اكتشاف آليّة كهربية توقظ الأبواغ النائمة
أحيانًا ما يكون تأجيل عمل اليوم إلى الغد طريقةً فعّالة ومُجدية، والمثَل أمامنا هذه المرة هو بعض أنواع البكتيريا، التي تكون طريقة استجابتها للضغوط البيئية المجهدة أمرًا مثيرًا للتأمل، إذ تضغط بعض أجزائها الداخلية داخل رُزم شديدة المتانة والقوة يُطلق عليها الأبواغ، وبعد ذلك توقف هذه الأبواغ نشاطها بالكامل، وتنتظر فترةً قد تطول إلى قرون، حتى تتحسن البيئة المُحيطة.
لكن كيف تستشعر هذه الجُسَيمات -التي تبدو ميتةً في الظاهر- أن الظروف قد أصبحت مثاليةً لتعاود نشاطها؟ دراسة حديثة نُشِرَت على دورية «ساينس» Science، تكشف أن الأبواغ البكتيرية قادرة على تحديد موعد العودة إلى النشاط من خلال آليّة تشبه ضبط منبِّه كهربي.
صحيح أن الأبواغ لا تكاد تتأثر بالظروف القاسية مثل نقص الغذاء أو الإشعاع أو الحرارة المحرقة أو البرد القارس، إلا أن كفاءتها ربما تكون محل شك بالنسبة لك فيما يتعلق بأي أمر آخر، وفق ما يقول جورول سويل -أخصائي الفيزياء الحيوية بجامعة كاليفورنيا بمدينة سان دييجو الأمريكية، والباحث الرئيسي بالدراسة- إذ يوضِّح: “هذه الخلايا تبدو للرائي ميتة، حتى إنها لو نُقِلَت إلى مستشفى كأي مريض بشري، فسيعلن الأطباء أنها كانت ميتةً عند الوصول”.
لكن الأبواغ لا تمتلك قدرة مقاومة التدمير هذه إلا في حال كانت خاملة، ولذلك فهي تضطر إلى الإحجام عن النشاط (أو بالأحرى: عن «الإنبات») حينما تكون الظروف غير مواتية، وفق ما يقوله بيتر ستلو، أخصائي الكيمياء البيولوجية بجامعة كونيتيكت بالولايات المتحدة، والذي لم يُشارك في الدراسة، وهو يتابع كلامه، قائلًا: “إذا اتخذت الأبواغ قرارًا بالعودة إلى النشاط في الوقت الخطأ، فإنها ستموت ببساطة”.
تكشف هذه الدراسة عن طريقةٍ تتخذ بها الأبواغ ذلك القرار، فلكي تتكوَّن البوغة، تصنع البكتيريا نسخةً من حمضها النووي، ثم تحزِم تلك النسخة إلى حجم صغير، وبعدها تحيطها بغلافٍ واقٍ، ثم تنفجر الخلية البكتيرية لتُطلِق البوغة (وتموت الخلية خلال ذلك)، وفي وقتٍ لاحق، تُراكِم البوغة المتكوِّنة أيونات البوتاسيوم المشحونة، ما يُكَوِّن «مكثِّفًا بيولوجيًّا» يُخزِّن الطاقة الكهربية، وفق قول سويل، وحينما تُصادِف البوغة موادَّ مُغذية تتسرَّب نسبة من الكالسيوم المُختزن داخلها، ما يُسبب تشَتُّتَ جزءٍ من الشحنة، وإذا تكررت هذه العملية عددًا كافيًا من المرات، تنخفض الطاقة المختزنة إلى درجةٍ محددة، وحينها تنبت البوغة، إذا كانت احتمالات توافُر الغذاء معقولة.
يؤكِّد ستلو: “هذا الاكتشاف هو تقدم كبير في مجالنا، فمن خلاله نرى عملية إنبات الأبواغ من منظورٍ جديد”، كذلك فإن التوصُّل إلى كيفية «إحصاء» الأبواغ لجزيئات المواد المُغذية ربما يُساعدنا في تحسين الأمن الغذائي، إذ إن البكتيريا المُكَوِّنة للأبواغ قادرة على الصمود في وجه إجراءات التعقيم القاسية في مجال تصنيع الأغذية، والنجاة منها، ما قد يُسبب تسمم الغذاء، كذلك فحالة الخمول تُساعد بعض الجراثيم المُمْرِضة في الإفلات من كثير من العلاجات التي تستهدفها، أما إيقاظها في وقتٍ مبكّر فربما يُحسِّن من كفاءة أساليب العلاج تلك، ولذلك ينصبُّ كثير من الاهتمام التطبيقي على كيفية تحفيز الأبواغ للإنبات السريع، وفق ما يقول سِتلو.
يقول سويل إن نتائج هذه الدراسة تشير إلى أن آلية العد التنازليّ الأيوني هذه ربما تكون ذات أهمية جوهرية للحياة على وجه كوكب الأرض، فالخلايا العصبية هي الأخرى تعتمد على آلية كهربية للعد التنازلي حتى تصل إلى نقطة الإنطلاق؛ إذ اكتشف باحثون أن الصيغ التي تصف آلية عمل الخلايا العصبية تتوقَّع بدقَّة كبيرة سلوك الأبواغ كذلك، كما أن نباتات خنّاق الذباب تنغلق باستخدام آلية عد تنازلي كهربية، كما تستخدم جميع الخلايا تدفقات الأيونات لمُعالجة الطاقة داخل الخلية.
يقول سويل مُعلقًا: “ليست هذه الجهود الكهربية بالشيء الجديد، فهي موجودة منذ مليارات السنين، لكن السؤال المشروع هنا هو: ما هي الجوانب الأخرى من البيولوجيا التي يمكننا فهمها على نحو أفضل إذا وضعنا في اعتبارنا أن النشاط الحيوي لا يتوقف فقط على التعبير الجيني والبروتينات والحمض النووي، بل يعتمد أيضًا على هذه الأيونات المشحونة؟”.عن “ساينتافيك أميريكان”