الإمارات.. وصناعة القوة الناعمة

الرئيسية مقالات
محمد خلفان الصوافي : كاتب إماراتي
الإمارات.. وصناعة القوة الناعمة

الإمارات.. وصناعة القوة الناعمة

 

 

كأي ظاهرة سياسية أخرى، تطور مفهوم القوة عند المفكرين من المدرسة الواقعية التي يدعو أصحابها إلى أن الدولة من حقها أن تطور نفسها بما يحقق لها القوة في الساحة الدولية ويحقق لها النفوذ ومنهم المفكر الأمريكي، جوزيف ناي، صاحب نظرية “القوة الناعمة” الذي بدأت الظهور في العلاقات الدولية منذ عام 1990، ومع أن هذه النظرية ليس هدفها إلغاء القوة الصلبة أو القوة الخشنة كوسيلة للتأثير أو إخضاع الخصم فإنها القوة الناعمة وجدت لتعمل بجانب القوة التقليدية وأن تتقدم في حالات التأثير الإيجابي لخدمة الإنسانية وميزة هذا أنها تستخدم الوسائل الناعمة في التأثير في العلاقات الدولية ولها صور عديدة أو مؤشرات متعددة للتأثير منها الاقتصاد والثقافة على سبيل المثال فقط.
وأصبحت شطارة الدول أو ذكاءها الدبلوماسي تتمثل في قدرتها على “صناعة” هذه القوة لتخلق صورة نمطية لها في أذهان الرأي العام العالمي؛ وبالمناسبة أن هذه الصناعة ليست بتلك السهولة التي قد يعتقد بها البعض على الأقل من ناحية أن من طبيعة البشر غير مستقر فتغير مزاجها العاطفي يحدث بشكل لحظي بمعنى قد يتأثر إيجاباً في لحظة وسريعاً ما يغير موقفه، وكذلك من ناحية أن صناعة الصورة تحتاج إلى جهد مستمر وبنمط ومستقر ليصنع انطباعاً ومن ثم يرسخه.
قبل أيام، وتحديداً يوم الخميس الماضي، رسخت دولة الإمارات العربية المتحدة مكانتها الدولية في مؤشرات القوة ا لناعمة وأكدت أنها تحولت لتكون مسألة مؤسساتية حالها كحال الدول الغربية التي تفرض نفسها بشكل حقيقي وعملي بأنها هي الدول المؤثرة فعلاً في العالم ولهذا أسبابه المعروفة منها القوة الاقتصادية والتكنولوجيا والمعرفة. كما عززت دولة الإمارات (يوم الخميس) ثقة المجتمع الدولي الإنساني في دورها على الساحة الدولية بأنها لا تقل في المنافسة العلمية وتأثيرها القيادي عن الدول الكبرى في العالم وفي الإقليم الآسيوي حيث توجد الصين واليابان والهند وكوريا الجنوبية. وهي مسائل ليس بتلك السهولة يمكن تحقيقها وإنما تكتسب من خلال عملية تراكمية لسنوات وتحتاج إلى فترة زمنية طويلة وإلى استمرارية العمل بنفس المستوى والقوة وليس بطريقة طارئة ووقتية، وتم ذلك الرسوخ وذلك التأكيد من خلال تحقيق دولة الإمارات لمركزين عالميين في كنتيجة لما حققته في مؤشرات القوة الناعمة، والمركزين هما: –
أولاً: أنها من العشر الكبار في القوة الناعمة؛ حيث حققت المرتبة العاشرة في مؤشر القوة الناعمة المستوى العالمي ووضعت بذلك نفسها ضمن الدول المتقدمة حضارياً، فهي جاءت في ترتيبها ذلك من بين 193 دولة في العالم الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة، وهي (الإمارات) حققت هذا المركز بتصويت 170 ألف مختص بما يعني أن المسألة ليست عشوائية أو صدفة وإنما وفق المعايير العالمية بل الحقيقة. وطالما نظرت المنظمات الدولية وكافة الدول العالم إلى الإمارات باعتبارها الدولة السند والفاعل الإيجابي في تحقيق الاستقرار والتنمية لهذا العالم وفق أعمال قامت بها هنا ووفق تفاعلاتها مع القضايا الإنسانية العالمية بل ويتم النظر إليها (الإمارات طبعاً) بأنها من الدول ذات الاستجابة السريعة في الأزمات والكوارث المختلفة والمنتشرة في العالم ولديها رصيد من هذه المواقف ليس أقلها ما تقوم بها من جهود في إغاثة أهل غزة الذي يواجه حرب إبادة من الجيش الإسرائيلي.
ثانياً: أنها جاءت في المركز الأول إقليمياً، ومع أنه طبيعي لدولة الإمارات أن تحقق مثل المركز إقليمياً إلا أنه من المهم التأكيد عليه من واقع حالة الحراك الإقليمي الخليجي والإقليمي الأسيوي في حالة التنافس في مختلف المجالات التنموية لتكون دول مؤثرة في الساحة الدولية يكون الأمر لافتاً أن تبقى وتستمر دولة الإمارات في موقعها الريادي وفي هذا مؤشر مهم في لمعرفة مجموعة من السمات الخاصة في النهوض الإماراتي أخص هنا سمتين اثنتين تنفرد بهما دولة الإمارات وهما. السمة الأولى:ما تقوم به دولة الإمارات من مبادرات ومشاريع تتم وفق خطط مرسومة بعناية ودقة متناهية لذا فمسألة الحكم عليها من البعض بأنها قد تتراجع فهو تقييم قاصر ولا يدرك الفلسفة التي تقوم عليها هذه الدولة خاصة وأنها مرت بتحديات تجاوزتها بتفوق كبير. السمة الثانية: أن نجاحات الإمارات التنموية أصبحت قصص إلهام للآخرين ومصنع الأمل لشعوب العالم فتجد قصصها تستنسخ أحياناً بحذافيرها لتطبق في دول أخرى وهذا تأكيد على القوة الناعمة الإماراتية طالما نتكلم أن مفهوم هذه القوة يختصر في: قدرتها على التأثير.
إن حالة الاستقطاب الإنساني لدولة الإمارات إما رغبة في العيش فيها أو من أجل تغيير المستوى المعيشي من خلال البحث عن فرصة عمل أو حالة تكرار اسم الدولة في الإعلام كلها مؤشرات على قدرة هذه الدولة في التأثير على سلوكيات البشر والحكومات بلا مبالغة أو لغة دبلوماسية الإمارات باتت قصة ملهمة للعالم ليس في التغيير الإيجابي فقط وإنما في قدرتها على المحافظة على القمة.