اتجاهات مستقبلية

الرئيسية مقالات
مجموعـــــــــــــة ترينـــــــــــــدز
اتجاهات مستقبلية

 

اتجاهات مستقبلية

المواجهة الدولية للآليات الأحادية في هرمز

 

 

تعكُف إيران على فرض الهيمنة على الملاحة في مضيق هرمز، بعد سنوات من تهديد حركة الملاحة الدولية في الشرق الأوسط، مع الاعتداء على دول المنطقة، والسفن العابرة للممرات الدولية، ما يوجب على المجتمع الدولي تشكيل آليات قادرة على مواجهة الانتهاكات غير المبرّرة للملاحة، ووقف أي إجراءات أحادية من شأنها تطبيع السياسات المارقة في إقليم دولي لا يحقّ لأحد السيطرة عليه سياسيًّا أو اقتصاديًّا أو عسكريًّا.

إن مضيق هرمز لا يُعدّ من أهم الممرّات البحرية في العالم فقط، بل هو محورٌ أساسيٌّ في توازنات الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة الدولي؛ إذ يُشكّل موقعه البوابة البحرية لدول الخليج العربية نحو البحار المفتوحة والمحيطات، وعبره تمرّ أعداد كبيرة من ناقلات النفط والسفن التجارية، ليربط حركة التجارة والطاقة على المستوى العالمي.

ولا يُمثّل أي خلل في المضيق أزمة إقليمية بسيطة، وإنما يمتدّ إلى قضية تمسّ الاقتصاد العالمي، لارتباطه بسلاسل الإمداد الدولية، وفي القانون الدولي يمكن تعريفه على أنه “مضيق دولي” يخضع لـ“المرور العابر” وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982، فالمضائق الدولية لا تخضع لمنطق السيادة التقليدية، ويجب أن تبقى مفتوحةً أمام حركة السفن دون تعطيل، لما لها من أثر على الاقتصادات حول العالم.

ويقفُ القانون الدولي إلى جانب عدم جواز تعطيل الملاحة في الممرات الدولية، لكن إيران تحاول وضع آليات أحادية للتحكم في المضيق وقت الحرب وبعدها، في المقابل، تتبنى دول الخليج العربية القانون الدولي باعتبار أنَّ مضيق هرمز ممرٌّ دوليٌّ لا يجوز إخضاعه لإرادة بلد، فانسيابية الملاحة في المضائق الاستراتيجية تُعدُّ ركنًا من أركان الاستقرار الاقتصادي العالمي.

إن تعليق الصراع في الشرق الأوسط دون حسمه قد انعكس على تعطيل حركة الملاحة البحرية عبر المياه الدولية لمضيق هرمز؛ إذ تسببت السياسات الإيرانية غير القانونية بارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية والطبية والتقنية، وزيادة تكاليف النقل والشحن، نتيجة إغلاق المضيق، الأمر الذي أثّر على العديد من الدول في الإنتاج والمعيشة، ووصول التأثير إلى نسبة نمو الاقتصاد الدولي، ومستويات التنمية البشرية.

وتُعِدُّ طهران آليات لإدارة حركة المرور في هذا الممر المائي في إطار مزاعمها بحقّ السيادة، لكن السيادة لا تجوز على ممرّ دوليّ، والمضيق ليس ملكية إيرانية لتفرض عليه رسومًا، وتحدّد من يَعبر ومن ينتظر، أو لا يَعبر تمامًا، وما زالت المواجهة الدولية إزاء هذه الإجراءات قاصرةً في تحييد التهديدات في هرمز.

لقد وقّع الاتحاد الأوروبي ومن قبله الولايات المتحدة على عقوبات لاستهداف الأفراد والكيانات المرتبطة بإجراءات وسياسات إيران التي تهدّد حرية الملاحة في الشرق الأوسط، والمخالفة للقانون الدولي؛ إذ تنتهك الحقوق الراسخة للعبور في المضائق الدولية، لكن يبدو أن العقوبات وحدها لا تكفي أمام محاولة لفرض واقع جيوسياسي يتحدّى قواعد القانون الدولي، ويضع الاقتصاد العالمي أمام تهديد دائم مرتبط بالمضيق.

إن تأسيس هيئة إيرانية للمضيق يُنذر بالانتقال إلى مرحلة “مأسسة الهيمنة”، وكأنه تحت سيادتها تستخدمه ورقةَ ضغط سياسية واقتصادية وأمنية ضدّ المجتمع الدولي، وتفرض القيود والإجراءات غير القانونية الأحادية على حركة الملاحة في تهديد مباشر للدول المطلّة على الخليج، ولاستقرار الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة.

لقد حان الوقت لمواجهة سياسة إخضاع حركة العبور لإشراف سياسي وأمني من إيران عبر آليات أممية إلى جانب قوّة عسكرية لحماية أمن المضيق، وإحباط محاولات الهيمنة، مع أهمية تسريع الخطوات الدولية لمواجهة تقويض قواعد الملاحة الدولية، وفرض معادلة قوّة جديدة في الخليج، وتكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية والقانونية لفرض العمل بالمضيق وفق الالتزام بمعاهدة الأمم المتحدة لقانون البحار، دون الاعتماد على مسار واحد وهو المفاوضات الأمريكية الإيرانية.

وفي النهاية، تقع مسؤولية إنهاء احتكار مضيق هرمز على دول المنطقة، والمجتمع الدولي، والمنظمات الدولية، للحفاظ على حالة الأمن والسلم والاستقرار الإقليمي والدولي، وهذا يتطلب تحرّكًا سريعًا حتى لا يُطبع التعامل مع الإجراءات الإيرانية الخاصة بالمضيق وكأنه أمر واقع.


اترك تعليقاً