اتجاهات مستقبلية
أزمة المياه وضرورة التكاتف العالمي
أدت التغييرات المناخية الحادة التي شهدها العالم مؤخرًا إلى تصاعد حدة أزمة المياه عالميًّا؛ الأمر الذي ترتب عليه تفجُّر العديد من الأزمات داخليًّا وخارجيًّا. فعلى الصعيد الداخلي، أدت أزمة المياه إلى عدم قدرة الدول على توفير مياه الشرب للسكان، وتراجُع مساحة الأرض المزروعة، وتحديد نوعية وإنتاج المحاصيل الزراعية، وتراجُع خطط التنمية الشاملة، وعدم القدرة على التوسع في المساحات الزراعية لتوفير احتياجات السكان من استهلاك الحبوب، ما فاقم من أزمة الغذاء عالميًّا. وخارجيًّا أدت أزمة المياه إلى ظهور صراعات دولية جديدة حول حصص مياه الدول من الأنهار الدولية العابرة للحدود.
وفي هذا الإطار، حذر تقرير صادر عن لجنة الأمم المتحدة المعنية بالموارد المائية من أن هناك نحو مليارين إلى ثلاثة مليارات نسمة في العالم يواجهون نقصًا في المياه، وسوف يزداد الوضع سوءًا في العقود المقبلة. كما يشير التقرير الذي نشرته اليونسكو بالنيابة عن اللجنة العام الماضي أن هناك عالميًا مليارَي شخص (26% من عدد السكان) لا يحظون بمياه الشرب الآمنة، و3,6 مليارات شخص (46%) لا يمكنهم الانتفاع بخدمات الصرف الصحي التي تدار بطريقة سليمة. كما يتعرض ما بين مليارين إلى ثلاثة مليارات نسمة لنقص المياه خلال شهر واحد على الأقل سنويًّا، ما يمثل خطرًا شديدًا على سبل كسب العيش؛ ولاسيما من ناحية الأمن الغذائي والحصول على الكهرباء.
وتوقع التقرير أيضًا أن يزداد عدد سكان المناطق الحضرية الذين يعانون شح المياه بمقدار الضِّعف، حيث كان عددهم 930 مليون نسمة في عام 2016 وسيصل إلى 1,7- 2,4 مليارات نسمة في عام 2050، إضافة إلى أن تزايد حدوث حالات الجفاف القصوى والممتدة لفترات طويلة يعرّض النظم الإيكولوجية للضغوط التي تترتب عليها عواقب وخيمة بالنسبة إلى الأنواع النباتية والحيوانية على حد سواء.
ضمن هذا السياق تأتي أهمية “مبادرة محمد بن زايد للماء”، التي أطلقتها دولة الإمارات، بتوجيهات من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، والتي تهدف إلى تعزيز الوعي بأهمية أزمة ندرة المياه وخطورتها على المستوى الدولي، إلى جانب تسريع تطوير حلول تكنولوجية مبتكرة لمعالجتها، واختبار فاعلية هذه الحلول لمواجهة هذا التحدي العالمي المتفاقم. وتستهدف المبادرة أيضًا تعزيز التعاون مع الشركاء والأطراف المعنية في العالم لتسريع وتيرة الابتكار التكنولوجي للتعامل مع ندرة المياه وتوسيع نطاق التعاون الدولي، والسعي إلى زيادة الاستثمارات الهادفة إلى التغلب على هذا التحدي لما فيه خير الأجيال الحالية والمستقبلية.
وفي الواقع تتمثل أهمية هذا المبادرة في تأكيد جعل قضية تعزيز الأمن المائي إحدى الأولويات القصوى للحكومات من أجل ضمان تحقيق التنمية المستدامة، وتحفيز المبتكرين حول العالم من أجل تسريع الوصول إلى عالم آمن مائيًّا، وتعزيز دور دولة الإمارات في تعزيز الأمن المائي العالمي.
وأخيرًا، يمكننا القول إن هناك حاجة ماسة عالميًّا من أجل العمل معًا لمواجهة أزمة المياه عبر إقامة شراكات دولية تجمع بين القطاعين الرسمي والخاص، وتوظيف التكنولوجيا الحديثة لتوفير المياه الصالحة للشرب والزراعة. وهنا يمكن للمجتمع الدولي البناء على “مبادرة محمد بن زايد للماء”، والتي تعد حجر الأساس للتكاتف والتلاحم العالمي لحل أزمة المياه التي تعانيها الكثير من الدول الآن؛ وخاصة في القارة الأفريقية ومنطقة الشرق الأوسط.