هالة الحفناوي رئيس وحدة تقييم التفاعلات المجتمعية في مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة
يعني “التعلم” في أبسط معانيه إحداث تغيير دائم في المعرفة والمهارات والقيم والسلوك. وعلى الرغم من الثورة التي أحدثتها أدوات الذكاء الاصطناعي في توليد نصوص نجحت في إحداث تحسين ملحوظ في أداء الطلاب لـ”مهامهم” التعليمية؛ فإن ذلك لم يؤدِّ بالضرورة إلى مكاسب تعليمية حقيقية. فبينما تمكن الطلاب بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي، من تسليم أبحاث ممتازة الصياغة، أو تحليل مسائل منطقية بسرعة، أو كتابة إجابات تبدو ناضجة؛ إلا أن هذه المخرجات في واقع الأمر خلقت فجوة كبيرة بين أداء المهمة واكتساب المهارة المفترض نقلها للطلاب خلال أداء تلك الأدوات لهذه المهمة. وتتصاعد هذه الأزمة بصورة كبيرة مع الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي؛ الأمر الذي خلق معضلة حقيقية أمام المؤسسات التعليمية في العالم كله. وهي الظاهرة التي أطلق عليها مؤخراً False Mastery، وهم التعلم أو وهم الإتقان، ويشير هذا المفهوم إلى شعور الفرد بأنه تمكن من إتقان المهارة بسبب الناتج المقنع الذي وصل له من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي، بينما في الحقيقة لم تتكوّن لديه البنية المعرفية التي تسمح له بإعادة إنتاج المهارة أو النقل أو الاستدلال؛ إذا غابت تلك الأدوات.
هذا التحدي الجديد والمتنامي كان محور اهتمام التقرير الأخير الذي أصدرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في يناير 2026، حول توقعات المنظمة للتعليم في العام الجاري. ويلقي هذا التحليل الضوء على أهم النتائج التي وصل لها التقرير، بالإضافة إلى أهم المفاهيم والاتجاهات المطروحة في هذه الظاهرة بوجه عام كما رصدتها الدراسات الاستقصائية الأخرى.
الإنجاز على حساب التعلم؟
تشير نتائج استطلاعات الرأي إلى تصاعد الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي العام (غير المتخصص في الأغراض التعليمية) لأغراض أكاديمية تتركز معظمها في التسهيل وإنهاء الأعباء الأكاديمية، مثل إنجاز المهام المدرسية. فعبر الدول الأوروبية السبع التي شملها استطلاع الرأي، كانت أكثر استخدامات الذكاء الاصطناعي في التعلم خارج المدرسة هي الحصول على المعلومات (56%) وفهم المصطلحات والمفاهيم (45%). وأفاد ما يقرب من ثلث المشاركين (31%) باستخدام الذكاء الاصطناعي لتقديم حلول كاملة للمهام، بينما استخدمه عدد أقل (20%) لأغراض التنظيم الذاتي، مثل وضع خطط تعلم شخصية أو تتبع التقدم.
ووفقاً للعديد من الدراسات؛ ينتج الطلاب الذين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي العامة مخرجات ذات جودة أعلى من أقرانهم، إلا أن هذه الميزة تتلاشى – بل وتنعكس- أثناء الاختبارات والامتحانات عند حجب تلك الأدوات.
تظهر النتائج السابقة حجم الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية، وتصاعد الاتجاه نحو الاعتماد المفرط، فبينما يعتمد عليه أكثر من نصف الطلاب في أوروبا في الحصول على المعلومات والشرح يعتمد عليه ثلث الطلاب اعتماداً كاملاً في إنجاز المهام بصورة كاملة. وهو الأمر الذي يؤدي إلى نتائج تتناقض تماماً مع أهداف العملية التعليمية ومخرجاتها المتوقعة؛ حيث يؤدي ذلك إلى ما يعرف بالخمول ما وراء المعرفي (Metacognitive laziness) والذي يعني الانسحاب التدريجي من الجهد الذهني اللازم لبناء المهارة. فبينما يتمكن الطلاب من رفع معدلات إنجازهم؛ فإنهم يتسببون في واقع الأمر في هبوط مهاراتهم العلمية والمعرفية الفعلية. ولا يختلف الأمر كثيراً في المنطقة العربية، حيث يتصاعد الجدل في الدوائر التعليمية حول هذا التحدي الجديد وتتصاعد المخاوف من المستوى التعليمي الفعلي الذي سيكون عليه الجيل التالي من الطلاب والشباب في ظل تراجع ملحوظ في مستواهم العلمي وارتفاع مناقض في درجاتهم؛ بفضل ارتفاع أدائهم في إنجاز المهام المطلوب منهم تسليمها ضمن عمليات التقييم التعليمية.
معضلة التفريغ المعرفي:
أعاد الجدل حول تأثيرات أدوات الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية الأنظار إلى مفهوم التفريغ المعرفي (Cognitive Offloading). وهو يعني في أبسط تعريفاته: تفويض المهام الذهنية للأدوات بدل القيام بها ذاتياً. وعلى الرغم من أن مفهوم التفريغ هو مفهوم اقتصادي يشير إلى سلوك طبيعي عندما تصبح المهمة صعبة أو عندما تتوفر أدوات منخفضة الكلفة وسريعة العائد، واقترانه بالمهارات المعرفية مع زيادة الاعتماد على التكنولوجيا في أداء بعض المهام المعرفية مثل الحفظ والحسابات وغيرها؛ فإن هذا المفهوم لم يكن على نفس القدر من الأهمية في أي مرحلة سابقة مثلما هو الآن؛ حيث أشارت عدة أوراق بحثية إلى ارتفاع كبير في درجة التفويض المعرفي التي أصبح يمارسها الأفراد مع أدوات الذكاء الاصطناعي، ليس هذا فحسب؛ بل أشارت دراسة ميدانية اعتمدت على إجراء أدوات تجريبية واستطلاعات رأي على عينة من الطلاب (نشرت 2025) إلى تراجع كبير في نسبة التفكير النقدي مع زيادة التفريغ المعرفي. وبذلك يتجاوز التفريغ المعرفي فكرة الراحة أو الاعتماد الرشيد على الأدوات لاستغلال الوقت في الوصول لمعدلات إنتاج أعلى؛ إلى تراجع القدرات المعرفية الأساسية للفرد وأهمها الاستدلال المنطقي وكشف التحيز والتقييم النقدي.
وعودة إلى تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يتحدث التقرير عن نتيجة مماثلة؛ حيث يشير إلى أن التعلم يرتكز بالأساس على ما يعرف في علم النفس المعرفي بمفهوم “المعالجة التوليدية” أي أن ينتج المتعلم بنفسه الروابط والمعاني والتبريرات، وقد أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي هو من يقوم بهذه العمليات، ويحصل المتعلم فقط على إجابة محكمة دون المرور بالتجريب والأخطاء وإعادة الصياغة التي تبني عملية الفهم وجوهر عملية التعلم؛ ومن ثم إذا استمر الحال على الوتيرة الحالية ستتحول العملية التعليمية إلى وهم.
سلطة المعرفة الزائفة:
ينتشر مع زيادة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي ما يعرف بانحياز الاعتماد؛ بحيث يثق الأفراد ثقة تامة في النتائج الصادرة من الآلة، ويتضمن ذلك نوعان من الأخطاء الشائعة أشارت إليهما بعض الدراسات، وهما خطأ الإغفال omission errors والذي يعني فشل الفرد في اتخاذ قرار صحيح أو اختيار صحيح لأن الأداة لم تذكره، وخطأ الإضافة أو التصديق commission errors ويقصد به اتخاذ أو تصديق توصية الأداة حتى إن كانت مخطئة. وفي واقع الأمر لا تُعد مشكلة الانحياز إلى الآلة بالأمر الجديد؛ بل إن كثيراً من الدراسات البينية أشارت إلى هذه الظواهر المقترنة بالتكنولوجيا، غير أن تفاعل الأفراد مع الذكاء الاصطناعي تجاوز ذلك. فبفضل طلاقة اللغة وتماسك الصياغة؛ تمنح النتائج الصادرة عن الذكاء الاصطناعي إشارات جودة قوية تفسر بأنها صحة معرفية مطلقة، فتزيد ثقة الأفراد بها حتى في ظل وجود احتمالات الهلوسة أو الأخطاء؛ وهو الأمر الذي يرسخ “انحياز الاعتماد”، ويزيد من سلطة الذكاء الاصطناعي المعرفية على الأفراد بصورة غير مسبوقة مع أي تكنولوجيا سابقة، فبعدما كان المتعلم ينتج ويقيم المعرفة تحول إلى متسلم (receiver) للمعرفة؛ وهو سلوك يولد وهماً ظاهرياً بالإتقان، لا إتقاناً معرفياً حقيقياً.
قد يبدو أن أفضل تعليم هو الذي يجعل كل شيء سهلاً، لكن لا تتفق أسس التعليم مع هذا الاتجاه، فبعض الصعوبات مرغوبة؛ لأنها تعمّق الترميز في الذاكرة وتحسن القدرة على النقل والاسترجاع؛ وهو ما تؤكده دراسة “الصعوبة المرغوبة” (Desirable Difficulties) للباحث باجورك، حيث تشير الدراسة إلى أن الجهد المنظم في التعلم (الاستنتاج، الاسترجاع، التباعد، التبديل بين الأمثلة) قد يبطئ الأداء الآن – حيث إنها عمليات تتطلب جهداً ووقتاً من المتعلم- إلا أنه يحسن التعلم طويل المدى؛ ومن ثم فإذا كان دور الذكاء الاصطناعي هو إزالة الصعوبة بالكامل أمام الطلاب؛ فإنه أزال معها أيضاً العمليات التي تصنع التعلم.
الاشتباك مع الواقع الجديد:
على الرغم من المخاطر التي يرصدها التقرير وغيره من الدراسات التجريبية الأخرى في هذا المجال؛ فإن هذا لا يعني الدعوة إلى العودة للخلف وترك الذكاء الاصطناعي؛ بل إن انتقاد الذكاء الاصطناعي والتركيز على مخاطره هو عدم إدراك لمدى توغل أدواته في المجتمعات البشرية على كافة المستويات، وأي حديث لا يأخذ هذا الواقع في اعتباره هو تبديد للوقت والجهد. فلا خيار أمام المتخصصين سوى الاشتباك مع الواقع الجديد وترشيده وتقديم مسارات في إطاره تحسن في هذه الحالة أداء الأفراد والطلاب والمستخدمين بصفة عامة دون التضحية بقدراتهم المعرفية ومهاراتهم النقدية.
في هذا الإطار يُعرف تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية “المهارات الهجينة” بأنها كفاءات أو مهارات العمل مع الذكاء الاصطناعي وليست استبدالاً للعقل البشري، وتتضمن خمسة أبعاد رئيسية: (1) انخراط استراتيجي مع الذكاء الاصطناعي، من خلال هندسة أوامر تحليلية وليست سطحية، واختيار الأداة الملائمة والقدرة على ترك الأداة غير الملائمة والقدرة على تعديل الأوامر. (2) التقييم النقدي والتحقق: من خلال ممارسة الشك المعرفي بصورة منظمة ودائمة تجاه المحتوى المولد، بما يتضمنه من التدقيق في المعلومات والبيانات والكشف عن الانحيازات وتقييم موثوقية المصادر والمعلومات وإصدار حكم واعٍ حول جودة المحتوى من المنظور المعرفي وليس الشكلي فقط. (3) المشاركة الإبداعية والتركيب المعرفي: من خلال استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي كشريك لتوليد بدائل، واستكشاف فرضيات مضادة، وتوسيع زوايا النظر، ثم دمج ما يولّده الذكاء الاصطناعي مع معرفة المتعلم لإنتاج عمل شامل من مجموع الأجزاء المعرفية. (4) الوعي ما وراء المعرفي والتنظيم الذاتي: مراقبة أثر استخدام الذكاء الاصطناعي على التعلم، والانتباه لبدايات “الاعتماد الزائد/الكسل ما وراء المعرفي”، واتخاذ قرارات واعية: متى أفوّض للآلة ومتى أتمسّك بالتفكير المجهِد من أجل التعلم وبناء المهارة. (5) الاستخدام الأخلاقي والمسؤول: فهم قضايا الخصوصية، والنزاهة الأكاديمية، والإسناد/الإحالة المناسبة لمساهمة الذكاء الاصطناعي، والوعي بالآثار المجتمعية لاستخدام هذه التقنيات.
ختاماً، أحدث الذكاء الاصطناعي إرباكاً أمام المؤسسات التعليمية التي تستهدف إتمام عمليات التعلم لطلابها؛ حيث شكل الاعتماد المفرط على أدوات الذكاء الاصطناعي تحديات كبيرة خاصة أمام العمليات التقليدية لتقييم مدى تعلم الأفراد وقياس قدراتهم الفعلية؛ وهو الأمر الذي يتطلب إعادة النظر في مفهوم وأدوات التعليم المؤسسي، وإدماج الذكاء الاصطناعي في البيئة التعليمية في أسرع وقت ممكن لاستيعاب المتغيرات الجديدة دون التضحية بعقول وقدرات الأجيال الحالية.
” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.