اتجاهات مستقبلية
الذئاب المنفردة وإعادة تشكيل التهديدات الأمنية في المساحات الرمادية
شهد حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض يوم السبت الماضي حادثًا استثنائيًّا قد تكون له تداعيات عدة على الداخل والخارج، بل وعلى طريقة تعاطي الأجهزة الأمنية مع ظاهرة الذئاب المنفردة؛ إذ تعرَّض الحفل لحادث إطلاق نار وخرق أمني من نزيل مقيم بالفندق الذي استضاف تلك الفعالية. والمشتبه به هو “كول توماس إلين”، ويبلغ من العمر 31 عامًا، وهو حاصل على درجة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية، إضافة إلى درجة الماجستير في علوم الحاسوب؛ ما يعكس خلفية تقنية وعلمية متقدمة.
وكان ألين يعمل لدى شركة تعليمية في تورانس، تدعى “سي تو إديوكيشن” بولاية كاليفورنيا، وقد حصل على جائزة “معلم الشهر” في ديسمبر 2024. وكان يحمل أسلحة عدة من بينها سكاكين ومسدسات، وقد تم اعتقاله من قِبَل الشرطة، ويتلقى العلاج في أحد المستشفيات، وسيوجه إليه اتهام باستخدام سلاح ناري أثناء ارتكاب جريمة عنف، بالإضافة إلى الاعتداء على موظف فيدرالي باستخدام سلاح خطير.
وقد انتقد ألين سياسات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأشار إلى نفسه بلقب “قاتل اتحادي ودود” في كتابات أرسلها إلى أفراد عائلته قبل دقائق من الهجوم، الذي تعتقد السلطات بشكل متزايد أن دوافعه سياسية.
وتلقي هذه الحادثة الضوء على ظاهرة “الذئاب المنفردة”، خاصة بعد إشارة ترامب إليها في تعقيبه على الحادثة، ويشير مصطلح “الذئاب المنفردة” إلى أفراد ينفذون هجمات بشكل مستقل، من دون وجود ارتباط تنظيمي مباشر أو واضح. كما يُستخدم هذا المصطلح أحيانًا لوصف عمليات محدودة تنفذها مجموعات صغيرة للغاية لا يتجاوز عدد أفرادها خمسة أشخاص. وبرغم الطابع الفردي لهذه الهجمات، فإن بعض الجماعات المسلحة -ومنها تنظيم الدولة الإسلامية- قد تسارع إلى تبنيها دعائيًّا، كما حدث في هجوم “متحف باردو” في تونس، وهجوم “أورلاندو” في الولايات المتحدة.
بالعودة إلى الجذور المفاهيمية لمصطلح “الذئاب المنفردة”، يتضح أنه لا يقتصر على الارتباط بـ”الجماعات الإرهابية الموسومة بالإسلامية”، بل يشمل أيَّ فرد قد ينفذ هجومًا مسلحًا بدوافع متعددة؛ عقائدية أو سياسية أو اجتماعية أو حتى نفسية. ويجسِّد ذلك نموذجُ اليميني المتطرف أندرس بريفيك، الذي ارتكب هجمات عام 2011 في النرويج أسفرت عن مقتل العشرات، بدافع احتجاجه على سياسات الهجرة.
وتتسم عمليات “الذئاب المنفردة” بطابعها الفردي في الغالب؛ إذ ينفذ الفاعل عادة هجومًا واحدًا ثم يختفي، من دون أن يكون له سجل أمني سابق أو مؤشرات واضحة على تبنّي أفكار متطرفة؛ ما يُصعِّب عملية التتبع والمراقبة المسبقة. وفي حال كانت العملية ضمن خلية صغيرة، فإنها لا تتجاوز في العادة خمسة أفراد، يستخدمون هُويَّات حركية بدلًا من أسمائهم الحقيقية، ويلجؤون بعد التنفيذ إلى التواري والعودة إلى حالة من السكون لتفادي الرصد.
تكشف هذه الحادثة -بما تحمله من مفارقة بين الخلفية النموذجية للفاعل وطبيعة السلوك العنيف- أن التهديدات الأمنية لم تعد تُقاس فقط عبر السوابق الجنائية أو الانتماءات التنظيمية، بل باتت تتشكل في مساحات رمادية يصعب رصدها بالأدوات التقليدية. ومن ثَمَّ، فإن مواجهة ظاهرة “الذئاب المنفردة” تتطلب انتقالًا نوعيًّا من المقاربات الأمنية التقليدية إلى نماذج أكثر ابتكارًا، تقوم على التحليل الاستباقي للسلوكيات، ودمج أدوات الذكاء الاصطناعي في قراءة الأنماط الرقمية والخطابية، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الأمنية والمجتمعية.
كما تبرز الحاجة إلى بناء مقاربات وقائية ناعمة، تركز على الصحة النفسية، ورصد مؤشرات العزلة والتطرف غير المُعلن، إلى جانب تطوير أطر قانونية مرنة توازن بين متطلبات الأمن وحماية الحقوق. فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في منع الهجوم، وإنما في القدرة على اكتشاف الفاعل غير المرئي قبل تحوله إلى تهديد فعلي. وفي هذا السياق، تصبح “الذئاب المنفردة” ليست مجرد ظاهرة أمنية عابرة، وإنما هي مؤشر على إعادة تشكيل عميقة لطبيعة المخاطر في عصر ما بعد التنظيمات، إذ يتقدم الفرد بكل تعقيداته إلى صدارة مشهد التهديد.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.