اتجاهات مستقبلية
أجندة قضايا السياسة الدولية في عام 2024
توحي الاتجاهات الاستراتيجية التي تبلورت في العام الماضي ببلورة مجموعة من القضايا الرئيسية التي تحتل صدارة المشهد العالمي، والتي يأتي على رأسها عودة القضايا الأمنية والاستراتيجية إلى قمة أجندة السياسة الدولية في عام 2024.
يأتي في مقدمة هذه القضايا سباق التسلح العالمي بين الدول الكبرى حيث شهد العام الماضي ارتفاع معدلات سباق التسلح غير المسبوقة منذ أكثر من ثلاثة عقود عندما انتهت الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي سابقًا، ومن المرجح أن يكون هذا الارتفاع المتوقع سريعًا، لأن لدى واشنطن وموسكو برامج لتحديث واستبدال الرؤوس النووية المُخزنة وأنظمة إطلاقها. وأن الدول النووية السبع الأخرى تستطيع تطوير منظوماتها النووية.
كما يزداد سباق التسلح التقليدي بمعدلات أسرع. ويُعد دخول ألمانيا واليابان هذا السباق بقوة تحولاً تاريخيًا لم يكن متصورًا حتى مطلع العام الماضي. فعلى سبيل المثال، أقر برلمان ألمانيا تعديلاً دستوريًا يتيحُ زيادة قدراتها العسكرية، سعيًا لأن يصبح جيشها الأكبر في حلف “الناتو” بعد أمريكا. وفي هذا الإطار يبدو أن حالة السلم العالمي في عام 2024 مهدَّدة بفعل ازدياد سباق التسلح، وزيادة حدة التنافس الدولي، وارتفاع مؤشرات الحروب الإقليمية ذات الأبعاد الدولية.
ومن المرجح أن يشهد عام 2024 استمرار التنافس بين واشنطن وخصميها الأساسيين روسيا والصين من أجل التفوق في مجال الذكاء الاصطناعي ومدخلات الثورة الصناعية الرابعة، والتي من بينها تعزيز الابتكار واللجوء إلى الحوسبة والذكاء الاصطناعي، والاعتماد على أجهزة الاستشعار في المعارك، حيث تختلف ساحة المعركة الرقمية عن أي ساحة معركة أخرى، والاستفادة من قوة G5 وتعزيز الأمن السيبراني.
وبرغم أن ظاهرة عودة التكالب على إفريقيا ليست وليدة العام الماضي، فإنها تصاعدت العام الماضي؛ بسبب ارتباطها بالصراع بين القوى الكبرى المتنافسة. ويُتوقع أن تستمر هذه الظاهرة، وتكتسب زخمًا في العام الجديد؛ وذلك لأن إفريقيا تُعد من أكثر الأسواق الناشئة الواعدة للاستثمارات الخارجية، حيث يبلغ حجم سوقها 1.2 مليار نسمة، بالإضافة إلى غناها بالموارد الطبيعية.
شهد عام 2023 العديد من الأحداث الطبيعية المأساوية، من زلازل وفيضانات، خلفت الآلاف من الضحايا وتركت دمارًا مهولًا على الأرض، إذ بدأ بالزلزال المدمر بسوريا وتركيا، فضلًا عن اعتباره الأكثر سخونة منذ آلاف السنين نظرًا لاستمرار انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وتفاقم ظاهرة تغير المناخ. وبناء عليه، في ظل ارتفاع وتيرة الحروب، وعبث الدول المتقدمة بالظواهر الطبيعية، فإنه على الأرجح سوف يشهد عام 2024 المزيد من الظواهر الطبيعية القاسية، مثل ارتفاع درجة الحرارة، وزيادة سرعة ذوبان القطب الشمالي، وزلازل وبركين في مختلف قارات العالم.
وبناء عليه، تُعد أزمة تغير المناخ واحدة من أكبر مُهددات الأمن العالمي بالمعنى الواسع؛ نظرًا لما تتضمنه من مخاطر اقتصادية ومجتمعية وبيئية واجتماعية وصحية وسياسية، بل وجيوسياسية. كما تُعد أزمة تغير المناخ أكثر الأزمات المركبة التي يواجهها البشر في القرن الحالي إلحاحًا؛ حيث تتراكم تأثيراتها وتتزامن مع أزماتٍ أخرى كثيرة، في مجالات الاقتصاد والموارد الطبيعية والصراعات بين الدول وداخلها وسلاسل التوريد، وتتفاعل فيما بينها بحيث يزيد أثرها المجمّع عن مجموع تأثير كل منها منفردة.
ومن المحتمل أن يتصاعد خلال العام الجديد أيضًا عدد الهجمات السيبرانية وكثافتها بفعل تزايد أعداد الصراعات الدولية وتمددها، ولاسيما الحرب في أوكرانيا والصراع الروسي-الغربي والصراع الصيني-الأمريكي.
وأخيرًا، من المتوقع أن يستمر التنافس بين تنظيمي “القاعدة” و”داعش” على صدارة المشهد الإرهابي العالمي، والتحوّل اللافت في عمليات التنظيمات الإرهابية من الهجمات التقليدية إلى الهجمات واسعة النطاق، ما يعني التحول من الكم الى الكيف في الهجمات؛ نتيجة تطوير عدد من التنظيمات الإرهابية لقدراتها العسكرية.