دعائم التحول:
فكّ اختناقات شبكات الكهرباء الأوروبية بين التكنولوجيا والسياسة
في كتابه الصادر عام 2005، تحت عنوان (الطاقة للجميع)، توقع الكاتب الأمريكي، ذو الأصول الهندية، فيجاي في. فايثيسواران، أن يتجه مستقبل الكهرباء في العالم نحو التخلّي عن النمط المركزي الضخم لمحطات التوليد العملاقة، لصالح شبكات صغيرة موزعة تعتمد، إلى جانب مصادرها التقليدية، على مصادر متجددة مثل الشمس والرياح والكتلة الحيوية.
ويرى فايثيسواران أن تبني هذه المنهجية سوف يقلص الحاجة إلى بناء شبكات نقل ضخمة بتكاليف باهظة، في الوقت الذي تسمح فيه التكنولوجيا الحديثة بإنتاج الكهرباء بالقرب من مواقع الاستهلاك بكفاءة أعلى وفاقد أقل؛ الأمر الذي يمكن النظر إليه كتحول استراتيجي في هيكلية نظم إنتاج الكهرباء، بالانتقال من مركز الدائرة إلى محيطها؛ بمعنى آخر، تحولها من مركزية الإنتاج، إلى الإنتاج الـمُوَزَعْ؛ مما يتيح للمستهلكين الحاليين إنتاج احتياجاتهم الكهربائية، أو جانباً منها، بأنفسهم؛ مما يرفع مستوى التنافسية ويحد من سياسات الاحتكار، ويعزّز الأمن الطاقي، ويخلق اقتصاداً أكثر مرونة واستدامة.
شيء من هذا القبيل، يبدو أنه سيكون أحد الأدوات التي تعتمد عليها القارة الأوروبية، لإيجاد مخرج من أزمتها الحالية، فمع تبنّي سياسات التوجه الأخضر، واعتماد أهداف الحياد الكربوني، أعادت أوروبا تشكيل خريطة إنتاجها للكهرباء؛ لتنتج أكثر من 3 آلاف تيراوات/ساعة سنوياً، وصلت معها مساهمة مصادر الطاقة المتجددة إلى نحو 47% بنهاية عام 2024.
ومع قيمة هذا التقدم، إلا أنه ولأسباب ربما تمويلية، لم تواكبه إجراءات تنفيذية لتوسيع وتحديث شبكة النقل والتوزيع، التي يبلغ مجموع أطوالها حالياً أكثر من 10 ملايين كيلومتر، تتمدد في أنحاء القارة لخدمة أكثر من 500 مليون نسمة، بما يعزز مرونتها، ويسمح بالاستفادة الأكبر من المصادر المتجددة، والتي بلغت نحو 500 جيجاوات من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، فضلاً عن نحو 200 جيجاوات أخرى من كل من الطاقة المائية بقدرة 150 جيجاوات، والكتلة الحيوية 50 جيجاوات؛ الأمر الذي وضع الشبكة الأوروبية أمام تحديات كبيرة، تهدد استقرار الإمدادات وخطط التوسع المستقبلية.
بنية الشبكات الحالية:
يعود تاريخ إنشاء معظم شبكات الجهد العالي في الاتحاد الأوروبي إلى عقود مضت؛ ما يجعل تصميمها قائماً على تقنيات قديمة أحادية الاتجاه لا تتحمل الأعطال بكفاءة؛ إذ يؤدي انقطاع أحد المسارات إلى توقف الأحمال وتكبد خسائر مالية. في حين تتمتع التصميمات الحديثة (Ring Configuration)، بمرونة أعلى اعتماداً على تصميم الشبكات كدائرة مغلقة تتصل فيها كل محطة بنقطتين أخريين؛ مما يتيح استمرار التغذية من مسار بديل، حال عجز المسار الرئيسي لأي سبب، وتعزيز موثوقية الشبكة واستقرارها.
من جانب آخر، تُعد محدودية الربط العابر للحدود في شبكة النقل الأوروبية أحد أبرز معوقات إنشاء سوق طاقة موحد وفعّال. فبينما تستهدف المفوضية الأوروبية بلوغ قدرة ربط لا تقل عن 15% لكل دولة بحلول 2030، لا تزال بعض الدول، مثل البرتغال وأيرلندا ودول البلطيق، عند 8 إلى 10% فقط، مقابل نحو 30% في فرنسا وهولندا. وتؤدي هذه الفجوات إلى اختناقات وخسائر اقتصادية نتيجة ضعف تبادل الكهرباء المتجددة، خصوصاً فائض طاقة الرياح في شمال أوروبا الذي يصعب نقله إلى بلدان الجنوب والشرق.
ورغم التقدم الملحوظ في تقنيات البطاريات وانخفاض أسعارها بشكل كبير، تجاوز 90% خلال السنوات العشر الماضية؛ ما تزال قدرات التخزين قصيرة الأمد على مستوى الشبكات محدودة ولا تكفي لتغطية فترات انخفاض الإنتاج من المصادر المتجددة. في الوقت نفسه لا تزال خيارات التخزين طويلة الأمد، مثل الضخ المائي الواسع النطاق والهيدروجين، تواجه تحديات عالية المستوى في التكلفة ومتطلبات بنية تحتية أكثر تعقيداً؛ الأمر الذي يستدعي تصميم عقود وأسواق تستفيد من قدرة تقنيات التخزين الحديثة في دعم استقرار الشبكة.
تحديات مركبة:
وفي ضوء النمو المتزايد في الاعتماد على مصادر الطاقة؛ يهدف الاتحاد الأوروبي إلى تحقيق الحياد الكربوني الكامل بحلول 2050؛ بمعنى أن تصبح الكهرباء بالكامل خالية من الانبعاثات؛ الأمر الذي تحتاج معه أوروبا إلى استثمارات تتجاوز 800 مليار يورو (920 مليار دولار) بحلول عام 2030، وأكثر من ضعف هذا المبلغ عام 2050، لتحقيق هذه الأهداف.
يأتي هذا في وقت لا تزال إجراءات الحصول على التراخيص وتخصيص مواقع مشروعات مد الشبكات ومحطات التوليد تُشكّل عقبة رئيسية؛ إذ تتسم بالبيروقراطية وطول المدة، (قد تستغرق في بعض دول الاتحاد الأوروبي عدة سنوات)، رغم اعتماد خطة أوروبية تهدف إلى تبسيط هذه الإجراءات وتسريعها. أما على الصعيد الجيوسياسي، فقد دفعت تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية الاتحاد الأوروبي إلى تسريع جهوده لإيجاد بدائل للغاز الروسي، وإعادة ملف “أمن الطاقة” إلى صدارة أولوياته الاستراتيجية. ورغم تحفيز برامج نشر مشروعات الطاقة المتجددة؛ لم يمنع ذلك حدوث تقلبات حادة في أسواق الغاز، وارتفاع الطلب العالمي على الغاز المسال؛ مما أدى إلى ضغوط تجارية وسياسية تركت آثاراً سلبية ملموسة.
خارطة الطريق:
في ظل هذه التحديات، تبرز الحاجة الملحة لتصميم سوق كهرباء أوروبي أكثر تكاملاً ومرونة، يدعم آليات التداول قصيرة وطويلة الأجل، ويعزز عقود شراء الطاقة، ويطور أنظمة داعمة لتقنيات التخزين، ويضع أطراً واضحة لتسعير قدرة الشبكة.
هذا إلى جانب تدبير الاستثمارات المطلوبة لتأهيل الشبكات الكهربائية، والتي تُقدر بمئات المليارات؛ أكثر من 580 مليار يورو (667 مليار دولار) حتى 2030 بحسب خطة عمل الشبكات الأوروبية، وفيها يُعول على دور بنوك التنمية الأوروبية من قبيل؛ البنك الأوروبي للاستثمار، وبنك إعادة التعمير الأوروبي، لتوفير قروض ميسّرة وضمانات، هذا إلى جانب إطلاق حملة سندات خضراء، وتقديم سياسات تحفيز للمستثمرين.
وتتعدد أدوات وبدائل الحلول المطروحة لمواجهة تحديات اختناقات شبكة الكهرباء الأوروبية، من ذلك تعزيز مشروعات الربط بين دول الاتحاد أسوة بخط الربط بين كل من فرنسا وإسبانيا؛ مما حسّن تبادل (تصدير/استيراد) الكهرباء، بينهما، وقلّل الازدحام في الشبكة الإقليمية. في ذات السياق، تطرح دراسات مشروعات الربط مع دول الجوار الأوروبي، شمال إفريقيا تحديداً، بالشبكة الأوروبية، حلولاً أخرى؛ مما قد يفتح آفاقاً لتصدير طاقة شمسية بسعر تنافسي، ومن جانب آخر هناك دراسات لبحث الربط بين دول منطقة البحر المتوسط.
بناءً على ذلك، تشير التقديرات إلى أن الاتحاد سيتبنى خطة عمل موزعة على عدة محاور هي: رفع قدرات نقل وتوزيع شبكات، دعم تخزين الطاقة، تسريع نشر الطاقة المتجددة والرقمنة والبحث والتطوير، على ثلاث مراحل، أخذاً في الاعتبار تفاوت الأطر القانونية بين بلدان الاتحاد، كما يتبين كالتالي:
- المرحلة الأولى (2025–2026): عبر تبنّي إجراءات سريعة لتبسيط إجراءات استصدار التراخيص لمشروعات الربط والشبكات عبر حزم تشريعية نموذجية من المفوضية تُطبق وطنياً، وتخصيص خطوط ائتمان أولية، مع إطلاق برامج دعم تقنيات التخزين من خلال منح بحثية للشركات الناشئة في مجال البطاريات والهيدروجين.
- المرحلة الثانية (2027–2028): وفيها يتم تنفيذ مشروعات بحرية وبرية لربط جنوب-شمال القارة، وبناء سوق خدمات مرنة لتخزين الطاقة.
- المرحلة الثالثة (2029–2035): وتستهدف توسيع البنية التحتية للهيدروجين الأخضر (خطوط أنابيب، مرافق تخزين) مع اعتماد نظام متكامل لسوق كهرباء أوروبي يتسم ببنية بيانات موحّدة.
هيكلية طاقة المستقبل:
يحتاج التخطيط للمستقبل نظرة تتجاوز أدوات الواقع وتصوراته، فمنذ عشرين عاماً ليس أكثر، لم تكن تقنيات الطاقة المتجددة بأنواعها، وكذلك التخزين، ذات حضور يُعوّل عليه، في حين نجدها اليوم إحدى الأدوات الفاعلة بأسواق الطاقة، ووسيلة للحد من انبعاثات الكربون؛ ومن ثم فإن النظر لمستقبل شبكات الكهرباء عامة، والشبكة الأوروبية خاصة، ينطوي على أدوات وحلول لا يجوز إخضاعها لأدوات تقييم الحاضر.
وعليه، يتوقع أن تشهد أوروبا – العالم عموماً- أنماط تنفيذ فنية جديدة وغير تقليدية في قطاع الكهرباء، لا تقتصر على الحلول التكنولوجية فقط؛ بل تشمل أيضاً طرق التخطيط، التشغيل، والتكامل بين القطاعات، منها:
- الشبكات المرنة، التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي والتحكم اللحظي في الأحمال، مع إمكانية التفاعل مع مصادر الطاقة المتجددة المتقلبة واستخدام تقنيات وحلول مثل الخطوط الهوائية الديناميكية Dynamic Line Rating التي تسمح بنقل كمية طاقة أكبر من طاقته التصميمية “الثابتة”، وتقنية العواكس المُشكِّلة للشبكة Grid Forming Inverters، وهو نوع متقدم من العواكس المستخدمة في مشاريع الطاقة المتجددة (مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح) والبطاريات، لا يتبع الشبكة فحسب؛ بل يساعد على بناء واستقرار الشبكة الكهربائية نفسها، تماماً كما تفعل المولدات التقليدية الضخمة.
- اللامركزية، بمعنى الانتقال من نموذج مركزي إلى شبكات موزعة، وتتلخص في التحول من الشبكات المركزية المعتمدة على محطات الكهرباء العملاقة، إلى تصميم شبكات عنقودية تتصل ببعضها بعضاً، وفي نفس الوقت تتوزع في مناطق جغرافية مختلفة، تشمل مصادر طاقة غير تقليدية مثل الخلايا الشمسية أعلى الأسطح، والبطاريات، والمركبات الكهربائية كمصادر طاقة متنقلة.
- الكهربة، ويقصد بها استخدام الكهرباء – بشكل رئيسي- كمصدر للطاقة في العديد من القطاعات؛ مثل النقل (السيارات الكهربائية والمترو) والتدفئة (مضخات حرارية)؛ مما يخلق مرونة إضافية ويزيد من كفاءة استخدام الطاقة.
- التخزين الذكي والطاقة السحابية، بالتوسع في استخدام البطاريات لتغذية الأحياء السكنية والمباني، وكذلك الهيدروجين كناقل للطاقة إلى جانب استخدامه في الصناعات المختلفة، مع إدارة نظم الطاقة عبر منصات سحابية تعتمد على نمذجة البيانات التاريخية، والتنبؤ بالأحمال المستقبلية.
- بنية تحتية قابلة للتوسع العابر للقارات، وهو شرط حاكم وضروري لضمان استيعاب القدرات المستقبلية من ناحية، والتحلي بقدر مرونة عالي يتلافى وقوع اختناقات في الشبكة، كما هو الوضع حالياً؛ مما يجعل من الذكاء الاصطناعي عنصراً رئيسياً في إدارة الشبكات، وإدارة الأحمال والتنبؤ بها.
الانتقال الآمن:
إنّ وضع تصوّرات لمواجهة التحديات لا يعني بالضرورة تجاوزها؛ إذ تظلّ العبرة بمدى القدرة على تحويل الحلول المقترحة إلى واقع تنفيذي فعّال، وبمقدار ما يتوافر من مرونة واستباقية تتيح التعامل مع العثرات التي قد تطرأ على الطريق. من هنا، تبدو الحاجة ماسة إلى مسار انتقال آمن بالنسبة لشبكات الكهرباء الأوروبية يستند إلى ما تحقق من تقدم، ويؤسس لمرحلة أكثر استقراراً واستدامة.
وهذا المسار لا يُبنى إلا عن طريق فهم دقيق للعقبات الراهنة، المتمثلة في أربعة محاور رئيسة هي؛ فنية وتقنية جراء القصور الهيكلي في بنية الشبكة الكهربائية بالاتحاد الأوروبي حالياً، وعقبة مالية تنحصر في سبل تدبير تمويل يتجاوز 800 مليار يورو خلال السنوات الخمس المقبلة، والثالثة الأُطر التشريعية والقانونية المنظمة لبيئة الاستثمار في الاتحاد، وخصوصية بعض الدول، وأخيراً العقبة الثقافية والمجتمعية، فعلى الرغم من تطور المجتمع الأوروبي؛ فإن ما تتطلبه الحلول المقترحة من تكاليف مالية، سوف يُلقى بشكل أو بآخر، على كاهل المستخدم الأوروبي؛ وهو ما قد يواجه بتشدد من جانب فئات مجتمعية مختلفة.
ولعل ما اتخذه الاتحاد الأوروبي من مبادرات، يبعث برسائل تطمين في هذ الشأن، فالصفقة الخضراء الأوروبية وما تستهدفه من حياد كربوني بحلول 2050، يقدم منظومة سياسات متكاملة تشمل الطاقة والنقل والصناعة، وكذلك مبادرة “Fit for 55 جاهزون لـ 55” التي أطلقها الاتحاد عام 2021، وما تشتمل عليه من تشريعات وسياسات لخفض الانبعاثات بنسبة 55% بحلول عام 2030 مقارنة بمستويات 1990، تُعد خطوة أساسية نحو تحقيق الحياد الكربوني في 2050.
هذا إلى جانب، تعزيز أمن الإمدادات وكفاءة الطاقة والربط بين الدول من خلال وكالات ومؤسسات تتولى التنسيق بين الفاعلين كافة، ومن جانب آخر تسعى لتحقيق التكامل الفني والتنظيمي بين مشغلي الشبكات ومؤسسات السوق.
ختاماً، يمكن القول إن الخروج الآمن من المرحلة الانتقالية يتطلب رؤية متكاملة تجمع بين الإرادة السياسية، والتمويل المستدام، والابتكار التقني، والمشاركة المجتمعية. فتحول الطاقة في دول الاتحاد الأوروبي لا يقتصر على تحديث البنية الكهربائية فحسب؛ بل يمثل إعادة تعريف لعلاقة المواطن بالطاقة، من مستهلك سلبي إلى شريك فاعل في بناء منظومة أكثر مرونة، كفاءة، واستدامة، ومن جانب آخر يُعوَّل على تفهمه الكامل لما يتطلبه تأمين الإمدادات في المستقبل من تكاليف وإجراءات.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.