طالبان بعد أربعة أعوام في السلطة

الرئيسية مقالات
أحمد عليبه:رئيس وحدة الاتجاهات الأمنية - مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة
طالبان بعد أربعة أعوام في السلطة

 

القوة المأزومة:

طالبان بعد أربعة أعوام في السلطة

 

 

 

 

غابت الاستعراضات العسكرية في احتفالات طالبان بالذكرى الرابعة لعودتها إلى حكم أفغانستان في أغسطس 2021، ففي العام الماضي 2024 قدمت طالبان عرضها العسكري الثالث في قاعدة “باغرام” بمروحيات (بلاك هوك) ومركبات (هامفي وإم راب) الأمريكية. هذا الغياب تبرره الحركة بعدم استفزاز الولايات المتحدة، والسعي إلى فتح صفحة جديدة مع إدارة الرئيس دونالد ترامب، قد تمهد الطريق لاعتراف دولي بها، مع ذلك لا يعتقد أن واشنطن مستعدة لهذه الخطوة.

ويعترف قادة طالبان بأن المعدات العسكرية التي تركتها القوات الأمريكية خلفها في أفغانستان (تقدر بنحو 7.2 مليار دولار من الأسلحة والذخيرة والطائرات وقطع الغيار وفق مكتب المحقق القانوني للبنتاغون 2023) بحاجة إلى الصيانة، ولا سيما المعدات الجوية؛ ما دفع طالبان إلى تقليص التدريبات وتخفيض عدد دفعات الطيارين. كما لا تصلح الإمكانات المحلية كبديل لتلبية احتياجات الصيانة المطلوبة.

وفي حين تلمح تقارير محلية، وتصريحات صادرة عن قادة طالبان إلى أن تقارب الحركة مع روسيا والصين قد يسهم في حل هذه المشكلة، لكن لا تزال أولويات هذا التقارب من جانب طالبان تنحصر في تحسين الأوضاع الاقتصادية المتردية، وفي المقابل تطالب موسكو وبكين طالبان بالقيام بخطوات جدية في ملف مكافحة الإرهاب، وفض الارتباط الكامل بالتنظيمات الإرهابية التي تشكل تهديداً لهما، ولا توجد أي مؤشرات أو تقارير روسية أو صينية تفيد بأن الدولتان مستعدتان لتقديم أي دعم عسكري لأفغانستان.

هذه السياسات التي تواجهها طالبان من جانب روسيا والصين، ربما لا تقارن بنظيرتها التي تفرضها الجارة باكستان، بحكم معاناة الأخيرة من حركة طالبان باكستان، والتي تلاحقها في مناطق تمددها داخل العمق الأفغاني، وترى أنه بالإمكان إضعافها، لولا الدعم الذي تحصل عليه من أفغانستان. سواء من طالبان نفسها التي تحاول محاكاتها، أم شبكة حلفائها المحليين؛ وهو ما يفسر لجوء إسلام آباد إلى وسائل مختلفة لإدارة العلاقة مع كابل، تتراوح ما بين الدبلوماسية تارة والمواجهة المباشرة تارة أخرى. وبالنسبة لطالبان، فلا يمكنها تجاهل أن نواتها الأولى بدأت في المدرسة (الديوبندية) في باكستان، لتصل إلى حكم أفغانستان تحت قيادة الملا محمد عمر عام 1994؛ ومن ثم يصعب أن تلاحق طالبان باكستان، بل بالأحرى لن تتخلى عنها.

كمحصلة أولية مما سبق، يمكن القول إن الدول التي يمكنها تقديم العون لطالبان، هي ذاتها التي تعاني من وجود حركة طالبان في الحكم، والتي توفر الملاذ والنموذج، وكلاهما يشكل تهديداً للأمن القومي لهم؛ ومن ثم فإن سياسات الاحتواء وإدارة العلاقة مع طالبان ستظل رهن تطور الوضع بشكل عام في أفغانستان، وقدرة طالبان على كبح رفاقها من التنظيمات والحركات؛ لكن الصيغة الأيديولوجية التي تقدمها في الحكم، وبالتعبية في العقيدة الأمنية والعسكرية تشكل التحدي الرئيسي لكسب ثقة الآخرين.

تجييش الحركة:

على مدار 20 عاماً، منذ الغزو الأمريكي لأفغانستان عقب هجمات 11/9، وحتى خروج القوات الأمريكية في أغسطس 2021، فشلت الولايات المتحدة في بناء جيش لديه القدرة على مواجهة طالبان، وحماية النظام الجمهوري. وثمة الكثير من الأسباب التي تشير إليها تقارير الدفاع، فيما يرتقب أن تشكل اللجنة التي شكلها الكونغرس في 2021 تقييمها العام الجاري لأسباب الإخفاقات التي حدثت في أفغانستان. لكن يتعين النظر إلى تحدي بناء جيش في ظل دولة تشهد دورات متعاقبة من الحروب والصراعات المسلحة الممتدة لعقود من الزمن منذ الحرب الباردة؛ إذ لا يوجد ما يمكن تأهيله في بيئة من هذا النوع للعمل بكفاءة.

في الوقت الراهن تهدف طالبان إلى بناء جيش قادر على تحقيق نفس الأهداف السابقة لصالحها؛ أي حماية نظام “الإمارة الإسلامية” التي أقامتها طالبان خلفاً للنظام الجمهوري، ومواجهة خصومها التقليدين، ولا سيما تحالف الشمال، وكافة أطياف المعارضة، والتنظيمات المناوئة لها مثل (داعش- ولاية خراسان). ووفق هذا النهج الواحد لكن المتغير بين حقبتين قبل وبعد وصول طالبان للسلطة؛ وهو ما يشكل دليلاً استرشادياً للمقارنة بين الأجندات الأمنية والمصالح التي تقف خلفها، والمسار الذي يتوقع أن تسلكه.

وفقاً لما يصدر عن طالبان، تسعى الحركة إلى بناء جيش نظامي، وبعد أربع سنوات في السلطة يمكن تقييم تصور طالبان للجيش النظامي، في إطار المؤشرات التالية:

– القوة البشرية: يبلغ قوام القوة البشرية لجيش طالبان حالياً 150 ألفاً، أغلبهم من البشتون، أو بالأحرى مقاتلي طالبان القدامى، مع الأخذ في الاعتبار أن البعد الإثني أدى دوراً مهماً في بنية وهيكل الحركة تاريخياً. وكشف قاري فصيح الدين، رئيس أركان جيش طالبان، في أغسطس 2022 عن أن هناك خطة لزيادة عدد الجيش إلى 200 ألف، هذه الزيادة قد تتناقض مع الأوضاع الاقتصادية، ومحدودية القدرات العسكرية، مع ذلك هناك مبرر تكتيكي يفسر هذه الخطوة؛ وهو أن طالبان تسعى إلى استقطاب عناصر من الطاجيك والأوزبك كجزء من خطة إضعاف الخصوم في تحالف الشمال.

– هيكل بيروقراطي: أصبح الجيش أكبر جهاز بيروقراطي في البلاد، والأسرع نمواً، يليه جهاز الشرطة؛ حيث سيتزايد عدد منتسبي جهاز الشرطة بنحو 30 ألف منتسب إلى 45 ألفاً، مع أنه يتعين النظر إلى أن قوات الشرطة التي لا تزال تبلغ نحو ربع قوات الجيش تتحمل مسؤولية الأمن الداخلي، بما فيه مكافحة الإرهاب أيضاً، وهما يتقاسمان المهام الرئيسية، وفي مرحلة إعادة تنظيم الجيش والشرطة قامت طالبان بتوزيع الوحدة الحمراء (وهي قوة نخبوية تنتمي لطالبان مدربة على حروب المدن، والعمليات الخاصة والهجمات الانتحارية. كما تقوم بدور الحرس الخاص للنظام) عليهما معاً، وبغض النظر عن معايير التوزيع. ثمة مغزى سياسي وهو أن إحالة مهام رئيسية مثل مكافحة الإرهاب إلى الشرطة يهدف إلى تأكيد أن الخصوم لا يشكلون تهديداً.

هيكلياً، يتكون جيش طالبان من سبعة فيالق إقليمية وفرقة مسؤولة عن كابل (الفيلق المركزي 313). ويشكل مقاتلو طالبان القدامى نصف الجيش تقريباً، بينما يضم 25 إلى 30% من جنود الجيش الجمهوري السابق، بالإضافة إلى ضم مجندين جدد على أساس التطوع. مع ذلك تشير بعض التقارير إلى قيام طالبان بعمليات تجنيد شبه إجباري في مناطق المعارضة للمشاركة في الخدمة العسكرية.

– بنية استخبارات هجينة: وفق النهج ذاته، أعادت طالبان تشكيل جهاز الاستخبارات بشكل مختلط؛ حيث أسست المديرية العامة للاستخبارات (General Directorate of Intelligence – GDI)، وهي جهاز مسؤول عن ملاحقة معارضي طالبان المحليين والتنظيمات (داعش – ولاية خراسان) وتحالف الشمال. ومراقبة الأقليات والمجتمعات المعارضة (مثل الهزارة)، إضافة إلى إدارة السجون والتحقيقات والرقابة على الإعلام والمجتمع. وهي تعمل بآليات استخبارات بدائية تعتمد بشكل رئيسي على العامل البشري. كما لا توجد خطوط فاصلة ما بين كونها أجهزة استخبارات عسكرية أو مدنية تخضع للشرطة أو مستقلة.

– دور شبكة حقاني في القيادة: أحد المظاهر في التركيبة العسكرية أيضاً يتعلق بموقع “شبكة حقاني” في الهيكل العسكري والأمني بشكل عام، علماً بأن التشكيل الحالي يعود إلى تحالف جناحي شبكة حقاني وطالبان قندهار، لكن تتولى “شبكة حقاني” الأدوار الرئيسية في جهاز الشرطة؛ حيث يتولى سراج الدين حقاني قائد الشبكة وزارة الداخلية، كما تضطلع بدور بارز في إدارة المديرية العامة للاستخبارات.

ومع هذا الدور المهم الذي تضطلع به شبكة حقاني، فإن عناصرها في الجيش معروفة؛ وهي نقطة كاشفة في سياق عدة مؤشرات منها: أنه على الرغم من عملية الدمج الهيكلي بين طالبان وشبكة حقاني؛ فإن الفواصل لم تذب بشكل كامل. فعلى سبيل المثال، في عام 2023 ظهرت مشكلة حول منصب مدير الاستخبارات عبد الحق وثيق؛ حيث تسعى شبكة حقاني إلى أن يكون المنصب في عهدتها أو ضمان شخصية محايدة من قندهار، أيضاً كان هناك جدل حول آلية اتخاذ القرار في القيادة العليا، وطرحت “حقاني” تصوراً لإنشاء مجلس شورى جديد. وفي ظل وجود هذا التمايز المعروف بين الجناحين؛ فإن مسألة الولاء تنقسم حسب الانتماء الفصائلي. وعلى الرغم من الدور الذي تؤديه شبكة حقاني في إدارة العلاقة – ولا سيما الأمنية- مع باكستان؛ فإنها تظل مصدر تهديد بسبب العلاقة مع طالبان أفغانستان، إضافة إلى أن تصنيف شبكة حقاني كتنظيم إرهابي يعمق عزلة طالبان.

– العلاقة مع تنظيم القاعدة: تشير تقارير خبراء الأمم المتحدة الدورية حول دور القاعدة في أفغانستان إلى وجود ظل القاعدة في الجيش وأجهزة الأمن، خاصة في مناطق الشرق (ننغرهار، كونار) وفي كابل أحياناً؛ حيث تؤدي دوراً في قمع معارضي طالبان، ودعم التصدي لتنظيم (داعش- ولاية خراسان)، وعلى الرغم من أن اتفاق الدوحة يتعارض مع الإبقاء على هذه العلاقة بين طالبان والقاعدة؛ فإنهما يتحايلان على الاتفاق من خلال العلاقة غير المعلنة.

– العقيدة الأيديولوجية: لا تزال طالبان تتمسك بالعقيدة الدينية المتشددة باعتبارها نهجاً عسكرياً، وهذا التداخل هو سياق واقعي؛ لكن إضفاء المزيد من التشدد في السياسات العامة في المجتمع يتحول إلى أحد الأدوار الوظيفية للأمن الداخلي؛ بصيغة أخرى، العقيدة الأيديولوجية لم تعد مجرد إطار ديني يوجه الجيش، بل أصبحت جزءاً من البنية الوظيفية للأمن كآلية للسيطرة السياسية وضمان ولاء السكان. وهكذا، يصبح الأمن الداخلي عند طالبان ليس مجرد شرطة أو استخبارات، بل منظومة شاملة تتضمن العقيدة، والسياسة الاجتماعية، والقوانين الدينية.

القدرات العسكرية:

ما تركته الولايات المتحدة من أسلحة في أفغانستان يشكل قدرات نوعية مضافة لطالبان، التي لم تواجه تاريخياً معضلة تسليح، لكن تراجع ميزة الأسلحة الأمريكية مع الاستهلاك وعدم القدرة على الصيانة سيشكل أزمة لطالبان على المدى المتوسط. وفي هذا السياق يمكن استعراض القدرات الرئيسية في النقاط التالية:

  • القدرات الجوية: استولت طالبان على نحو 94 طائرة ومروحية من الجيش السابق، معظمها في قاعدة “باغرام”؛ لكن أغلبها أصبح غير صالح للخدمة بسبب الأعطال ونقص قطع الغيار. كما فقدت 68 طائرة أخرى فر بها طيارون إلى أوزبكستان وطاجيكستان. كما أعلنت طالبان عن فقدان بعضها في تدريبات، وتركز الحركة حالياً على تشغيل مروحيات Mi-17 وMi- 35 الروسية، وبعض طائرات النقل القديمة مثل أنتونوف 32، بينما الطائرات الأمريكية الحديثة مثل سوبر توكانو A-29 وUH-60 محدودة التشغيل.

وتسعى طالبان إلى إعادة بناء سلاح الجو رغم التحديات الفنية والسياسية. فمنذ 2023 خرجت دفعات صغيرة من الطيارين (24 طياراً في 2023، و10 طيارين في 2025) تم تدريبهم على طائرات أمريكية من طراز C-208 ومروحيات روسية من طرازMi-17. ونفذت القوات الجوية أكثر من 4218 طلعة جوية في عام 2024 شملت نقل قوات ومساعدات؛ وهو ما يعني عمليات تشغيل عسكرية واسعة. بمرور الوقت فإن تراجع هذه القدرات من دون وجود بديل سيشكل أزمة؛ ومن ثم فمن المرجح أن طالبان قد تلجأ إلى التوسع في بدائل غير تقليدية مثل المسيرات، ولديها خبرة في استخدامها خاصة في عمليات الاغتيال، ولديها وحدة في الجيش متخصصة في المسيرات؛ لكن بعض التقارير تشير إلى أنها ليست بكفاءة وقدرات “داعش- خراسان” وستكون النتيجة لصالح الأخير في حال توسع في استخدامها.

  • الدفاع الجوي: لدى طالبان قدرات محدودة للغاية، ولا تمتلك أنظمة متطورة، بل تعتمد على بقايا مدافع مضادة للطائرات مثل زيكو ياك، وربما صواريخ ستينغر قديمة تعود لحقبة الحرب ضد السوفييت؛ وهذه الترسانة لا توفر حماية حقيقية ضد الطائرات الحديثة.

خريطة التهديدات:

تبني طالبان قدراتها العسكرية على أساس خريطة التهديدات الداخلية بشكل رئيسي، فالولايات المتحدة غادرت البلاد، وروسيا اعترفت بالحركة، ولديها علاقات مع الصين؛ ومن ثم لا تواجه طالبان خطراً خارجياً حتى الآن، لكن بعد أربع سنوات في السلطة، تواجه طالبان تحديات تعوق استقرار حكم طالبان، ويمكن تناول أبرز التهديدات التي تتعاطى معها طالبان على النحو التالي:

  1. المعارضة المحلية: تواجه طالبان تحدياً داخلياً يتمثل في المعارضة المسلحة، خصوصاً في جبهة المقاومة الوطنية (امتداد لتحالف الشمال السابق)، الناشطة أساساً في وادي بانشير ومنطقة أندراب. ويرى الجيش أن هذه المعارضة تشكل تهديداً أكبر من داعش؛ وهو ما يفسر الانخراط العسكري المكثف لطالبان في مواجهتها مقارنة بملف مكافحة الإرهاب.
  2. أمن الحدود: منذ عودتها إلى السلطة في أغسطس 2021، أعلنت طالبان أن حماية الحدود تمثل أولوية رئيسية للجيش والشرطة معاً، كما أنشأت طالبان لاحقاً لجان اتصال عسكري للتعامل مع الحوادث الحدودية. وتمتد حدود أفغانستان لأكثر من 5900 كيلومتر مع ست دول هي: باكستان، إيران، طاجيكستان، أوزبكستان، تركمانستان، الصين. لكن مناطق الانتشار الأكثر كثافة تتركز على الحدود مع باكستان، وإيران، وتركمانستان باعتبارها نقاط توتر رئيسية. ولا تزال عمليات تهريب المخدرات والأسلحة عبر الحدود تحدياً رئيسياً، مع ذلك تشير تقارير دولية إلى أن عمليات التهريب والمخدرات كانت أحد مصادر تمويل طالبان سابقاً، ولا يعتقد أنها في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تشهدها البلاد قد تخلت عن هذه المصادر. وإلى جانب باكستان، فإن العلاقة مع إيران تشهد توتراً متكرراً بسبب أزمة المياه وخلافات حول نهر هلمند؛ ما يؤدي أحياناً إلى وقوع اشتباكات بين طالبان وحرس الحدود الإيراني. ومع ذلك، شهدت العلاقة تعاوناً جزئياً مثل تسليم بعض المطلوبين لإيران.

وتشير مصادر باكستانية إلى أن لدى طالبان باكستان (TTP) نحو 6 آلاف مقاتل، مع إمكانية الوصول إلى أسلحة خطرة، إضافة إلى صلاتها بتنظيم داعش-خراسان. وترتبط طالبان باكستان بعلاقات وثيقة مع حركة تحرير بلوشستان في جنوب أفغانستان؛ حيث تديران معاً أربعة معسكرات تدريب، منها (معسكر والي كوت بولاية قندهار، ومعسكر شرابيت في وزيرستان الشمالية) كما وفرت طالبان ملاذات آمنة ومراكز تدريب لهذه الجماعات في ولايات كونر، ننغرهار، بكتیکا، وخوست؛ مما ساعدها على بناء شبكات تجنيد جديدة وتنفيذ هجمات في باكستان.

  1. الإرهاب: ما تزال أفغانستان مصنفة ضمن العشر دول الأعلى في النشاط الإرهابي عالمياً وفق تقرير GTI في 2024، وتشير تقديرات إلى أن هناك 22 منظمة إرهابية تنشط حالياً في أفغانستان، وأن 90% من الهجمات في باكستان تنطلق من الأراضي الأفغانية. وتقع المسؤولية الأساسية في مواجهة داعش – ولاية خراسان على عاتق المديرية العامة للاستخبارات (ضمن وزارة الداخلية)، بالتنسيق مع الجيش في بعض العمليات الكبرى. ويُعتقد أن الوحدات الحمراء (Red Unit) تؤدي دوراً مهماً في هذه المواجهة. ورغم إعلان طالبان عن تراجع العمليات الإرهابية؛ فإن داعش كثف من نشاطه، خصوصاً باستخدام الطائرات المسيرة ضد طالبان. وفي أغسطس 2025، وجهت الصين وباكستان إنذاراً واضحاً لطالبان بضرورة كبح نشاط الجماعات المسلحة، وعلى رأسها طالبان باكستان، ملوحتين بإجراءات أحادية الجانب؛ ما يعكس تحول ملف الحدود إلى ورقة ضغط إقليمية ترتبط بالأمن والاقتصاد، خصوصاً عبر مشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني.

نتائج رئيسية:

  • على مدار أربع سنوات في السلطة شكلت طالبان قواتها الأمنية والعسكرية لتأمين حكمها بشكل رئيسي، حتى الوظائف الأمنية مثل أمن الحدود ومكافحة الإرهاب، وصولاً إلى عمليات التعبئة العسكرية الموجهة ضد معارضيها. وعلى الرغم من تبني برامج تدريب أمريكية مختلفة نسبياً عن تدريباتها على حرب العصابات؛ فإنها لم تتخل عن الأخيرة.
  • على الرغم من الفصل الهيكلي ما بين القوات الشرطية والعسكرية والاستخبارات؛ فإن هذا الفصل لم ينطبع في الأدوار التي تعتمد على تلك التشكيلات بغض النظر عن طبيعتها، فبحسب قوة التهديد التي تتعرض لها تقوم بتوجيه التشكيلات الأمنية والعسكرية، إضافة إلى بعض المهام النوعية مثل دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ظل التشدد في القوانين الدينية؛ ومن ثم لم تبنِ طالبان جيشاً حديثاً، وإنما جيشت الحركة لتلائم الوظائف التي تناسب الأهداف والمهام المطلوبة.
  • تتعامل طالبان مع قائمة التهديدات التي تُعرض حكمها لعدم الاستقرار، ومع ذلك فإن طالبان لا تزال في حد ذاتها تشكل تهديداً. ويتمثل هذا التهديد في الداخل بعدم القبول بوجود شركاء لها في السلطة، فقد أصدرت قراراً بتثبيت الحكومة المؤقتة، ولن تجري انتخابات لاستيعاب المعارضة، ولا سيما المعارضة المدنية التي لا تطلب سوى المرونة المجتمعية والتخلي عن السياسات الراديكالية التي تنتهجها طالبان، بالإضافة إلى التهديد الذي تشكله لدول الجوار في ظل عدم تخليها عن تحالفاتها السابقة؛ وهو ما يعمق وضع الانغلاق كحركة أكثر منها نظاماً قابلاً للحياة بشكل مستقر.
  • نقطة الضعف الكبرى التي تعاني منها طالبان هي تردي الأوضاع الاقتصادية؛ وهو ما ينعكس على استمرار رواج المخدرات، وعدم القدرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه مؤسساتها، كما أن توفيرها حاضنة للتنظيمات الإرهابية سيعرقل طموحها في الانضمام إلى البريكس، ويقلل فرص بناء مشروعات قومية كبرى يمكن أن تقدمها لجمهورها؛ ما يقلص قاعدتها الشعبية.

 

 


اترك تعليقاً