اتجاهات مستقبلية
الكتلة التجارية الدولية.. رهان واشنطن لكسر الاحتكار الصيني للمعادن الحيوية
يبرز التنافس الدولي على الموارد اللازمة للصناعات الدفاعية والتقنيات المتقدمة بوصفه تحديًا اقتصاديًّا استراتيجيًّا؛ الأمر الذي يفرض ضغوطًا متزايدة على سلاسل توريد المعادن الحيوية، ويؤثر مباشرةً على تطور القطاعات الاستراتيجية. ومن هذا المنطلق، تسعى الدول إلى عقد شراكات لضمان تكامل القدرات وتوفير المعادن بأسعار عادلة، من دون الاعتماد كليًّا على منافسين دوليين في مجالات الاقتصاد والصناعة المتطورة.
وفي هذا السياق، تتشاور نحو 55 دولة مع الولايات المتحدة لبناء كتلة دولية تضمن تدفق المعادن الحيوية بأسعار تحددها الكتلة لكل مرحلة من مراحل الإنتاج، بما يعكس القيمة العادلة للسوق، بعيدًا عن الاحتكارات والتقلبات الجيوسياسية التي تهدد توريد معادن تمثل عصب صناعات أشباه الموصلات، والسيارات الكهربائية، والأسلحة المتطورة، وتقنيات التحول الأخضر.
وتتحرك الولايات المتحدة بجدية عقب الخلافات التجارية الأمريكية-الصينية التي أسفرت عن قيود صارمة في الوصول إلى المعادن الحيوية والنادرة. وتعتمد واشنطن في تحركها مسارين؛ يتمثل الأول في بناء مخزون استراتيجي بتمويل قدره 10 مليارات دولار من بنك التصدير والاستيراد الأمريكي، ومليارا دولار من القطاع الخاص، ضمن رؤية تحمل اسم “مشروع فولت”.
ويهدف المشروع إلى تحويل المعادن الحيوية من نقطة ضعف إلى ركيزة من ركائز القوة الاقتصادية؛ لضمان ألا تترك الأحداث الدولية أثرًا سلبيًّا على الشركات والعمال والصناعات الأمريكية نتيجة نقص الإمدادات. ويُعامل هذا المخزون معاملة الاحتياطي النفطي، لكنه يركز على معادن الغاليوم، والكوبالت، والليثيوم، والنيكل، والمنغنيز، والجرافيت.
وعلى جانب آخر، تتبنى واشنطن استراتيجية “التجارة التفضيلية” للمعادن الحيوية مع حلفائها؛ بهدف تحجيم السيطرة الصينية ومنع إغراق الأسواق بمنتجات رخيصة تنافس الشركات الأمريكية. وتعتمد هذه الاستراتيجية على ضمان حد أدنى للأسعار عبر قواعد منسقة بين الشركاء في مشروعات التعدين والمعالجة. وعلى الرغم من صعوبة منافسة الإمدادات الصينية الأرخص، فإن هذا التحدي لايزال يتطلب معالجة جذرية قد تؤدي إلى إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية، حتى وإن أدى ذلك إلى زيادة التكاليف وتصاعد التوتر التجاري.
لقد تسببت القيود المفروضة على تصدير المعادن الحيوية في تأخير إنتاج شركات كبرى في أوروبا والولايات المتحدة. وبينما يعمل الاحتياطي المستهدف على تحصين قطاع الأعمال الأمريكي من تقلبات الأسعار، تستثمر واشنطن محليًّا في شركات التعدين لتعزيز الإنتاج والمعالجة. كما أبرمت اتفاقيات مع أستراليا، واليابان، وماليزيا، وكوريا الجنوبية، ودولة الإمارات، والمكسيك، مع توقعات بالتوصل إلى تفاهمات مماثلة مع أوروبا؛ إذ لابد من استقرار سلاسل الإمداد لضمان التفوق التكنولوجي الأمريكي.
في المقابل، تدير الصين إنتاجها من المعادن بما يخدم مصالحها، الأمر الذي قد يحدُّ من الصادرات ويقوض قدرات الدول الأخرى في التصنيع المتقدم. ومع احتمالية تضاعف الطلب العالمي في السنوات القادمة، يواجه المسار الأمريكي تحديات عدة، أبرزها ندرة المواد ذاتها، والوقت الطويل اللازم لتنفيذ الاتفاقيات الدولية.
إن المعادن الحيوية مكونٌ لا غنى عنه في الابتكار المستقبلي وخاصة في الأسلحة والإلكترونيات؛ لذا فإن إنشاء كتلة تجارية لتنويع سلاسل التوريد قد يغير وجه السوق العالمية. ومع ذلك، فلابد من الحذر؛ إذ إن استحواذ الولايات المتحدة على معظم المخزونات خارج الصين قد يخلق شبكة سيطرة جديدة تجعل وصول الدول الأخرى إلى هذه الموارد أكثر صعوبة. فالغاية المنشودة للدول ليست استبدال هيمنة صينية بأخرى أمريكية، بل إرساء شبكة إمداداتٍ دوليةٍ موثوقٍ بها ومستدامة.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.