك عينيه، ولذا، فقد دفعت حالة العزلة الكلية تلك إلى إجراء جراحة لاستزراع غرسة دماغية تمكِّنه من البقاء على تواصل مع عائلته، وقد تقدمت زوجة المريض وأخته بموافقة كتابية على إجراء هذه الجراحة.

في هذا الإطار، أفادت دراسة بحثية حديثة نُشرت في دورية “نيتشر كوميونيكيشنز” Nature Communications  في 22 مارس الماضي، بتمكُّن المريض من اختيار الحروف، واحدًا تلو الآخر، من أجل تكوين كلمات وجمل للتعبير عن أفكاره واحتياجاته، وذلك لأول مرة فيما يتعلق بالمرضى الذين دخلوا هذه المرحلة المتقدمة من المرض.

وتعقيبًا على الدراسة، تقول ماريسكا فانستينسل -الأستاذ المساعد في مركز الدماغ التابع للمركز الطبي الجامعي بأوترخت بهولندا، وغير المشاركة في الدراسة- في تصريحاتها لـ”للعلم”: إن هذه النتائج أظهرت “قدرة مرضى التصلب الجانبي الضموري الذين يعانون حالة عزلة كلية -وليس لديهم أي طريقة أخرى للتواصل- على تهجئة الكلمات والجمل باستخدام إشارات الدماغ فقط”.

يقول أوجوال شودري -المؤلف الأول في الدراسة والمدير العام لشركة “إيه إل إس فويس” (ALS Voice gGmbH)- في تصريحاته لـ”للعلم”: “إن حالة العزلة الكلِّيَّة تلك -والمعروفة اختصارًا بـCLIS تختلف عن حالة العزلة التي يستطيع المريض فيها استخدام عينيه للتواصل، والمعروفة اختصارًا باسم LIS، موضحةً أنه في حالة العزلة الكلية تتدهور حالة المريض حتى يفقد السيطرة على العضلات المتحكِّمة في حركة العين.

التحكم في إشارات الدماغ

في البداية زرع الفريق البحثي اثنين من الأقطاب الكهربائية الدقيقة في جزء الدماغ الذي يتحكم في الحركة، ومن ثم قام بتوجيه أسئلة “نعم” أو “لا” إلى المريض، طالبين منه تحريك يديه أو قدميه أو رأسه أو عينيه للإجابة عن تلك الأسئلة، غير أن الإشارات العصبية كانت غير متسقة على النحو الذي يسمح بفك تشفيرها من قِبل الباحثين.

وبعد 3 أشهر من هذه المحاولات غير الناجحة، استخدم الفريق طريقة التغذية الراجعة العصبية المعتمدة على السمع لدى المريض، والتي يُطلَب فيها من المريض تعديل إشاراته الدماغية وفقًا لقياسات تؤخذ في الوقت الفعلي وتُظهِر مدى نجاحه في إتمام المهمة الموجه إليها، فعلى سبيل المثال، طُلِبَ من المريض تعديل ترددات بعض النغمات الصوتية -التحكم في صوت النغمة التي يسمعها محاولًا رفع ترددها أو خفضه- باستخدام نشاط دماغه العصبي.

كانت هذه الإستراتيجية بمنزلة “لحظة وجدتُها” بالنسبة للفريق البحثي، كما يقول “شودري”؛ فمن خلال تعديل إشاراته العصبية، تمكَّن المريض من تعديل تردُّد النغمة ومطابقتها مع تردُّد النغمة التي استمع إليها، وبمجرد الوصول إلى التردد المطلوب، يسمع المريض صوتًا يفيد بنجاحه في إتمام المهمة.

ومن خلال التحكم في إيقاع النغمة، انخفاضًا وارتفاعًا، تمكَّن الرجل -البالغ من العمر الآن 36 عامًا- من الاختيار بين “نعم” أو “لا” لمجموعة من الأحرف، فارتفاع صوت النغمة يعني “نعم” وانخفاضها يعني “لا”، وقد جُزئت الأبجدية إلى مجموعات لها ألوان مختلفة، فلو أراد المريض اختيار الحرف “أ” على سبيل المثال، فستُعرض عليه المجموعات اللونية واحدةً تلو الأخرى، ويتبع ذلك نغمة صوتية يقوم المريض بتعديل ترددها لاختيار “نعم” أو “لا”، ومن ثم “تُعرض عليه الأحرف داخل هذه المجموعة اللونية واحدًا تلو الآخر ليختار من بينها أيضًا من خلال تعديل النغمة الصوتية انخفاضًا وارتفاعًا”، كما يقول “شودري”.

وبعد ثلاثة أسابيع من التمرُّن على هذا النظام، تمكَّن المريض من تكوين جمل مفيدة؛ ففي إحدى هذه الجمل، طلب المريض من مقدمي الرعاية الصحية تغيير وضعيته، وبعد عام تمكَّن من تكوين عشرات الجمل -بمعدل مُضنٍ بلغ حرفًا في الدقيقة- والتي كان من بينها “أحب ابني الرائع”.

ويذكر نيلز بيرباومر -طبيب الأعصاب المعالج وقائد الدراسة في جامعة توبنغن- في تصريحاته “للعلم” أن “هذا المريض يُعد أول شخص على الإطلاق يمكنه التواصل بطلاقة وهو في حالة عزلة كلية إثر مرض التصلب الجانبي الضموري”.

تحديات قائمة

ويوضح شودري أن “أكثر من 52.6% من هذه الجلسات نتج عنها مطابقة تردد النغمة بدقة بلغت 90% على الأقل، وأن 17.1% من الجلسات كانت نسبة مطابقتها أقل من 80%”.

وتعليقًا على مستوى الدقة الذي ينبغي لهذه الأجهزة الوصول إليه، يقول بريندان أليسون، الباحث في جامعة كاليفورنيا الأمريكية في سان دييغو، وغير المشارك في الدراسة: “يعتمد ذلك على العديد من العوامل، فلو أن أمامك خيارين فقط، فإن مستوى من الدقة بنسبة 65% يُعد غير كافٍ”.

ويضيف “أليسون” في تصريحاته لـ”للعلم”: “لكن لو كان لديك العديد من الخيارات وقدرة على تصحيح الخطأ، فإن دقة بنسبة 65% تكون كافية؛ إذ تعتمد دقة واجهات الدماغ الحاسوبية -كغيرها من العوامل المرتبطة بتلك الواجهات- على التطبيق وقدرات المستخدم وتفضيلاته”.

وترى “فانستينسل” أن أحد التحديات الرئيسة لهذه الدراسة هو “عدم قدرتها على العمل خلال كل الأيام التي شهدتها التجربة”؛ إذ نجحت محاولات التواصل في 107 من الأيام، وذلك من إجمالي 135 يومًا أبلغت عنها الدراسة، وقد أنتجت 44 محاولة فقط -من هذه المحاولات الــ107- جملًا واضحة.

ويَعزو “شودري” السبب في ذلك إلى حالة الدماغ الذهنية، إذ يقول: “إن الأصحاء أنفسهم قد يشعرون بالتعب أو يعجزون عن أداء بعض مهماتهم لو كانوا في حالة صحية غير جيدة، أو لم يأخذوا قسطًا وافرًا من النوم، أو لأيٍّ من العوامل الأخرى”.

والجدير بالذكر أن هذه الغرسة لم تكن مُعَدَّة من قبل، بل جرى تطويرها خلال تطوُّر الحالة الصحية للمريض، التي انتهت بوصوله إلى حالة العزلة الكلية، مما يعني أن بعض مراحل التطوير والتدريب على هذه الغرسة كانت قبل أن يعاني المريض حالة العزلة الكلية، ولذا، فإن إران كلاين -الأستاذ المساعد المنتسب في جامعة واشنطن وغير المشارك في الدراسة- يرى “عدم وجود ما يضمن نجاح هذه الغرسة في الأشخاص الذين هم بالفعل في حالة عزلة كلية، أو أولئك الذين يجدون أنفسهم فجأةً في حالة عزلة كلية، نتيجة الإصابة بسكتة دماغية على سبيل المثال”، وذلك وفق ما صرح به لـ”للعلم”.

وإضافةً إلى ذلك، يقول “أليسون”: “إن الحاجة إلى الجراحة تُعد أحد التحديات الرئيسة أمام استخدام واجهات الدماغ الحاسوبية الغائرة، غير أن هناك بعض الحالات المرضية التي يكون فيها مثل تلك الجراحات هو الخيار الأفضل للمريض”.

ويشير “بيرباومر” إلى أن “تكلفة هذه المعدات تبلغ 150 ألف يورو، إضافةً إلى التكاليف الشخصية وتكلفة الجراحة في أوروبا التي تساوي المبلغ ذاته تقريبًا، كما تحتاج هذه الأنظمة إلى أن تكون أصغر حجمًا وأن تعمل بشكل آلي يمكِّن ذوي المرضى وكذلك مقدمي الرعاية الصحية من استخدامها دون الحاجة إلى الخبراء”.

كما تشير “فانستينسل” إلى أن “هناك العديد من القضايا الأخلاقية التي يتوجَّب معالجتها قبل أن نرى واجهات الدماغ الحاسوبية في العيادات الطبية، والتي من بينها الجراحة اللازمة لزرع هذه الغرسات الدماغية وما قد يصحبه من مخاطر، إضافةً إلى أهمية توفير حماية فائقة لخصوصية بيانات الدماغ”.

وعلى الرغم من هذه التحديات، فإن هذه الدراسة قد تمهد الطريق للمزيد من الأبحاث التي تهدف إلى تطوير غرسات دماغية من شأنها أن تمكِّن المرضى في مراحل العُزلة الكُلية من التواصل مع ذويهم بشكل أفضل.عن “ساينتافيك أميريكان”

 


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.