
نظّمت دار “أخبار اليوم”، اليوم الخميس، ندوة فكرية موسعة بعنوان «الرحم الاصطناعي ومستقبل الإنسان العربي»، لمناقشة وإطلاق كتاب «الرحم الاصطناعي.. عالم ما بعد التكاثر البشري» لمؤلفه معالي الأستاذ الدكتور جمال سند السويدي، نائب رئيس مجلس أمناء مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، بقاعة أحمد رجب في مبنى أخبار اليوم في القاهرة.
تأتي الندوة في إطار الدور التنويري للدار، وحرصها على فتح نقاش جاد حول القضايا العلمية والفكرية الكبرى، التي تمسّ مستقبل الإنسان والمجتمعات العربية، في ظل التطورات المتسارعة في مجالات التكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي، وما تفرضه من أسئلة أخلاقية وثقافية ودينية غير مسبوقة. وقد استقبل الكاتب الصحفي إسلام عفيفي، رئيس مجلس إدارة “دار أخبار اليوم”، المفكر والباحث الاستراتيجي معالي الدكتور جمال سند السويدي، في لقاء فكري، عكس عُمق الحوار العربي حول قضايا المستقبل، وأكد أهمية الشراكة الثقافية والفكرية العربية في مواجهة تحديات عالم ما بعد الثورة العلمية.
حضر الندوة نخبة كبيرة من الشخصيات العامة، وصُنّاع القرار والدبلوماسيين والمفكرين ورجال الدين والإعلام، من بينهم السفير محمد العرابي وزير الخارجية الأسبق، والسفير فهمي فايد مساعد وزير الخارجية الأسبق، والدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف السابق، والدكتور شوقي علام، مفتي الديار المصرية السابق، والكاتب الصحفي وعضو مجلس النواب مصطفى بكري، والكاتب والمفكر مختار عيسى نائب رئيس اتحاد كتاب مصر، إلى جانب عدد من كبار الكتاب ورؤساء التحرير والصحفيين والمثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي والتكنولوجيا.
عُرض في بداية الندوة فيلم تسجيلي قصير، استعرض الأفكار الرئيسية التي يطرحها كتاب “الرحم الاصطناعي”، أعقبه كلمة ترحيبية لرئيس مجلس إدارة “أخبار اليوم” بالدكتور جمال السويدي، أكد خلالها التزام “أخبار اليوم” بدورها التاريخي كمنصة للحوار المسؤول بين الفكر والعلم والسياسة. وأدار الندوة الإعلامي الدكتور محمد عبده بدوي، الذي حرص على أن يعكس الحوار تعدد الرؤى وتكاملها، وتحويل النقاش من الطرح النظري إلى مقاربات واقعية تمسّ مستقبل المجتمعات العربية.
افتُتحت الجلسة النقاشية بمداخلة للدكتور شوقي علام، مفتي الديار المصرية السابق، تناول فيها الكتاب من منظور ديني وأخلاقي، محللاً الإشكاليات الشرعية المرتبطة بتقنيات الرحم الاصطناعي، وكيفية تعامل المجتمعات العربية مع هذه التحولات بما يحفظ القيم الإنسانية، دون تعطيل مسار التقدم العلمي. كما قدّم الدكتور عمرو حسن، أستاذ النساء والتوليد بكلية الطب جامعة القاهرة، عرضاً علمياً متخصصاً شرح الجوانب الطبية والتقنية للرحم الاصطناعي وحدوده العلمية الحالية، وإمكانات تطبيقه وانعكاساته الصحية والبيولوجية على الإنسان.
شهدت الندوة مناقشات واسعة حول أهمية الكتاب وطبيعته الاستراتيجية، وحول تقنية الأرحام الاصطناعية وما تثيره من تساؤلات، وما تطرحه من تحديات أخلاقية واجتماعية ودينية وثقافية، وكيفية التعامل معها لضمان أن تكون هذه التقنية أداة للبناء، وليس معولاً للهدم. وأشاد مشاركون بفكرة الكتاب باعتبارها تفتح نقاشاً علمياً وأخلاقياً حول تقنية ثورية آخذة في التشكل عالمياً، كما حرص كثيرون على اقتناء نسخ من الكتاب بتوقيع المؤلف.
من جهته، عبّر معالي الدكتور جمال السويدي عن شكره وتقديره لدار «أخبار اليوم» على تنظيم الندوة، مشيداً بحُسن التنظيم وحفاوة الاستقبال، ومثنياً على العلاقات التاريخية والوطيدة التي تربط بين مصر ودولة الإمارات العربية المتحدة، واصفاً «أخبار اليوم» بأنها مؤسسة صحفية وإعلامية عريقة ذات دور إعلامي وتنويري مؤثر في المنطقة. وأوضح أن الكتاب يبحث حاضر تقنية الأرحام الاصطناعية، ويستشرف مستقبلها ومستقبل الحياة البشرية في ظل مواكبة تلك التقنية، ويفسّر منافعها ومخاطرها، ويناقش التحديات التي تثيرها وكيفية التصدي لها، مشيراً إلى أنه قدّم ضمن الكتاب مقترحات لضمان استخدام منضبط من جانب الدول الكبرى لهذه التقنية التي أصبحت أمراً واقعاً يفرض نفسه بقوة.
وأكد السويدي أن لتقنية الرحم الاصطناعي إيجابيات عديدة، من أبرزها التعامل مع مخاطر الولادة المبتسرة، وعلاج مشكلات العقم، وخفض معدلات الإجهاض والإملاص، وتمكين النساء من الإنجاب في سن متقدمة، ومساعدة النساء غير القادرات على الحمل لأسباب صحية، وإنقاذ حياة آلاف النساء من مضاعفات الحمل، وحماية الجنين من العدوى، والمساعدة على التخلص من أمراض خطرة أو وراثية وعلاجها ومنع انتقالها، فضلاً عن معالجة مشكلة الافتقار السكاني لدى بعض الدول. وشدد على ضرورة الانتباه للسلبيات المحتملة، التي يحذّر منها بعض العلماء، وفي مقدمتها التأثير على مفاهيم الأبوة والأمومة والطفولة، وخلق أنماط فوضوية جديدة من الحروب والصراعات الدولية، وتحويل البشر المصنعين إلى سلع واحتكار تصنيعهم، واحتمالات انفجار سكاني، وظهور أمراض جديدة مدمرة، وتغيير مفاهيم الطبيعة والأصالة والحياة البشرية.
وأشار السويدي إلى أنه يؤيد «منطق الإتاحة، لأن المنع ليس حلاً، ولأن الثورات العلمية والتكنولوجية تفرض نفسها في نهاية المطاف»، مؤكداً في الوقت نفسه أن المعالجة الرشيدة لقضية الرحم الاصطناعي يجب أن تجمع بين الشرع والعلم، وأن تتطلب وضع قوانين وضوابط صارمة لضمان الاستخدام الآمن، إلى جانب إنشاء قواعد بيانات وراثية عربية متخصصة في تقنية الرحم الاصطناعي والهندسة الوراثية، وإطلاق حملات توعية متخصصة بهذه المجالات.
الجدير بالذكر أن كتاب «الرحم الاصطناعي.. عالم ما بعد التكاثر البشري» يُعد أحدث مؤلفات الدكتور جمال سند السويدي، ويتناول المكوّنات الرئيسية للرحم الاصطناعي والتطور التاريخي للفكرة، ويستعرض محطات تطور مفهوم الرحم الاصطناعي، بدءاً من عام 1993 إلى 2023، موضحاً أن التقنية «سلاح ذو حدين» عبر عرض إيجابياتها وسلبياتها والتحديات المرتبطة بها. كما يناقش الكتاب المخاطر المجتمعية المحتملة، ومنها الانقسام المجتمعي نتيجة تأثيرات قد تهدد القيم الأسرية التقليدية وتهدم بعض المعايير الراسخة، فضلاً عن بحث التحديات القانونية والجوانب الأخلاقية، واستعراض الضوابط المقترحة لضبط الاستخدام، والتأكيد على أن تطوير الأطر القانونية بات ضرورة للاندماج المسؤول لتقنية الرحم الاصطناعي في المجتمع، مع بيان تأثيرها على مستقبل الأخلاق وعلاقة بحوث التقنية الحيوية بالعلم والأخلاق.
في ختام الندوة، فُتح باب النقاش أمام الحضور لتبادل الرؤى حول الأبعاد الاستراتيجية والاجتماعية والثقافية والسياسية للتقنية، واستشراف تأثيرها على بنية الأسرة وشكل الدولة الوطنية والسياسات السكانية والأمن الإنساني عربياً، مؤكدةً أن التحدي الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في كيفية إدارتها بوعي وبناء إنسان عربي قادر على الفهم والتحليل واتخاذ القرار المستنير.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.