بمشاركة نخبة من حكماء بكين وباحثيه.. “تريندز” يفكك شيفرة الموقف الصيني تجاه حرب الشرق الأوسط
أبوظبي – الوطن:
في سياق حراك بحثي دولي متسارع يعكس تعقيدات المشهد الجيوسياسي الراهن، عقد «تريندز للبحوث والاستشارات» حواره الاستراتيجي السادس عبر مكتبه الافتراضي في العاصمة الصينية بكين، تحت عنوان: “الحرب في الشرق الأوسط: كيف تنظر الصين إلى الأزمة؟”، وذلك بمشاركة رفيعة من كبار الحكماء والخبراء والأكاديميين الصينيين، يمثلون طيفاً واسعاً من مراكز الفكر والمؤسسات البحثية، من بينها جامعة شنغهاي للدراسات الدولية، وجامعة بكين للدراسات الدولية، ومجلة “الصين اليوم”، إلى جانب نخبة من باحثي “تريندز”، في إطار حوار معمّق يهدف إلى تفكيك أبعاد الموقف الصيني من التطورات المتسارعة في المنطقة.
علاقة محورية واختبار حقيقي
أكد الخبراء والباحثون المشاركون أن الصين تمثل رقماً صعباً في معادلة التوازنات الدولية، وشريكاً استراتيجياً لا غنى عنه لدول مجلس التعاون الخليجي، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي. وشددوا على أن الثقل السياسي والاقتصادي الذي تتمتع به بكين يمنحها القدرة على لعب دور بنّاء في صياغة معادلات أمن إقليمي أكثر استدامة، خاصة في ظل التهديدات المتزايدة لأمن الطاقة العالمي واضطراب سلاسل الإمداد.
وسلط المشاركون الضوء على عمق الشراكة بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية الصين الشعبية، واصفين إياها بالعلاقة المحورية التي تجاوزت الأطر التقليدية القائمة على التبادل التجاري والنفط، لتتجه نحو مجالات أكثر تقدماً تشمل الاقتصاد الرقمي، والتكنولوجيا المتقدمة، والصناعات التحويلية، والطاقة النظيفة والمتجددة، فضلاً عن التعاون في مجالات التعليم والبحث العلمي والتبادل الثقافي، بما يعزز استدامة هذه العلاقة ويمنحها بعداً استراتيجياً طويل الأمد.
وفي سياق الأزمات الأمنية المتلاحقة، شدد الباحثون الصينيون على ضرورة احترام سيادة دول الخليج وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، معربين عن رفضهم وإدانتهم لأي اعتداءات تستهدف البنى التحتية المدنية أو تهدد أمن واستقرار المنطقة. وأجمع الحضور على أن الحلول العسكرية أثبتت محدوديتها، بل وأسهمت في تعقيد المشهد، مؤكدين أن الرؤية الصينية تقوم على تعزيز “الدبلوماسية المستدامة” التي ترتكز على مبادئ الأمن المشترك والشامل والتعاوني، باعتبارها الإطار الأمثل لإدارة الصراعات وإنهائها.
كما دعا المشاركون إلى مأسسة هذا النوع من الحوارات عبر إنشاء منصات دائمة للتشاور بين مراكز الفكر في الشرق الأوسط والصين، بما يسهم في بناء فهم مشترك للتحديات، ويعزز من فرص بلورة رؤى استراتيجية قادرة على التأثير في ملامح “النظام الدولي الناشئ”. وأكدوا أن الحرب الدائرة في المنطقة تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة النظام الدولي على الصمود وإدارة الأزمات، مشيرين إلى أن إدماج المنظور الصيني في النقاشات الدولية لم يعد خياراً، بل ضرورة لضمان توازن القوى واستقرار الأسواق العالمية.
منصة لتفكيك المحددات
من جانبه، قال الدكتور محمد عبد الله العلي، الرئيس التنفيذي لـ”تريندز”، إن هذا الحوار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتقاطع الأبعاد العسكرية والاقتصادية والسياسية للصراع الإيراني–الإسرائيلي، ما يفرض إعادة قراءة معمقة لمواقف القوى الكبرى، وفي مقدمتها الصين، التي باتت لاعباً محورياً في صياغة ملامح النظام الدولي الجديد.
وأوضح أن جلسة الحوار الاستراتيجي السادس شكلت منصة فكرية متقدمة لتفكيك محددات السلوك الصيني، ليس فقط من زاوية المصالح الاقتصادية، بل أيضاً من منظور فلسفي أعمق يرتبط برؤية بكين لمفاهيم السيادة، وعدم التدخل، والأمن الجماعي، والتوازن الدولي. وأشار إلى أن فهم هذه المحددات يسهم في استشراف أدوار الصين المستقبلية، خاصة في مناطق النزاع التي تمس المصالح الحيوية للاقتصاد العالمي.
المعرفة كقوة ناعمة في إدارة الأزمات
استُهلت أعمال الحوار بكلمة افتتاحية قدّمها الأستاذ عبد العزيز الشحي، الباحث الرئيسي في “تريندز”، أكد فيها أن التواجد البحثي في بكين لم يعد خياراً بروتوكولياً، بل أصبح ضرورة استراتيجية لفهم التحولات الكبرى في موازين القوى العالمية، خاصة في ظل صعود الصين كقوة مؤثرة في مختلف الملفات الدولية.
وأشار الشحي إلى أن منطقة الشرق الأوسط تمر بمرحلة “إعادة تشكيل جيوسياسي”، تتعرض خلالها دول الخليج لضغوط متزايدة واستهدافات غير مبررة، في ظل محاولات إيرانية لرفع سقف التصعيد وتوسيع رقعة النزاع، بما يهدد استقرار الإقليم ويضاعف من كلفة الأمن الجماعي.
وتوقف عند دلالات الموقف الصيني في مجلس الأمن الدولي، متسائلاً:
“هل يعكس الفيتو الصيني الأخير موقفاً تكتيكياً مرحلياً، أم أنه امتداد لرؤية استراتيجية أعمق تضع الاستقرار الاقتصادي في مقدمة الأولويات؟”
وأكد أن “تريندز” يسعى من خلال هذه الحوارات إلى تفكيك هذه الرؤية، وإبراز ما يمكن تسميته بـ”المقاربة الصينية للسلام”، التي تضع التنمية والازدهار في قلب معادلة الأمن، في مقابل نماذج تقليدية تعتمد على الردع والصدام.
عقب ذلك، انطلقت أعمال الجلسة التي أدارها الدكتور يانغ يوشين، مدير مكتب “تريندز” في الصين، حيث فُتح باب النقاش أمام المشاركين لاستعراض تحليلاتهم ورؤاهم حول مستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط، ودور القوى الكبرى في إدارة الأزمات وتعزيز فرص السلام.
توازن دقيق
قدّم البروفيسور دينغ لونغ، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة شنغهاي للدراسات الدولية، قراءة تحليلية معمقة للموقف الصيني، موضحاً أن بكين تتبنى معادلة دقيقة تقوم على التوازن بين الالتزام بمبادئ الشرعية الدولية، وحماية مصالحها الاستراتيجية المتنامية في المنطقة.
وأشار إلى أن الصين تنظر بقلق بالغ إلى التصعيد العسكري، وترى أن أي عمليات خارج إطار الأمم المتحدة تفتقر إلى الشرعية، لكنها في الوقت ذاته تدرك حجم التهديدات التي تواجه دول الخليج، خاصة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية. ولفت إلى أن استخدام الصين لحق النقض (الفيتو) لا يعكس انحيازاً لطرف بعينه، بقدر ما يمثل محاولة للحفاظ على التوازن ومنع انزلاق المنطقة نحو مزيد من الفوضى.
السلوك الإيراني بين الخطاب والممارسة
من جانبها، قدّمت الباحثة شما القطبة تحليلاً معمقاً للسلوك الإيراني، ركزت فيه على الفجوة بين الخطاب السياسي والممارسة الميدانية. وأوضحت أن توقيت بعض الهجمات الإيرانية، خاصة تلك التي تأتي بعد الإعلان عن تهدئة أو وقف إطلاق النار، يعكس نمطاً من “إدارة الفوضى” يهدف إلى اختبار جاهزية الخصوم وقياس ردود الفعل الدولية.
وأكدت أن هذه السلوكيات تقوض الثقة وتعرقل جهود التسوية، مشيرة إلى أن دولة الإمارات ودول الخليج أظهرت قدرة عالية على حماية أمنها الوطني من خلال تطوير منظومات دفاعية متقدمة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على التزامها بخيار السلام والحلول الدبلوماسية.
الأمن العالمي بمنظور صيني جديد
في سياق متصل، طرح الدكتور بنغ تشيون، رئيس الفرع الإقليمي لمجلة “تشاينا تودي” في الشرق الأوسط، رؤية متقدمة لمبادرة “الأمن العالمي”، التي تروج لها الصين كإطار بديل لإدارة الصراعات الدولية، يقوم على مفهوم “الأمن غير القابل للتجزئة”.
وأوضح أن الصين لم تعد ترى في التحالفات العسكرية المغلقة أداة فعالة لتحقيق الاستقرار، بل تعتبرها في كثير من الأحيان جزءاً من المشكلة، مؤكداً أن الحل يكمن في بناء منظومة أمن جماعي قائمة على التنمية المشتركة والتكامل الاقتصادي. كما شدد على أن أمن الممرات الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، يمثل أولوية قصوى ليس فقط لدول المنطقة، بل للاقتصاد العالمي ككل.
شراكة استراتيجية تتجاوز الأزمات
وفي مداخلته، ركّز البروفيسور ما يوي، الأستاذ المشارك في مركز أبحاث التعاون الصيني–العربي بجامعة بكين للدراسات الدولية، على البعد الاقتصادي والاستراتيجي للعلاقات الصينية–الإماراتية، مؤكداً أن هذه الشراكة أظهرت قدرة لافتة على الصمود والتكيف مع مختلف التحديات.
وأشار إلى أن تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين حاجز 100 مليار دولار يعكس عمق الترابط الاقتصادي، ويفتح آفاقاً واسعة للتعاون في مجالات الابتكار والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، خاصة في ظل توجه الصين نحو تعزيز قدراتها التكنولوجية ضمن خططها التنموية المستقبلية.
توصيات استراتيجية
وفي ختام الحوار، أشار الباحث في “تريندز” راشد الزعابي إلى أن النقاشات خلصت إلى مجموعة من التوصيات النوعية التي تعكس رؤية مراكز الفكر في دعم صناع القرار، ومن أبرزها:تعزيز الدبلوماسية المعرفية عبر إنشاء منصات حوار دائمة بين الشرق الأوسط والصين، وتبني مقاربات توازن ذكية تستفيد من الدور الصيني كقوة موازنة في النظام الدولي، وتسريع بناء القدرات الدفاعية الذاتية لدول الخليج ضمن رؤية أمنية مستقلة، إضافة إلى إطلاق مبادرات مشتركة لضمان أمن الملاحة في المضائق الحيوية، ودمج الرؤية الصينية في جهود الاستشراف الاستراتيجي للنظام الدولي القادم.
وأكد أن مثل هذه الحوارات تمثل ركيزة أساسية لفهم التحولات العالمية، وتسهم في بناء جسور من الثقة والتعاون بين الشرق والغرب، بما يعزز فرص تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية
المستدامة.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.