نقلة نوعية: مصانع الذكاء الاصطناعي وسباق الحوسبة الفائقة في 2026

الرئيسية مقالات
نقلة نوعية: مصانع الذكاء الاصطناعي وسباق الحوسبة الفائقة في 2026

 

نقلة نوعية: مصانع الذكاء الاصطناعي وسباق الحوسبة الفائقة في 2026

 

 

 

مع تسارع التحولات العالمية في البنية التحتية الرقمية، تتجه دول كبرى وشركات رائدة إلى استكمال إنشاء أولى مصانع الذكاء الاصطناعي ومراكز الحوسبة فائقة القدرة، التي يجري الاستثمار فيها منذ عام 2025 بمئات المليارات من الدولارات. ويشير المسار المتسارع لهذه المشاريع إلى أن عام 2026 سيشهد بدء تشغيل تجمعات حوسبية عملاقة؛ ما يرفع قدرات الدول والشركات على تدريب النماذج الضخمة وتشغيلها بكفاءة أعلى، ويعزز سباق الاستثمار العالمي نحو الحوسبة الفائقة والهجينة. ومن شأن هذه الانطلاقة أن تُحدث نقلة نوعية في جودة أنظمة الذكاء الاصطناعي الجديدة، وتُسرع دمجها في القطاعات الإنتاجية والاقتصاد الرقمي.

تحول المعلومة إلى طاقة إنتاجية:

شهد عام 2025 ظهور مصطلح مصانع الذكاء الاصطناعي (AI Factories)، الذي تحدث عنه جينسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة “إنفيديا”، ويقصد به الجيل الجديد من البنى التحتية الرقمية التي تعيد تعريف القيمة في الاقتصاد المعرفي، حيث تقوم بتحويل البيانات الخام إلى ذكاء قابل للاستخدام عبر منظومة متكاملة تدير دورة حياة الذكاء الاصطناعي بأكملها؛ بدءاً من جمع البيانات وتنظيمها، مروراً بتدريب النماذج وضبطها، وانتهاءً بعمليات الاستدلال واسعة النطاق. وفي هذه البيئة، يصبح الذكاء ذاته منتجاً اقتصادياً يُقاس بعدد الرموز (tokens) القادرة على توليد نماذج جديدة.

فعلى خلاف مراكز البيانات التقليدية التي تُصمم لمعالجة مهام حوسبية عامة، فإن مصنع الذكاء الاصطناعي يُبنى حول غاية محددة؛ وهي تسريع إنتاج المعرفة الاصطناعية بكفاءة طاقية وحوسبية عالية. ويعمل من خلال منظومة مترابطة من العمليات التي تُحوِّل البيانات إلى نماذج، والنماذج إلى قرارات، والقرارات إلى ذكاء تراكمي يتطور ذاتياً.

وتتكون هذه المصانع من عدة وحدات، تمثل خطوط البيانات (Data Pipelines) العمود الفقري للمصنع؛ إذ تُحوِّل البيانات غير المنظمة إلى وحدات معرفية صالحة للتعلم. وكلما ازدادت جودة هذه البيانات ونقاؤها؛ انعكس ذلك على موثوقية مخرجات النماذج وسلوكها على نطاق واسع.

أما الاستدلال (Inference) فهو القلب النابض للمصنع؛ إذ تتم فيه عمليات اتخاذ القرار في الزمن الحقيقي عبر نماذج مدربة تستجيب فورياً لمدخلات جديدة، سواء في التوصيات الذكية أم كشف الاحتيال أم تشغيل الأنظمة الذاتية أم غيرها. وتقوم نتائج هذه العمليات بإعادة تغذية النظام ذاته، في دورة تراكمية تُحسّن دقة الأداء بمرور الوقت وتُسرّع نمو الذكاء المؤسسي.

لكن قبل إنشاء مصانع الذكاء الاصطناعي مادياً، يُعاد تصميمها افتراضياً عبر ما يُعرف بـ”التوأم الرقمي” (Digital Twin)؛ وهو نموذج ثلاثي الأبعاد يحاكي بدقة البنية التشغيلية الكاملة للمصنع. وتتيح هذه المحاكاة اختبار الكفاءة، وتوقع الأعطال، وتحليل الأداء؛ بما يقلل المخاطر ويختصر زمن التنفيذ. وهكذا يتحول التخطيط من عملية خطية إلى بيئة تجريبية ديناميكية تُدار في الزمن الحقيقي.

بشكل عام، يمكن القول إن مصانع الذكاء الاصطناعي تمثل البنية التحتية لعصر جديد تتداخل فيه المعرفة مع الطاقة والإنتاج، حيث لا يُقاس التقدم بعدد الآلات؛ بل بقدرة الأنظمة على توليد الذكاء بوصفه مورداً استراتيجياً يعيد تشكيل الاقتصاد والإدارة والأمن، بل وربما مفهوم القوة ذاته في المستقبل.

نماذج الحوسبة الفائقة والهجينة:

في اليوم الثاني من تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منصبه في يناير 2025، أعلن عن مشروع “ستارغيت”؛ وهو مشروع ضخم يضم شركات مثل “أوبن أيه آي” و”سوفت بنك” و”إنفيديا” و”أوراكل”؛ لبناء بنية تحتية ضخمة للذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة الأمريكية، بتكلفة تصل إلى نصف تريليون دولار.

كما وقّع الرئيس ترامب مع رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، في سبتمبر 2025، اتفاق الازدهار التكنولوجي بقيمة تصل إلى 350 مليار دولار، تشمل استثمارات ضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، وأشباه الموصلات، والطاقة النووية المدنية. ومن أبرز الالتزامات التي تضمنها الاتفاق: استثمار “مايكروسوفت” نحو 22 مليار جنيه إسترليني في بناء حاسوب فائق للذكاء الاصطناعي، ونشر “إنفيديا” ما يقارب 120 ألف معالج رسومي بقيمة 11 مليار جنيه إسترليني، إلى جانب استثمار “جوجل” 5 مليارات جنيه إسترليني في مركز بيانات جديد. كما يشمل الاتفاق تسريع تراخيص مشاريع المفاعلات النووية وتطوير “مناطق نمو” للذكاء الاصطناعي في شمال شرقي إنجلترا.

وعلى النهج نفسه، وقّعت الإدارة الأمريكية اتفاقاً مع كوريا الجنوبية، في أكتوبر 2025، لتعزيز التعاون في مجالات العلوم والتكنولوجيا والابتكار؛ حيث يركز على تعظيم التعاون بين البلدين في مجالات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك النماذج التوليدية وتطبيقاتها في القطاعات الإنتاجية، وأشباه الموصلات، والحوسبة الفائقة، والحوسبة الكمية، والطاقة النظيفة، والتقنيات المستدامة، مع التركيز على الحد من البصمة الكربونية في الصناعات التكنولوجية.

وفي أوروبا، أُعلنت شراكة بين “ميسترال إيه آي” (Mistral AI) الفرنسية و”إنفيديا”، في يونيو 2025، لإنشاء منصة بنية تحتية للذكاء الاصطناعي في فرنسا بقدرة كهربائية تقارب 1.4 غيغاواط. كما أعلنت شركة “آكر آسا” (Aker ASA) النرويجية، بالشراكة مع “إنسكيل غلوبال هولدنغز” (Nscale Global Holdings) البريطانية و”أوبن أيه آي”، في أواخر يوليو 2025، عن بناء منشأة ذكاء اصطناعي باستثمار أولي يُقدر بنحو مليار دولار في شمالي النرويج لتشغيل نحو 100 ألف شريحة من “إنفيديا” بحلول نهاية 2026.

أما في الشرق الأوسط، فأعلنت مجموعة من الشركات المتخصصة في التكنولوجيا في دولة الإمارات العربية المتحدة، تضم “جي 42″ و”أوبن أيه آي” و”أوراكل” و”إنفيديا” و”سوفت بنك” و”سيسكو”، في مايو 2025، إطلاق مشروع “ستارغيت الإمارات”، في خطوة تاريخية نحو تعزيز الذكاء الاصطناعي وتعميق التعاون الدولي. ويُعد المشروع تجمعاً حوسبياً متطوراً للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي بسعة 1 غيغاواط، وسيُقام ضمن مجمع الذكاء الاصطناعي الإماراتي الأمريكي الجديد في أبوظبي، الذي تصل سعته الكلية إلى نحو 5 غيغاواط. ويهدف المشروع إلى توفير بنية تحتية متطورة وقدرات حوسبة على مستوى الدولة، مع تقليل زمن معالجة البيانات لضمان تقديم حلول ذكاء اصطناعي تلائم متطلبات عالم يشهد نمواً متزايداً في هذا المجال، ومن المتوقع بدء تشغيل أول تجمع حوسبي في عام 2026.

مجمل القول إن هذا التوجه لبناء بنية تحتية ضخمة لمصانع الذكاء الاصطناعي؛ سيكون له تأثير مباشر خلال الفترة المقبلة، سواء في الاستثمارات أم في كفاءة نظم الذكاء الاصطناعي الجديدة.


اترك تعليقاً