اتجاهات مستقبلية

الرئيسية مقالات
مجموعــــة ترينــــــدز
اتجاهات مستقبلية

 

اتجاهات مستقبلية

الاتفاق الأمريكي الإيراني: استعادة للاستقرار أم انفجار مؤجل؟

 

 

لم يعد الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران مجرد محاولة لإحياء مسار نووي متعثر، بل بات يمثل لحظة مفصلية في إعادة تشكيل التوازنات الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط. فالتصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن “توقيع الاتفاق”، وإنهاء الحصار البحري الأمريكي على إيران، وإعادة فتح مضيق هرمز، دون الكشف عن كامل بنود الاتفاق، تكشف أن ما يجري يتجاوز بكثير حدود الملف النووي التقليدي، أو مجرد إنهاء الحرب الأخيرة، ليدخل في إطار أوسع يتعلق بإعادة هندسة قواعد الصراع والتهدئة في المنطقة بأكملها، ويفتح الباب أمام تكهنات حول ما سكت عنه النص، أو ما لم يُعلن بعد.

فالشرق الأوسط لم يكن خلال الأشهر الماضية مجرد مسرح لتوتر سياسي عابر، بل تحول إلى مركز اختبار لقدرة النظام الدولي على منع الانزلاق نحو مواجهة شاملة تهدد الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية. ومع إغلاق مضيق هرمز عمليًّا عبر الابتزاز الإيراني، ثم فرض الولايات المتحدة حصارًا بحريًّا على الموانئ الإيرانية، دخل العالم في واحدة من أخطر أزمات الطاقة والملاحة منذ عقود. وقد دفعت هذه التطورات واشنطن وطهران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى الاقتناع بأن استمرار الحرب المفتوحة يحمل كلفة تتجاوز قدرة الجميع على الاحتمال، دون رغبة حقيقية لتسوية الأسباب العميقة المهددة للاستقرار في المنطقة.

لكن اللافت أن الاتفاق الجاري الحديث عنه، وما حمله من غموض أو صمت حول بعض الملفات والبنود لا يبدو اتفاق سلام نهائيًّا بقدر ما يبدو “إدارة مؤقتة للحرب”. فالمعلومات المتداولة تُشير إلى تفاهم أولي يتضمن وقف العمليات العسكرية، وإعادة فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار البحري الأمريكي، مقابل الدخول في مفاوضات تمتد نحو ستين يومًا حول البرنامج النووي الإيراني والعقوبات والأصول المجمدة. أي أن الاتفاق يؤجل الملفات الأكثر حساسية إلى مرحلة لاحقة، بدلًا من حسمها بصورة نهائية.

ومن هنا تبرز المعضلة الأساسية: هل نحن أمام بداية استقرار طويل المدى، أم مجرد هدنة استراتيجية مؤقتة؟

بقراءة تاريخ العلاقات الأمريكية الإيرانية يتضح أن أغلب التفاهمات السابقة لم تنهِ أسباب الصراع، بل أعادت تنظيمه ضمن قواعد جديدة. فالاتفاق النووي لعام 2015 مثلًا نجح في تخفيف التوتر لسنوات محدودة، لكنه لم ينجح في بناء ثقة استراتيجية مستدامة، وسقط لاحقًا مع تغير الإدارة الأمريكية. واليوم يبدو المشهد أكثر تعقيدًا، لأن الصراع لم يعد يدور فقط حول تخصيب اليورانيوم، بل حول أمن واستقرار الشرق الأوسط بأكمله، وأمن الممرات البحرية، والتوازنات العسكرية، وشبكات الردع غير التقليدية.

إذ تبدو الولايات المتحدة نفسها وكأنها غيّرت أولوياتها. فبدلًا من البحث عن “هزيمة كاملة” لإيران، بات الهدف الأكثر واقعية هو منع تحول الشرق الأوسط إلى ساحة استنزاف مفتوحة تستنزف الاقتصاد العالمي والقوة الأمريكية معًا. فواشنطن تدرك أن أي اضطراب طويل في مضيق هرمز ينعكس فورًا على أسعار النفط والأسواق العالمية، كما يُضعف قدرتها على التركيز على أولوياتها الكبرى في مواجهة الصين وروسيا. ولهذا يبدو أن الإدارة الأمريكية تتجه نحو نموذج “الاحتواء المرن”، أي إبقاء إيران تحت الضغط، لكن دون دفع الأمور إلى انهيار شامل أو حرب بلا سقف.

في المقابل، تنظر إيران إلى الاتفاق باعتباره فرصة للخروج من مرحلة الإنهاك العسكري والاقتصادي، دون التخلي الكامل عن أوراق ابتزازها للعالم. فإعادة فتح الموانئ، ورفع القيود البحرية، واستعادة جزء من الأصول المجمدة، كلها تمثل مكاسب حيوية للنظام الإيراني. لكن تدرك طهران أيضًا أن الاتفاق المؤقت يمنحها وقتًا لإعادة ترتيب أوضاعها الداخلية والإقليمية، وهو ما يجعل بعض القوى الغربية تنظر بحذر إلى فكرة أن يتحول الاتفاق إلى مجرد “استراحة استراتيجية” تسمح لإيران بإعادة بناء قدراتها تحت غطاء التهدئة.

غير أن أخطر ما في الاتفاق المحتمل أنه قد يمنح العالم شعورًا مضللًا بالاستقرار؛ إذ يوحي المشهد الحالي بتهدئة كبرى، لكن الملفات الجوهرية لا تزال معلقة: مستقبل تخصيب اليورانيوم، وآلية الرقابة الدولية، والصواريخ الباليستية، والنفوذ الإقليمي، والعقوبات، وكلّ هذه القضايا مؤجلة إلى مفاوضات لاحقة قد تكون أكثر تعقيدًا من الاتفاق نفسه.

ولهذا تبدو المنطقة وكأنها تدخل مرحلة “الاستقرار المعلّق”، حيث تنخفض احتمالات الحرب الشاملة مؤقتًا، لكن دون بناء منظومة أمنية إقليمية حقيقية قادرة على منع عودة التصعيد مستقبلًا؛ إذ لا يقوم الهدوء الحالي على مصالحة استراتيجية عميقة، بل على إدراك متبادل بأن الجميع وصل إلى حافة الكلفة القصوى للحرب.

وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كان الاتفاق سيوقّع أم لا؟ بل ما إذا كان هذا الاتفاق يمثل بداية إعادة بناء الاستقرار الإقليمي، أم مجرد هدنة مؤقتة تؤجل انفجارًا أكبر في المستقبل؟ فالتاريخ يعلمنا أن الأزمات التي تُدار دون معالجة جذورها العميقة قد تعود لاحقًا بصورة أكثر تعقيدًا وخطورة، وربما يكون هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه المنطقة والعالم معًا في مرحلة ما بعد الاتفاق.


اترك تعليقاً