في ظل صعود الدولار وتراجع اليورو من المحتمل أن تستجيب التجارة العالمية أكثر من غيرها وتتأثر آنياً تبعاً لذلك

صعود الدولار وتراجع اليورو: الأسباب والنتائج

الرئيسية مقالات
مركز تريندز للبحوث والاستشارات

اتجاهات مستقبلية

صعود الدولار وتراجع اليورو: الأسباب والنتائج

لم تقتصر التداعيات العالمية للحرب الروسية-الأوكرانية على التدهور المتسارع للعديد من متغيرات الاقتصاد الحقيقي كمعدلات التشغيل والتجارة؛ فالنظام النقدي العالمي عانى هو الآخر من جراء تغيرات طارئة لم تحدث منذ ما يربو على عشرين عاماً. ومن أهم هذه التغيرات النقدية ما شهده الدولار الأمريكي في سوق الصرف الأجنبي. فقوة العملة الأمريكية أمام سلة من العملات الرئيسية – وخصوصاً اليورو- آخذة في الصعود السريع منذ اندلاع هذه الحرب، وحتى كتابة هذه السطور. وقد بلغت قيمة مؤشر الدولار الأمريكي مع مطلع الأسبوع الحالي نحو 108 نقطة بعدما كانت لا تزيد على 97 نقطة عشية اندلاع هذه الحرب.

على أن التزامن بين صعود الدولار الأمريكي من ناحية وتراجع اليورو من ناحية أخرى يستدعي وقفة تأملية في أسباب هذا التزامن وفيما سيتركه من نتائج على الاقتصاد العالمي في الأجلين القصير والمتوسط. ففيما يخص الدولار الأمريكي، فإن صعوده الملحوظ خلال الشهور القليلة الماضية كان محصلة طبيعية ومتوقعة لقيام الاحتياطي الفيدرالي بزيادة أسعار الفائدة في سوق رأس المال الأمريكي استجابة لزيادة الضغوط التضخمية التي اقتربت من حاجز 10%. فزيادة الفائدة الأمريكية انعكست مباشرة على قيمة الدولار بالزيادة، لأنها تجذب إليه التدفقات الدولية للأموال الساخنة التي تبحث باستمرار عن العوائد المرتفعة قليلة المخاطر. أما اليورو، وعلى عكس ما يحدث للدولار، فإنه يعاني هذه الأيام عدة أزمات جعلت قيمته تتراجع إلى معدل قياسي يقترب، حد التطابق، من قيمة الدولار في سوق الصرف الأجنبي.

وكانت أبرز أزمات اليورو في سوق الصرف الأجنبي ما سببه التشاؤم الذي خيم على الأداء الاقتصادي الأوروبي بفعل أزمة قطاع الطاقة. فتراجع إمدادات الغاز الروسي للدول الأوروبية، في سياق الحرب على أوكرانيا مع توقف مشروع “نورد ستريم 2″، يعني أن عجلات الإنتاج الأوروبي لن تعمل بكامل طاقتها، ويعني بالنتيجة أن الصادرات الأوروبية لن تنمو بالمعدلات المأمولة؛ وكل ذلك يضعف من قيمة العملة الأوروبية نتيجة تراجع الطلب الدولي عليها. وفي ذات السياق الاقتصادي، فإن انتشار الضغوط التضخمية عالمياً أصاب الاقتصاد الأوروبي بذات المشكلة النقدية أيضاً، حيث ارتفعت أسعار السلع والخدمات الأوروبية، ليدور معدل التضخم في منطقة اليورو حالياً حول معدل قياسي وصل لنحو 8.1% في مايو الماضي. ثم إن كل ارتفاع في تنافسية الدولار مقابل اليورو مع زيادة الفائدة الأمريكية يعني بالتبعية تراجعاً إضافياً في الطلب على اليورو في سوق الصرف الأجنبي. أي إن الاقتصاد العالمي إزاء وضع يقوى فيه الدولار ويضعف فيه اليورو.

وبينما يرجع جزء مهم من الأزمة الراهنة التي شهدها – ولايزال -اليورو للعقوبات الدولية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية على الاقتصاد الروسي، فيمكن القول هنا إن هذه العقوبات أصابت الاقتصاد الأوروبي بصورة أوضح وأسرع من غيره من باقي الاقتصادات العالمية، بما فيها الاقتصاد الروسي نفسه، والذي استطاع التغلب -ولو بشكل مؤقت-على هذه العقوبات، بل وزادت قيمة عملته بمعدلات متسارعة أمام الدولار الأمريكي. وهذه النتيجة كفيلة وحدها بإعادة التفكير من جديد في مدى فاعلية العقوبات الدولية على الاقتصاد الروسي.

وبإعادة التأمل في الصورة الكلية للاقتصاد الدولي وتوجهاته المستقبلية، وفي ظل صعود الدولار وتراجع اليورو في سوق الصرف الأجنبي، فمن المحتمل أن تستجيب التجارة العالمية أكثر من غيرها وتتأثر آنياً تبعاً لذلك؛ ليزداد الثقل الآسيوي في سلاسل الإمداد العالمية، ليس فقط على حساب حصة الدول الأوروبية المأزومة بالحرب الروسية، بل أيضاً على حساب الحصة التجارية للولايات المتحدة الأمريكية نفسها. فالدولار القوي وإن كان يزيد تدفقات رؤوس الأموال لسوق المال الأمريكي، لكنه – في المقابل – لا يحفز الصادرات الأمريكية لأسواق العالم المختلفة.

 


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.