أبوظبي – الوطن:
على هامش أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، شارك مركز تريندز للبحوث والاستشارات، في الحلقة النقاشية الدولية التي نظمها التحالف البرلماني الدولي للأخلاقيات العالمية واللجنة الدولية لمكافحة التطرف وخطاب الكراهية (ICCEHS)، تحت عنوان «من الاتفاقيات إلى النتائج: الاتفاقيات الإبراهيمية والمسار نحو السلام والازدهار»، بمشاركة نخبة من صناع القرار وقادة الفكر وممثلي المؤسسات الدولية.
وقال الدكتور محمد عبد الله العلي الرئيس التنفيذي لتريندز في كلمة رئيسية تناول فيها الأبعاد التحولية للاتفاقيات الإبراهيمية، مؤكداً أنها تمثل أكثر من مجرد ترتيبات سياسية، بل تشكّل إطاراً أخلاقياً وثقافياً جديداً لإعادة تعريف مفهوم السلام في الشرق الأوسط وخارجه.
وشدد الدكتور العلي في الحلقة النقاشية التي استضافها بيت ابراهام في دافوس وجمعت مسؤولين رفيعي المستوى وصنّاع سياسات وأكاديميين وإعلاميين وقادة من المجتمع المدني من أكثر من 20 دولة، على أن الاتفاقيات الإبراهيمية تنقل مسار السلام من منطق إدارة الصراع إلى منطق بناء التعايش، ومن التركيز على العلاقات الرسمية بين الدول إلى الاستثمار في العلاقات الإنسانية بين الشعوب. وأوضح أن التجارب التاريخية تؤكد أن السلام المستدام لا يُفرض بقرارات سياسية فقط، بل يُبنى من القاعدة المجتمعية عبر التفاعل الثقافي والتعليمي والاقتصادي.
وأشار إلى أن البعد الإبراهيمي يشكّل ركيزة أخلاقية جامعة، تستند إلى قيم الاحترام المتبادل وصون الكرامة الإنسانية والاعتراف بالتنوع بوصفه مصدر قوة، معتبراً أن استدعاء هذا البعد القيمي يعيد الاعتبار للدين بوصفه عنصراً فاعلاً في صناعة السلام لا أداة للصراع، وأن مواجهة التطرف تبدأ فكرياً وثقافياً وأخلاقياً قبل أن تكون أمنية.
وأكد الدكتور العلي أن التحدي الحقيقي يكمن في ترجمة التطبيع السياسي إلى أثر مجتمعي ملموس، من خلال سياسات متكاملة تستثمر في التعليم والإعلام والثقافة، وتمكّن الشباب من لعب دور محوري في مشاريع عابرة للحدود، وبرامج تبادل، ومبادرات ابتكارية تعزز ثقافة السلام على المدى الطويل. كما ربط بين السلام والازدهار، موضحاً أن التعاون الاقتصادي، والابتكار، والاستثمار في الاقتصاد المعرفي والتنمية المستدامة، تمثل عوامل أساسية في ترسيخ الثقة وتقليص جاذبية السرديات المتطرفة، مؤكداً أن أي سلام لا ينعكس إيجاباً على حياة الناس اليومية يظل سلاماً هشاً ومعرّضاً للتآكل.
وتناولت الحلقة النقاشية «الاتفاقيات الإبراهيمية» ليس بوصفها اتفاقات دبلوماسية فحسب، بل باعتبارها إطاراً تحولياً قادراً على تعزيز التسامح والحوار بين الثقافات وترسيخ السلام طويل الأمد في الشرق الأوسط وخارجه. ومع تجاوز مرحلة التوقيع السياسي، انصبّت النقاشات على كيفية ترجمة مسارات التطبيع إلى أثرٍ اجتماعي ملموس وثقافة تعايش مستدامة.
وفي كلمة له بالحلقة شدد الدكتور نضال شقير، مدير المكتب التنفيذي للجنة الدولية لمكافحة خطاب التطرف والكراهية (ICCEHS)، على أن الاتفاقيات الإبراهيمية شكّلت نقطة تحوّل تاريخية في المنطقة، قائلاً:” إن ان السلام ليس لحظة… بل مسارا. والازدهار ليس وعداً… بل مسؤولية. مؤكدا ان الاتفاقات الإبراهيمية فتحت باباً وأنه من خلال الاستثمار في الانسان والتعاون والتغيير يمكن لهذه الاتفاقيات أن تصبح أكثر من محطة دبلوماسية وان تصبح نموذجاً.
وخلال كلمته، أعلن الدكتور شقير رسمياً عن إطلاق برنامج ICCEHS للتعايش الإبراهيمي، واصفاً إياه بأنه مبادرة ترتكز إلى الابتكار والمسؤولية والكرامة الإنسانية، وتهدف إلى صناعة حركة حقيقية بين الشعوب تقول نعم للسلام وتحول الاتفاقيات إلى واقعٍ ملموس على الأرض.
وفي كلمة الرئيسية، قال معالي الدكتور الشيخ عبدالله بن أحمد آل خليفة، وزير المواصلات والاتصالات ورئيس مجلس أمناء مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح أن الاتفاقيات الإبراهيمية تشكل محطة سياسية مهمة، لكن قيمتها الحقيقية تكمن فيما يليها. وسيُقاس نجاحها بمدى قدرتها على بناء الثقة بين المجتمعات، وتقليص مساحة التطرف، وترجمة النوايا الدبلوماسية إلى تعايشٍ فعلي.
وأضاف معاليه أن السلام ليس شعاراً، بل منظومة تقوم على القيادة الأخلاقية والمسؤولية المؤسسية والتماسك الاجتماعي. أما البعد الإبراهيمي فليس نقاشاً لاهوتياً، بل إقراراً بأساسٍ أخلاقي مشترك يؤكد الكرامة الإنسانية واحترام التنوع والمساءلة ورفض العنف والتطرف.
من جانبه، أكد سعادة السفير د. خالد الغيث، الأمين العام للجنة العليا للأخوة الإنسانية، الأبعاد الأخلاقية والتعليمية لبناء السلام، قائلاً: ” إن الاتفاقيات الإبراهيمية ليس نقطة نهاية، بل منصة. مؤكدا أهمية ترجمة روحه إلى مبادرات تعزز التعايش وتدفع الأخوة الإنسانية، ويجب أن يكون التعليم في قلب هذا الجهد.
بدوره أشار سعادة جينارو ميليوري، مدير المجلس الاستشاري للجنة الدولية لمكافحة خطاب التطرف والكراهية إلى الدلالة السياسية الأوسع للاتفاقيات، قائلاً: ان الاتفاقات الإبراهيمية اوجدت واقعا جديدا شكل بنية سياسية يجب توسيعها. وتكمن قوتها الحقيقية في نموها وقدرتها على تحويل التعاون إلى واقعٍ إقليمي جديد. أما قيمتها الأعمق فهي إظهار أن الهويات المختلفة يمكن أن تتعايش دون إلغاء بعضها البعض، وأن التنوع الديني والثقافي والوطني يمكن أن يصبح مصدر استقرار بدل الصراع.
اما السيد نديم عمار، رئيس المؤسسة الإسرائيلية الدرزية للتقدم الأكاديمي والثقافي فقال ان الاتفاقيات الإبراهيمية تشكل نقطة تحوّل لانها ليست اتفاقيات دبلوماسية فحسب، بل طريقة تفكير جديدة تضع التعاون فوق الصراع، والمصالح المشتركة فوق الانقسام. وهي تعزز الأمن الإقليمي، وتفتح أبواباً للنمو الاقتصادي، وتشجع الحوار بين الدول والأديان والثقافات.
بدورها، شددت السيدة شوشانا نيكول بيكرمان، مديرة التحالف البرلماني الدولي للأخلاقيات العالمية (IPCGE)، على أهمية الدبلوماسية البرلمانية والقيادة الأخلاقية لضمان استدامة مبادرات السلام، مؤكدةً دور المشرّعين والتعاون البرلماني العابر للحدود في ترجمة الاتفاقات السياسية إلى سياسات عامة خاضعة للمساءلة وأطر حوكمة شاملة، وأن المبادئ الأخلاقية والمسؤولية المؤسسية عنصران أساسيان لترسيخ قيم التعايش والحوار ضمن عمليات صنع القرار الوطنية والدولية.
وقد اختُتمت الحلقة النقاشية بتوافقٍ عام على أن نقل «الاتفاقيات الإبراهيمية» من مرحلة الاتفاقيات إلى مرحلة النتائج يتطلب التزاماً طويل الأمد ومشاركة شاملة وسرديات مسؤولة وأطراً مؤسسية قوية، بما يتيح وضعها كنموذج محتمل لبناء السلام والتعايش في المناطق التي تشهد صراعات ممتدة.وام
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.