كلما زادت أهمية السلع المستوردة ومكانتها في هذه السلة الاستهلاكية زادت في المقابل الضغوط التضخمية المستوردة من العالم الخارجي

التضخم المستورد والبدائل المحلية لمواجهته

الرئيسية مقالات
مركز تريندز للبحوث والاستشارات

اتجاهات مستقبلية

 

التضخم المستورد والبدائل المحلية لمواجهته

 

 

 

 

لقد بات من الواضح أن كافة دول العالم تعاني الآن– وبدرجات متفاوتة– من موجات متصلة من التضخم المستورد؛ هذا التضخم الذي نتج بفعل الانقطاع في سلاسل التوريد العالمية في غمار جائحة كورونا، ثم اشتد بفعل التداعيات السلبية للأزمة الروسية-الأوكرانية. فقبل نشوب هذه الأزمة، كان هذا النوع من التضخم قد ضرب ما يقرب من نصف الدول المتقدمة وأغلب الدول النامية، ليدور معدل التضخم الإجمالي في أسواقها حول 5% خلال العام 2021 وفقاً لتقديرات البنك الدولي. ثم جاءت هذه الحرب لتزيد من ضغوط التضخم المستورد، وخصوصا في السلع الغذائية الاستراتيجية التي يتخصص فيها الاقتصادين الروسي والأوكراني.

والتضخم المستورد يقصد به، اصطلاحاً، الارتفاع الذي يحدث في الأسعار المحلية في أي اقتصاد راجع – في جانب منه– إلى الارتفاع الحاصل في أسعار الواردات المكونة لسلة الاستهلاك المحلية؛ ومن ثم، فإنه كلما زادت أهمية السلع المستوردة ومكانتها في هذه السلة الاستهلاكية، زادت في المقابل الضغوط التضخمية المستوردة من العالم الخارجي؛ ولهذا السبب تحديدا، فإن الدول المنكشفة تجارياً هي نفسها أكثر دول العالم معاناة من هذا النوع من التضخم. والانكشاف التجاري يقصد به النمو المستمر في الواردات دون أن يقابله أو يكافئه نموٌ في الصادرات؛ وهذا هو حال الغالبية العظمى للدول الآخذة في النمو المنتشرة في قارات أفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية.

وعندما تزداد الضغوط التضخمية المستوردة في الاقتصاد المحلي، فلا تقتصر آثارها على ارتفاع مستمر ومتواصل في المستوى العام للأسعار المحلية فحسب، بل إنها تترك تداعيات اقتصادية واجتماعية عديدة؛ ومن التداعيات الاقتصادية السلبية للتضخم المستورد أن تضعف القدرات التصديرية للاقتصاد المصاب بها كنتيجة منطقية لارتفاع نسبة المكونات المستوردة في هيكل صادراتها للعالم. أما أبرز التداعيات الاجتماعية السلبية لهذا النوع من التضخم فتتمثل في زيادة حدة التفاوت والتباين بين طبقات وفئات المجتمع، ولاسيما في المجتمعات التي تعاني من تفاوتات حادة في مستويات الدخل.

وعموما، وإذا كانت البدائل المتاحة لمواجهة التضخم محلي المنشأ تتراوح بين دعم وتحفيز أنشطة الإنتاج أو محاصرة الظواهر السلبية في الأسواق كالاحتكار، فإن ما يتاح من بدائل للدول لمحاصرة التضخم المستورد لا تختلف كثيراً عن ذلك، لكنها تركز على نوعية محددة في أنشطة الإنتاج وتستهدف نوعية معينة من الاحتكارات وتذهب إلى ترشيد قوائم الواردات. فالإنتاج الذي يحتاج إلى دعم وتحفيز لمواجهة الضغوط التضخمية المستوردة هو الذي يُنتج للأسواق المحلية بدائل مناسبة لتحل محل الواردات؛ مثل الدعم الذي يوجه إلى أنشطة قطاع الزراعة، وقطاع التخزين الزراعي ليزداد المعروض من السلع الزراعية الاستراتيجية، ناهيك عن الدعم الذي يمكن توجيهه إلى قطاع الصناعات الغذائية لتتحسن مؤشرات الأمن الغذائي عندما تشتد موجات التضخم المستورد. كما أن الاحتكارات التي يجب التصدي لها بحزم حال تفاقم التضخم المستورد هي التي تؤثر على انتظام سلاسل التوريد للسلع المستوردة، والتي تسعى لإحداث اختناقات متعمدة تزيد من ضغوط التضخم لتجني من وراء ذلك منافع وأرباح احتكارية ضخمة.

ويتعين، في جميع الأحوال، أن تستهدف السياسات الاقتصادية المحلية ترشيدا في فاتورة الاستيراد وخصوصا في السلع الاستهلاكية الكمالية وغير الضرورية؛ ففضلا على دورها في تقليل مؤشرات الانكشاف التجاري، فإن هذه النوعية من الواردات لا تؤثر سلباً على أنشطة الاستثمار والإنتاج والتصدير، كما أنها لا تؤثر على مقتضيات العدالة الاجتماعية في الظروف الطارئة والاستثنائية. وزد، على هذا، أن السياسات الاقتصادية المحلية مُطالبة بإعادة النظر في أولويات برامج الدعم التمويلي طويلة الأجل. كما أنه من الأهمية بمكان أن يذهب هذا الدعم لمستحقيه، وتحديدا لأولئك الذين يعملون على زيادة حصة المكونات المحلية في الإنتاج الوطني؛ لأن هذا هو الأساس المتين لتجنب استيراد التضخم من الخارج.

 

 


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.