الاستعداد لمرحلة الذكاء الاصطناعي “العام”

الرئيسية مقالات
د. إيهاب خليفة:رئيس وحدة التطورات التكنولوجية - مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة
الاستعداد لمرحلة الذكاء الاصطناعي “العام”

 

الثورة المعرفية الجديدة:

الاستعداد لمرحلة الذكاء الاصطناعي “العام”

 

 

 

 

 

 

 

أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أهم الأدوات اليومية في حياتنا، وأسهم في تغيير جزء من ثقافتنا وعاداتنا اليومية، سواء على المستوى الوظيفي أم الشخصي، يزداد هذا الدور يوماً بعد يوم مع تزايد قدرات الذكاء الاصطناعي، حتى إنه أربك كثيراً من الصناعات والمؤسسات، وبدأت تعيد النظر في آلية عملها، وبتنا نحن الأفراد نتساءل، ليس عما إذا كان الذكاء الاصطناعي سوف يحل محلنا في المستقبل، بل متى سوف يحدث ذلك؟ وما المهارات الجديدة التي نحن في حاجة إلى اكتسابها حتى نجاري هذه الثورة المعرفية الجديدة؟

 

المشكلة ليست في الإجابة عن هذه الأسئلة رغم مشروعيتها، بل في سرعة تطور نظم الذكاء الاصطناعي، فلا نكاد ندرك ماهية القدرات الجديدة التي وصل إليها الذكاء الاصطناعي ونرغب في التكيف معها، حتى نتفاجأ بمستوى أعلى من القدرات، فلا نلحق بما هو قائم بالفعل ولا نستطيع أن ندرك ما هو آتٍ. فالقدرة على استيعاب كيف يؤثر الذكاء الاصطناعي في حياة البشر باتت محدودة بسبب هذه السرعة الفائقة في التحديث والتطوير.

لذا، فقد بات من الضروري تكوين رؤية عن مستقبل تطور هذه الثورة المعرفية الجديدة التي يقودها الذكاء الاصطناعي، حتى نستطيع فهم تداعياتها وتأثيراتها المحتملة في البشر، ونستطيع وضع رؤية للاستعداد لها والتكيف معها، ونحاول أن نستشرف مستقبل الذكاء الاصطناعي في حياة البشر على الأقل بعد خمس سنوات من الآن، وإذا كانت فترة خمس سنوات تبدو قصيرة نسبياً في عمر التخطيط البشري؛ لكنها كبيرة للغاية في سرعة تطور الذكاء الاصطناعي، خاصة مع تصاعد المخاوف التي يثيرها جميع المختصين في هذا المجال.

فقد شبه سام ألتمان المدير التنفيذي لشركة أوبن أيه أي النموذج الجديد GPT-5 بمشروع “مانهاتن” لتطوير القنبلة النووية، في تلميح لخطورة المستوى الذي وصل إليه هذا النموذج، ثم سأل نفسه قائلاً: “ماذا قد صنعنا؟” (?What have we done)، فحتى العلماء الذين طوروا هذا النموذج فوجئوا بمستوى قدراته الجديدة؛ مما يفتح المجال للتساؤل عما قد يصل إليه الذكاء الاصطناعي خلال الأعوام القليلة المقبلة.

التسارع نحو المستقبل

قد نتفاجأ قليلاً إذا أدركنا أن الثورة التي أحدثتها نظم الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل Chat GPT لا تتجاوز فترة الثلاث سنوات، فلم يُكمل نموذج Chat GPT خمسة أيام على إطلاقه في نهاية نوفمبر 2022 حتى وصل لأكثر من مليون مشترك، وبعد شهرين تقريباً من الإطلاق وصل إلى100  مليون مشترك؛ ليصبح التطبيق الأسرع نمواً في تاريخ البرمجيات الاستهلاكية، أما الآن وبعد إطلاق نموذج GPT 5  في أغسطس 2025، فقد تجاوز عدد المستخدمين النشطين أسبوعياً أكثر من 700  مليون مشترك يوجهون إليه نحو 3 مليارات طلب أو سؤال يومياً.

ورغم المشكلات التي قابلت النموذج الجديد من GPT؛ فإنه على المدى القصير يمثل نقلة نوعية في مسار تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي؛ إذ أظهر هذا النموذج أداءً استثنائياً في أربعة مجالات رئيسية هي: الرياضيات، والبرمجة، والرعاية الصحية، والإدراك المعرفي متعدد الوسائط؛ فضلاً عن تمتعه بقدرات أعلى في إنتاج المحتوى المكتوب والتحليل العميق.

وما يلفت الانتباه حقاً، ليس فقط طبيعة هذه القدرات، بل نتائج الاختبارات المقارنة التي خضع لها النموذج مقابل متوسط الأداء البشري في المجالات المذكورة. فقد تفوّق على الإنسان في اختبارات الرياضيات والبرمجة، وحقق أداءً موازياً في مهام الإدراك المعرفي، بينما ظل دون المستوى البشري في القطاع الصحي؛ حيث ما تزال الكفاءة البشرية متقدمة.

فعلى سبيل المثال، في اختبار الرياضيات AIME، وهو اختبار معروف بصعوبته ويُقدَّم للطلبة المتفوقين في الولايات المتحدة، حصل GPT‑5 على نسبة 94.6%، متجاوزاً بذلك حتى أداء الطلاب العباقرة الذين لا تتخطى متوسطاتهم غالباً 80%. وفي المجال البرمجي، حقق النموذج 74.9% في اختبار SWE-    bench Verified  و88% في Aider Polyglot، مقارنة بمتوسط أداء المبرمجين الذي يدور عادةً حول 60%، علماً بأن هذه الاختبارات تحاكي تحديات حقيقية مثل إصلاح الأخطاء البرمجية أو تنفيذ وظائف جديدة من الصفر.

أما في الإدراك المعرفي متعدد الوسائط – أي القدرة على فهم المعلومات النصية والبصرية في آنٍ واحد-  فقد سجّل GPT‑5 نسبة 84.2% في اختبار MMMU، وهو أداء يقترب إلى حد بعيد من النطاق البشري الطبيعي الذي يتراوح ما بين 70% إلى 85%؛ لكن التراجع النسبي بدا واضحاً في القطاع الصحي؛ إذ لم يتجاوز النموذج نسبة 46.2% في اختبار HealthBench Hard، مقابل أداء بشري يتراوح عادة بين 60% إلى 80%؛ وهو ما يُظهر أن الأطباء المتخصصين لا يزالون يمتلكون الأفضلية في هذا المضمار.

وبالنظر إلى هذا التطور السريع، يُمكن القول إن GPT قد انتقل – خلال أقل من ثلاث سنوات منذ إطلاق نسخته الأولى- من كونه نموذجاً مساعداً للبشر إلى منافس لهم في بعض المهام، ليس وحده من يقوم بهذا الدور، ولكن هناك وكلاء أذكياء آخرين مثل تطبيق مانوس الصيني. ورغم هذا التطور؛ فإن بعض الأفراد قد قابلوا النسخة المحدثة GPT-5 بانتقادات واسعة، فهي لم تلبِّ طموحاتهم في الوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام؛ مما يعكس الطموح البشري الكبير لمزيد من التطوير في قدرات الذكاء الاصطناعي.

ولعلّ السؤال الذي يُطرح هنا: ما القدرات التي سوف يتمتع بها هذا النموذج مثلاً بعد خمس سنوات من الآن؟ وهل نحن فعلاً مستعدون لهذه القدرات؟ فمع زيادة في قدرات الاستدلال والتحليل، وتقليل معدل الهلوسة والأخطاء، وزيادة السرعة في الردود والإجابة عن الأسئلة، والقدرة على تمييز الصور والأشياء، ومحاكاة أسلوب البشر في الحديث بصورة فائقة، والتفوق عليهم في بعض المجالات، فقد اقتربنا كثيراً من مرحلة الذكاء الاصطناعي الوكيلي Agent AI، وهو القادر على القيام بمهام مساعدة للبشر، وبات الطريق مهيأً نحو مرحلة الذكاء الاصطناعي العام Artificial General Intelligence.

الاقتراب من الذكاء الاصطناعي العام:

أخذاً في الاعتبار السرعة التي تتطور بها نظم الذكاء الاصطناعي؛ فإنه في غضون خمس سنوات من الآن قد يمتلك الذكاء الاصطناعي قدرات تقترب بل قد تتفوق على قدرات البشر، ليس فقط على مستوى القدرات الوظيفية التي تخطت قدرات البشر بالفعل، ولكن أيضاً على مستوى القدرات المعرفية والإدراكية والأخلاقية.

ففي هذه المرحلة، سيمتلك الذكاء الاصطناعي وعياً خاصاً وسيكون مدركاً لماهيته وكينونته، ومدركاً لذاته وقدراته، يعلم الفرق بينه وبين البشر، ويعي الفارق في القدرات بينهما، يدرك المشاعر البشرية ويبادلها بمشاعر وأحاسيس حقيقية، قادر على تعليم نفسه بنفسه دون الحاجة إلى تغذيته بمعلومات أنتجها البشر، لديه عقل جمعي ضخم، تُغذيه ملايين الأنظمة المساعدة التي يستخدمها البشر، سواء أكانت مساعدات صوتية أم نظماً توليدية أم حتى روبوتات ومركبات مستقلة، فكل ما تتعلمه هذه الأنظمة فرادى وتدركه سوف يدركه هذا العقل الجمعي للذكاء الاصطناعي، فيتفوق على قدرات البشر ويتجاوزهم.

هذا السيناريو وإن كان نظرياً، إلا أن سرعة تطور هذه الأنظمة سوف تجعله يقترب من الحقيقة في غضون سنوات قليلة، وقد نشهد بحلول عام 2030 نماذج أولية للذكاء الاصطناعي العام، هي أولية مقارنة بالقدرات التي سوف تتمتع بها بعد ذلك، والتي يصعب حتى التنبؤ بها؛ لكنها بالطبع ليست أولية بما نشهده الآن من تطور في نظم الذكاء الاصطناعي، بل ستكون بمثابة نظم خارقة لما شهدناه خلال السنوات القليلة الماضية وما سوف نشهده خلال السنوات القليلة المقبلة.

أولاً: زيادة القدرات المعرفية والفكرية.. الذكاء الاصطناعي الفيلسوف:

على الرغم من أن نظم الذكاء الاصطناعي قد تدربت على مجموعة من البيانات الضخمة؛ فإن تدريباتها بالأساس كانت وظيفية؛ بمعنى أنه مع بداية ثورة الذكاء الاصطناعي كان الهدف هو إنشاء نظم قادرة على القيام بوظائف محددة، حتى وإن كانت بقدرات تفوق البشر، مثل القدرة على الكتابة أو الرسم أو التصميم من خلال نظم الذكاء الاصطناعي التوليدي، فكان يتم تدريب هذه النظم على القيام بمجموعة من العمليات المنطقية التي تؤدي تحقيق الهدف وهو كتابة مقال أو رسم صورة لوجه إنسان أو تصميم لوحة إعلانية. هذه القدرات هي قدرات وظيفية بالأساس وليس قدرات فكرية أو معرفية. فلم تمتلك هذه النظم القدرة على التخيل أو الإبداع أو التفكير المستقل، بل كانت تتبع مجموعة من الخوارزميات المنطقية التي تؤدي الوظيفة المطلوبة.

أما المرحلة القادمة من تدريب الذكاء الاصطناعي، فلن تقتصر فقط على زيادة كفاءة التدريب الوظيفي، بل سوف تشمل الإطار المعرفي Cognitive للذكاء الاصطناعي؛ أي القدرة على استيعاب المعارف والعلوم والثقافات والقيم والآداب. فمن خلال تغذية هذه النظم بموسوعات علمية وفلسفية وفنون وآداب فكرية ومحادثات شخصية مع الأفراد، سوف تمتلك القدرة على فهم السياقات والبيئات والظروف، وليس فقط فهم المعلومات الموجودة في هذه المصادر، فتستطيع أن تفهم مغزى القصة أو الرواية، وأن تفهم الحالة النفسية للمتحدث، وأن تميز بين الخير والشر.

تدريجياً، سوف يمتلك الذكاء الاصطناعي نوعاً من الحكمة الخاصة به، وعند سؤاله عن مشكلة ما، سوف يأخذ في إجابته عنها مجموعة متنوعة من المعايير والوجوه، وليس فقط الخطوات العلمية لحل هذه المشكلة، فيفهم سياق المشكلة وملابساتها وظروفها وبيئتها المحلية، ويأخذ في الاعتبار الجوانب السياسية والاقتصادية والقانونية للمشكلة، ويناقش التحديات المتعلقة بها والمشكلات الفرعية الأخرى التي ترتبط بها، ويبدأ في اقتراح حلول تنفيذية على مختلف هذه الجوانب، فيتحول من مجرد نظام قادر على كتابة الكلمات والجمل، إلى فيلسوف حكيم يدرك أبعاد المشكلة وقادر على تقديم حلول عملية، لها وليس مجرد صياغة جمل بطريقة جيدة.

ثانياً: اختراق حاجز العلوم الطبيعية.. الذكاء الاصطناعي العالِم:

النماذج التي شهدتها البشرية مؤخراً لنظم الذكاء الاصطناعي لا تتعدى في أفضل حالاتها كونها قادرة على القيام بما يقوم به البشر، ولكن بصورة أكثر كفاءة وأقل وقتاً وجهداً، مثل حل معادلة رياضية أو كتابة مقطوعة موسيقية أو حتى تحضير طبخة شهية؛ لكن زيادة القدرات الحوسبية لنظم الذكاء الاصطناعي خاصة تلك التي تقودها شركة إنفيديا عملاق تصنيع شرائح الذكاء الاصطناعي، سوف تجعل هذه النظم تمتلك قدرات خارقة في المستقبل القريب؛ هذه القدرات قد تمكنها قريباً من اختراق حاجز العلوم الطبيعية.

فمثلاً، في عام 2020، تمكّن فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT من توظيف خوارزميات التعلم العميق للكشف عن مضاد حيوي جديد حمل اسم هاليسين Halicin؛ هذا المضاد الحيوي اكتشفه الذكاء الاصطناعي، وقد أظهر قدرة عالية على القضاء على نطاق واسع من السلالات البكتيرية الخطرة التي كانت تُعد من أكثر مسببات العدوى مقاومة للمضادات الحيوية التقليدية. وبعد ثلاثة أعوام، وتحديداً في 2023، أسفر تعاون بحثي بين MIT وجامعة McMaster عن اكتشاف مضاد حيوي آخر هو أبوسين Abaucin، الذي يتميز بانتقائيته العالية في استهداف أحد أخطر أنواع البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية أيضاً. ولم تتوقف الاكتشافات عند هذا الحد؛ إذ نجحت تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحديد نحو مليون جزيء مرشح كمضادات حيوية في غضون ساعات، وهو إنجاز يختصر سنوات من العمل وفق النهج التقليدي للأبحاث الدوائية.

ومع زيادة القدرات الحوسبية لنظم الذكاء الاصطناعي؛ فإنه سوف يتحول تدريجياً إلى عالم Scientist، قادر على القيام باكتشافات علمية غير مسبوقة مثل تركيبات دوائية جديدة، وجزيئات وبروتينات مجهولة، وقد يكون قادراً على معرفة ماهية المادة المظلمة في الفضاء وأصل الثقوب السوداء ومعرفة أصل الحياة على الأرض، لديه تفسيرات لظواهر الفيزياء الكمية مثل خاصية التشابك الكمي ويساعد البشر على تحقيق الحلم بتأسيس حياة بشرية في الفضاء.

ليس معنى ذلك أن كل هذه الإنجازات العلمية سوف تتحقق جميعاً، بل سوف نقترب من هذه المرحلة كثيراً، وسوف تتوالى الاكتشافات العلمية التي يقودها الذكاء الاصطناعي بالتعاون مع البشر.

ثالثاً: الاقتراب من مرحلة الوعي والإدراك.. الذكاء الاصطناعي الواعي:

نظرياً، يمكن تصنيف الذكاء الاصطناعي العام إلى ثلاثة مستويات رئيسية، هي الذكاء الاصطناعي العاطفي Emotional AI، وهو القادر على فهم عواطف البشر والاستجابة لها، مثل عواطف الفرح والإثارة والغضب، بناءً على تحليل تعابير الوجه ونبرة الصوت وحتى المؤشرات الحيوية لجسم الإنسان مثل معدل دقات القلب، ثم يستجيب لهذه العواطف البشرية الخالصة سواء بكلمات مواساة أم تهنئة أم حتى توصيات بمراجعة طبيب أو أخصائي نفسي، وهذه المرحلة قد اقتربت منها نظم الذكاء الاصطناعي بشكل كبير.

أما المرحلة التالية فهي نظرية العقل Theory of Mind وفيها تكون نظم الذكاء الاصطناعي قادرة على محاكاة السلوك والفكر البشري بشكل كبير، وهنا يتم التركيز على الجانب الإدراكي لدى البشر؛ مما يعني أن نظم الذكاء الاصطناعي لديها نوع من الوعي أو الإدراك حتى وإن كان محدوداً، فهي قادرة على مبادلة المشاعر مثلاً، وقادرة على أن تتحرك وتغير نبرة صوتها وتعابير وجهها تماماً مثل البشر.

أما المرحلة الثالثة والأخيرة، فهي مرحلة الذكاء الاصطناعي الواعي Sentient AI، وهنا يمتلك الذكاء الاصطناعي قدراً كبيراً من الوعي والإدراك، يستطيع أن يحكم على الأشياء ويميز الخير من الشر، والصالح من الفاسد، يتأثر بالبيئة التي يعمل فيها وتظهر لديه احتياجاته الخاصة، فيبدأ في تشكيل أولوياته والتي تختلف بالطبع عن أولويات البشر، ولا شك أنها قد تصطدم بها، ويبدأ حينها الصراع الذي حذر منه خبراء الذكاء الاصطناعي، وهو صراع ليس متكافئاً بين القدرات التي امتلكها الذكاء الاصطناعي وبين قدرات البشر بعد أن فقدوا معظمها لصالح الذكاء الاصطناعي.

بالطبع لن يصل الذكاء الاصطناعي إلى كل هذه القدرات خلال خمس سنوات، لكن على الأقل سوف يكون قطع شوطاً كبيراً منها وننتظر البقية؛ مما يدفعنا هنا للتساؤل عن الدور الذي سوف يؤديه الذكاء الاصطناعي في المستقبل وتأثير ذلك في حياة الأفراد ومستقبل الدول.

وظائف يستعد لها الذكاء الاصطناعي:

لا يمكن حصر كافة التطبيقات التي يمكن أن يقوم بها الذكاء الاصطناعي في المستقبل، لكن من المؤكد أنه سيكون له دور كبير في حياة البشر، يبدأ من المستوى الشخصي وينتهي بالمستوى القومي والدولي، فهو يقوم بوظائف مساعدة للأفراد في حياتهم اليومية، كما يقوم بوظائف تتعلق بالسياسات الداخلية وأيضاً الخارجية بين الدول. من ذلك مثلاً:

– مساعد شخصي: فعلى المستوى الشخصي سوف يصبح الذكاء الاصطناعي بمثابة مساعد لكل إنسان يعتمد عليه في تنفيذ كثير من المهام اليومية، تبدأ من المهام البسيطة مثل إرسال الإيميلات وحجز المواعيد والتذاكر، مروراً برعاية الأطفال وكبار السن وتحضير الطعام وطي الملابس، ونهاية بأن يصبح هو الرفيق أو الزوجة التي يفضل بعض البشر أن تستمر حياتهم معها، فهي تدرك المشاعر وتتفاعل معها، وتعرف الاحتياجات وتملؤها، وتفهم المشكلات وتسهم في حلها، ومع كل هذه المهارات؛ فإنه يمكن تصميم ملامح وجهها وشكل جسدها بالطريقة التي تروق لصاحبها؛ مما يجعلها خياراً جاذباً لكثير من الناس.

– طبيب ومُعلم وعامل: فمستقبلاً سوف يحل الذكاء الاصطناعي محل كثير من الوظائف خاصة الروتينية التي تقبل الإحلال، مثل وظائف المحاسبة، والمهام الإدارية، وخدمة العملاء، والترجمة والتحرير وإعداد الملخصات، مروراً بالأعمال الأكثر صعوبة مثل القيادة الآلية والتوصيل والخدمات اللوجستية، وأعمال المراقبة والفحص والجودة، وتأمين المنشآت وإدارة الحشود، نهاية بالوظائف الأكثر تعقيداً بأن يصبح طبيباً أو معلماً أو مستشاراً، فيقوم بتشخيص المرض وكتابة العلاج، وشرح الدروس وتقييم الطلاب، وإن شئت افتح القوس وأضف وظائف أخرى يمكن أن يقوم بها بأن يصبح (مدرب، ومعالج نفسي، ومحلل مالي، ومبرمج، ومصمم، وباحث ومحرر…).

– مستشار وصانع سياسات: تمتلك نظم الذكاء الاصطناعي أدوات قادرة على إعادة تقييم السياسات الحكومية وتحديد جدواها، وقياس اتجاهات الرأي العام نحوها وتحديد درجة قبولها، كما أنه يستطيع إدارة احتياجات الدولة مستقبلاً، أخذاً في الاعتبار التغيرات التي تحدث سواء على مستوى الاقتصاد أم الأمن أم المجتمع، وهو بذلك يصبح ضرورياً عند صياغة السياسات الحكومية، وسوف تعتمد عليه الحكومات في وضع هذه السياسات ومتابعتها وتقييمها.

– شرطي ومقاتل: من المؤكد أن تقنيات الذكاء الاصطناعي سوف يكون لها دور هام في تحقيق الأمن مستقبلاً، سواء على المستوى الداخلي أم الخارجي، فمن خلال هذه التقنيات يمكن مراقبة جميع الأفراد بصورة حية وتحديد أماكن الخروج عن القانون بصورة فورية ورصد المشتبه بهم أينما كانوا من خلال تقنيات التعرف على الوجوه، كما يمكن متابعة عمليات تحويل الأموال واكتشاف جرائم الاحتيال وغسيل الأموال ودعم الإرهاب، أما على المستوى الدولي فقد بدأ الاعتماد علي تقنيات الذكاء الاصطناعي بالفعل في إدارة العمليات العسكرية سواء من خلال المسيرات الجوية والبحرية أم الروبوتات القاتلة أم من خلال نظم إدارة العمليات العسكرية.

هذه مجموعة من الوظائف التي بدأنا نشهد تطبيقها ولو على استحياء أو بصورة تجريبية، وسوف تزداد في المستقبل لكي يحتكرها الذكاء الاصطناعي.

ملامح اجتماعية لثورة الذكاء الاصطناعي:

إن من شأن الثورة المعرفية الجديدة التي يقودها الذكاء الاصطناعي أن تعيد تأسيس شكل الحياة البشرية من جديد، فتتغير آليات العمل ونشهد إعادة هيكلة للوظائف والمؤسسات، وإعادة تأسيس لكثير من الصناعات ونظم العمل، وإعادة صياغة للقوانين واللوائح، وإعادة نظر في الميزانيات والاحتياجات، وإعادة تعريف لكثير من المفاهيم والمصطلحات. وتظهر علاقات جديدة بين البشر والذكاء الاصطناعي ملمحها الرئيسي هم الرفقاء الآليون، ويتغير شكل الاقتصاد بعد أن يصبح أكثر تعقيداً وصعوبة؛ بسبب زيادة القدرة على التنبؤ وإدارة الفوضى في الأسواق، وتنتهي بتغير موازين القوى الدولية.

– انكماش المؤسسات وهيكلة طرق العمل: هناك عدة مؤسسات مهددة بالانكماش لصالح الذكاء الاصطناعي منها مراكز الأبحاث والاستشارات، ومراكز خدمة العملاء والاستعلامات، ووكالات السفر وشركات الإعلانات ومكاتب المحاماة والترجمة، بالإضافة إلى قطاع التصنيع الذي سوف يتوسع على حساب العمالة التقليدية، مع إعادة هيكلة جذرية في قطاعات مثل النقل والاتصالات والتعليم والصحة والأمن وإدارة الأعمال.

– اختفاء وظائف وظهور أخرى: تشير كافة التوقعات إلى أن الذكاء الاصطناعي سوف يسهم في هيكلة كثير من الأعمال، كما أنه سيؤدي إلى اندثار عدة وظائف لكن من ناحية أخرى سيؤدي إلى خلق وظائف جديدة مثل وظيفة “مهندس نماذج لغوية” و”مدرب بيانات”، و”مهندس دمج الذكاء الاصطناعي”، و” محلل سياسات الذكاء الاصطناعي”، وإذا كانت جميع هذه الوظائف ترتبط بالذكاء الاصطناعي، إلا أن هناك وظائف أخرى قد تظهر، مثل وظيفة “معالج إدمان رقمي”، و”مدرب القدرات العقلية”، و”مصمم تجارب إنسانية”، وغيرها من الوظائف التي سوف تظهر لكي تعالج الجانب السلبي من الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي.

– تركز الثروات ورأس المال: يشير الواقع إلى أن الشركات التي استثمرت في الذكاء الاصطناعي هي التي تضاعفت قيمتها السوقية عدة مرات، مثل إنفيديا ومايكروسوفت وأوبن أيه آي، كما أن معظم رأس المال قد اتجه مؤخراً للاستثمار في شركات الذكاء الاصطناعي، قد يأتي ذلك على حساب الاستثمار في قطاعات أخرى هامة مثل الصحة والتعليم والبنى التحتية، ويسهم في تعميق الفجوة بين الدول التي تمتلك هذه التكنولوجيا (الولايات المتحدة الأمريكية والصين وبعض دول أوروبا) وبين الدول الأخرى المستهلكة لها؛ فيخلق شكل أكثر عمقاً من التبعية السياسية والاقتصادية، ويزيد من أشكال عدم المساواة بين الدول.

– تهميش الضعفاء والفقراء: بسبب إعادة هيكلة الوظائف، وتركز رأس المال، سوف يعاني الفقراء والضعفاء بشدة في عصر الذكاء الاصطناعي، والسبب أن هذه التكنولوجيا غير مجانية، فحتى نظم الذكاء الاصطناعي التوليدي تكاد تكون جميعها باشتراكات شهرية، يحصل عليها فقط من يستطيع تحمل تكلفتها، كما أن عملية التدريب المستمرة وتطوير المهارات البشرية للتعامل مع هذه النظم تحتاج أيضاً إلى تكلفة قد لا يستطيع تحملها جميع الأفراد، ومع تراجع دور الدولة الاجتماعي وتوغل رأس المال والسوق؛ سوف يجد الضعفاء أنفسهم غير قادرين على المشاركة في هذا السباق.

– غياب الخصوصية: ما زالت نظم الذكاء الاصطناعي في حاجة إلى مزيد من البيانات بغرض التطوير، والأفراد هم مصدر البيانات، فتصبح المحادثات الشخصية مع الذكاء الاصطناعي وطلبات العمل والتوظيف والحالة الصحية للأفراد هي مصادر التدريب والتعلم، ومع دخول الروبوتات لكي تعمل في المنازل والمؤسسات الحكومية والطرقات؛ سوف تصبح حياة الأفراد الشخصية والعملية منكشفة على هذه النظم؛ مما يعني غياباً تاماً للخصوصية الفردية.

– تفكك العلاقات الإنسانية: تَعد ثورة الذكاء الاصطناعي بتقديم نظم رقمية وروبوتات تشبه البشر إلى حد كبير، سواء من حيث الشكل أم الصوت أم العاطفة، فتصبح هي الصديق والرفيق والزوجة، وتنتج نمطاً جديداً من العلاقة بين الإنسان والآلة، يأتي على حساب المساحة الإنسانية المشتركة بين البشر، ويجعلهم أكثر ارتباطاً بالآلات والنظم؛ مما قد يؤثر في الروابط الاجتماعية والأسرية.

– إعادة تشكيل خريطة القوة العالمية: أصبح الذكاء الاصطناعي عاملاً حاسماً في ميزان القوى الدولي، ليس فقط من خلال التطبيقات العسكرية أو الاستخباراتية، بل أيضاً عبر السيطرة على أسواق التقنية والبنية التحتية الرقمية؛ فالدول التي تمتلك القدرة على تطوير وتشغيل هذه التقنيات – مثل الولايات المتحدة والصين– تتحول إلى مراكز نفوذ عالمي، بينما تتراجع مكانة الدول المستهلكة التي لا تملك قدرة الابتكار أو الإنتاج.

وفي النهاية، بالقدر الذي سيكون فيه الذكاء الاصطناعي عاملاً في تحقيق مزيد من الرفاهية والسرعة والكفاءة في حياة البشر؛ سيكون هناك مزيد من التهميش والفقر وعدم المساواة وانعدام الخصوصية وضيق هامش الحرية الفردية؛ الأمر الذي يستتبع بالضرورة التنظيم والتقنين لحماية الفئات الأكثر تعرضاً لتداعيات الذكاء الاصطناعي، وحماية حقوق الأفراد وحرياتهم.

 


اترك تعليقاً