اتجاهات مستقبلية       

اتفاق الحبوب وآمال السلام

الرئيسية مقالات
مركز تريندز للبحوث والاستشارات

وبرغم التفاؤل بعد عقد الاتفاق، فلابد من الحيطة والحذر؛ وذلك لأن تصدير القمح من كلتا الدولتين سيظل مرهوناً بتطورات الحرب

 

 

ساد العالم حالة من التفاؤل، المشوب بالحذر، بعدما جرى الإعلان عن اتفاق استئناف تصدير حبوب أوكرانيا وروسيا، وذلك من خلال فتح ممرات آمنة في البحر الأسود لتصدير الحبوب من ثلاثة موانئ أوكرانية، وبالمثل تصدير الحبوب والأسمدة الروسية دون عوائق. وقد وقّع الاتفاق روسيا وأوكرانيا، كلاً على حدة، مع الأمم المتحدة وتركيا، الأمر الذي جعل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش يصف الاتفاق بأنه “منارة أمل وراحة”، حيث جرى الاتفاق – بالأساس – على ضخ المزيد من القمح، وزيت دوار الشمس، والأسمدة، والمنتجات الأخرى في الأسواق العالمية، والعودة إلى مستوى ما قبل الأزمة، وهو تصدير خمسة ملايين طن متري كل شهر من القمح الأوكراني. ويضمن الاتفاق مروراً آمناً من وإلى أوديسا وميناءين أوكرانيين آخرين، فيما سماه البعض “وقف إطلاق نار بحكم الأمر الواقع” ينطبق على السفن والمنشآت التي يشملها الاتفاق.

ومما لا شك فيه أن الاتفاق له العديد من الآثار الإيجابية على أطراف الأزمة الدائرة الآن، وعلى العالم برمته أيضاً. فعلى صعيد أطراف الصراع، يفتح اتفاق تصدير الحبوب المجال على مصراعيه لقبول الطرفين فكرة الوساطة الدولية المتعددة الأطراف، ويفتح المجال للقنوات الدبلوماسية المتعددة الأطراف للتوصل إلى تفاهمات ترضي الطرفين وتنهي الحرب، حيث إن القيادتين في أوكرانيا وروسيا تدركان خطورة استمرار هذه الأزمة وتداعياتها على بلدانهما، هذا من ناحية.

ومن ناحية ثانية، فإن الاتفاق سيُشجع العديد من الفاعلين الدوليين، خاصة تركيا والإمارات والسعودية، بأن يستمرون في بذل جهود الوساطة لوقف نزيف الدم من الطرفين، ووضع حد للأزمة عبر إجراءات خفض الصراع، وتحقيق توازن بين المطالب الروسية وتخوفاتها من انضمام أوكرانيا للناتو وبين الحفاظ على وحدة الأراضي الأوكرانية، وتحقيق أمنها الوطني أيضاً.

ومن ناحية ثالثة، فإن الاتفاق سيشجع الأمم المتحدة، ووكالاتها المختلفة، على الاستمرار في القيام بجهودها في الوساطة المتنوعة لتبادل الأسرى، وإعادة إعمار الأماكن المنكوبة، وإعادة اللاجئين، وذلك بعد تأهيلهم نفسياً واجتماعياً.

أما على صعيد التداعيات الإيجابية للاتفاق على المستوى الدولي، فإنها متنوعة وفي غاية الأهمية، ويأتي على رأسها خفض أسعار الحبوب التي أثقلت العبء على الموازنة العامة للعديد من الدول، خاصة في الشرق الأوسط وأفريقيا، التي شهدت عدة دول فيها اضطرابات ومظاهرات بسبب تداعيات ارتفاع أسعار الغذاء. كما سيسهم الاتفاق في تخفيف وطأة أزمة الغذاء العالمية، إذ أكد برنامج الأغذية العالمي أن نحو 37 مليون شخص وصلوا إلى مرحلة من “الجوع الشديد” بسبب تبعات هذه الأزمة.

وبرغم حالة التفاؤل الكبيرة هذه بعد عقد الاتفاق، فلابد من الحيطة والحذر؛ وذلك لأن تصدير القمح من كلتا الدولتين سيظل مرهوناً بتطورات الحرب الميدانية، ومدى التزامهما بالاتفاق الموقع مع الأمم المتحدة، وأيضاً معالجة ما لحق بالأراضي الزراعية من تدمير للبنية التحتية، أو تدمير لمخازن الحبوب في أوكرانيا. فضلاً عن إزالة الألغام التي تم زراعتها من الجانبين في البحر الأسود. فهناك بالفعل 22 مليون طن من الحبوب الأوكرانية محملة على 84 سفينة تنتظر بميناء أوديسا منذ اندلاع الحرب في 24 فبراير الماضي. ولخروج هذه السفن، هناك حاجة ملحة وضرورية لإزالة ألغام زرعتها أوكرانيا لمنع السفن الروسية من الوصول إلى موانيها، والعكس. يضاف إلى ذلك العوائق والبطء الذي قد تتعرض له سفن الشحن بسبب إجراءات التفتيش الواردة في الاتفاق. وفي كل الأحوال لن تعمل أوكرانيا على تصدير القمح من كافة موانيها، حيث تم الاتفاق على ثلاثة موانئ فقط، وهي بحاجة الآن لنقل 7 ملايين طن من الحبوب شهرياً من مخازنها على مدار الأشهر الثلاثة المقبلة لتأمين مساحة كافية في صوامع الحبوب الخاصة بها للحصاد الجديد من القمح.

وفي المجمل، يفتح الاتفاق نافذة أمل للسلام يمكن البناء عليها من أجل التوصل إلى إنهاء الحرب وتعزيز إجراءات عملية السلام بين الدولتين.

 


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.