انقسام بنيوي: لماذا امتنعت واشنطن وبكين عن التوقيع على إعلان “لاكورونيا”؟

الرئيسية مقالات
مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة
انقسام بنيوي: لماذا امتنعت واشنطن وبكين عن التوقيع على إعلان “لاكورونيا”؟

 

انقسام بنيوي: لماذا امتنعت واشنطن وبكين عن التوقيع على إعلان “لاكورونيا”؟

 

 

 

 

 

وقَّعت 35 دولة، في 5 فبراير 2026، على “الإعلان المشترك” الذي تضمن مبادئ حاكمة للتطبيقات الذكية العسكرية، وذلك من أصل 85 دولة شاركت في قمة “الذكاء الاصطناعي المسؤول عسكرياً”، التي استضافتها إسبانيا.

بينما امتنعت الولايات المتحدة والصين عن التوقيع على هذا الإعلان؛ الأمر الذي عكس انقساماً عالمياً بشأن الاستخدامات العسكرية للتكنولوجيا الحديثة؛ وهو ما يُثير العديد من التساؤلات بشأن تداعيات امتناع واشنطن وبكين عن التوقيع على هذا الإعلان فيما يتعلق بمستقبل التنافس الدولي بينهما.

إعلان مُشترك:

في ظل التسارع غير المسبوق في توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات العسكرية، تتزايد المخاوف الدولية من تداعيات الاستخدام غير المنضبط لهذه التقنيات على الاستقرار الاستراتيجي والسلم العالمي.

فبينما تَعِد تطبيقات الذكاء الاصطناعي بزيادة الكفاءة والدقة في العمليات العسكرية؛ فإنها في المقابل تطرح إشكاليات قانونية وأخلاقية معقدة تتعلق بالمسؤولية البشرية، وسلاسل القيادة، واحتمالات التصعيد غير المقصود.

وفي هذا السياق، برزت القمة الثالثة لمبادرة “الذكاء الاصطناعي المسؤول عسكرياً” (REAIM) التي استضافتها مدينة لاكورونيا، بوصفها محطة جديدة في مسار بلورة مقاربة جماعية لضبط توظيف الذكاء الاصطناعي عسكرياً. وقد عكست القمة توجّهاً دولياً مُتنامياً للانتقال من مجرد طرح مبادئ عامة إلى محاولة تعزيز الأطر التطبيقية، رغم استمرار التباينات بين القوى الكبرى، غير أن القمة أفرزت مجموعة من الملامح التي يمكن تناولها كما يلي:

  1. تحرك دولي: استضافت مدينة “لاكورونيا” الإسبانية، في مطلع فبراير 2026، القمة الثالثة حول مبادرة “الذكاء الاصطناعي المسؤول عسكرياً” (REAIM)، بمشاركة 85 دولة؛ لبحث كيفية تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، بما يعزز السلم والأمن الدولييْن، وتجنب المخاطر الناجمة عن الاستخدام غير المسؤول لأدوات الذكاء الاصطناعي.

وتأتي النسخة الثالثة من القمة بعد انعقاد قمتين سابقتين؛ حيث انعقدت الأولى في لاهاي عام 2023، في حين انعقدت الثانية في سيول عام 2024، وقد شهدت الأخيرة إطلاق “خطة عمل” غير ملزمة بشأن تنظيم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، والتي أيدتها آنذاك 61 دولة، بما في ذلك الولايات المتحدة، باستثناء الصين التي لم توقع على هذه الخطة.

  1. إطار أكثر إلزاماً: على الرغم من افتقار الإعلان المشترك للقمة الثالثة للقوة القانونية الملزمة؛ فإن الدول أبدت عدم ارتياح لفكرة وجود التزامات سياسية أكثر تحديداً في هذا الإعلان بخلاف خطة العمل السابقة. في المقابل، تم تصميم الإعلان المشترك، الذي انبثق عن القمة الثالثة في فبراير 2026، للتركيز على تطبيق المبادئ القانونية والسياسية بدلاً من الاكتفاء بوضع أطر عمل عامة جديدة.
  2. المبادئ الـ20 للإعلان المشترك: تمخضت القمة الثالثة لمبادرة “الذكاء الاصطناعي المسؤول عسكرياً”، والتي انعقدت في مدينة “لاكورونيا” الإسبانية كما سبقت الإشارة، عن توقيع 35 دولة على الإعلان المشترك، والذي ينطوي على 20 بنداً بشأن الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، مقسمة على ثلاثة مجالات رئيسة: تتمثل في تأثير الذكاء الاصطناعي في السلم والأمن الدوليين؛ وتنفيذ الذكاء الاصطناعي المسؤول في المجال العسكري؛ وبلورة أطر جديدة للحوكمة المستقبلية.

وفي هذا السياق، أكدت البنود الـ20 للإعلان المشترك ضرورة تبادل المعلومات حول ترتيبات الرقابة على التكنولوجيا بالشكل الذي يتوافق مع الأمن الوطني للأطراف. كما تضمنت هذه المبادئ تأكيد المسؤولية البشرية في استعمال الأسلحة المدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وضمان سلاسل قيادة وتحكم واضحة، مع إجراء تقييم للمخاطر وتدريب الأفراد الذين يشغلون نظم الذكاء الاصطناعي في الجيوش.

  1. غياب أمريكي– صيني: رغم توقيع عدة دولة أوروبية، بما في ذلك ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وهولندا، بالإضافة إلى اليابان وكوريا الجنوبية وكندا، على الإعلان المشترك بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري؛ فإن غياب الولايات المتحدة والصين عن هذا الإعلان ورفضهما التوقيع عليه أثار العديد من الشكوك بشأن مدى فاعلية هذه المبادرة. وفي حين ترى واشنطن هذا الإعلان بمثابة قيد على هيمنتها العسكرية؛ تعتبره الصين محاولة لتكريس الهيمنة الغربية على مستقبل التكنولوجيا.

دلالات مُهمَّة:

جاء انعقاد القمة الثالثة لمبادرة (REAIM) في إطار نزاعات دولية نشطة حالياً، تستخدم فيها تقنيات الذكاء الاصطناعي في ساحات معارك حقيقية، فضلاً عن إحراز بعض القوى الدولية، ولا سيما الصين، تقدماً كبيراً في تطوير قدرات الاستدلال بالذكاء الاصطناعي. وفي هذا السياق، عكس الإعلان المشترك بشأن الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في المجال العسكري جملة من الدلالات المهمة، المرتبطة بسياقات هذا الإعلان، ومبررات رفض الولايات المتحدة والصين التوقيع عليه، وهو ما يمكن عرضه على النحو التالي:

  1. سباق الهيمنة: تعكس خريطة التنافس الدولي الراهن على الذكاء الاصطناعي مؤشرات واضحة على تقدم صيني في توظيف هذه التكنولوجيا عسكرياً، رغم احتفاظ الولايات المتحدة بأهم أدوات الحوسبة المتقدمة وهيمنتها على أكثر الرقائق الإلكترونية تطوراً. ويكشف هذا الواقع عن تباين بنيوي في المقاربتيْن الأمريكية والصينية؛ إذ تميل واشنطن إلى التركيز على تحقيق طفرات نوعية تقود نحو الذكاء الخارق (Superintelligence)؛ مستندة إلى تفوقها في البنية التحتية للحوسبة والقدرات الخوارزمية المتقدمة. في المقابل، تعتمد بكين مقاربة براغماتية قائمة على تسريع التوظيف التطبيقي للذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، بما في ذلك المجال العسكري، مع التركيز على الدمج العملياتي والتكامل بين الابتكار المدني والمؤسسة الدفاعية.

وتُشير بعض التقديرات الأمريكية إلى تفوق الصين من حيث الكم الإنتاجي في القطاع العسكري، حيث سُجل منذ عام 2022 أكثر من 930 براءة اختراع لمؤسسات صينية مرتبطة بالصناعات الدفاعية، مقابل نحو 60 براءة اختراع أمريكية خلال الفترة ذاتها. هذا الفارق يثير مخاوف واشنطن من قدرة بكين على الجمع بين الإنتاج واسع النطاق وقدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة؛ ما قد يعزز ميزان القوة العسكري لصالحها. ورغم إصدار البلدين بياناً مشتركاً، في نوفمبر 2024، بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي النووية، وتأكيد ضرورة الإبقاء على السيطرة البشرية؛ فإن سباق التسلح التكنولوجي لا يزال يمثل الإطار الحاكم للتفاعلات بينهما. وهو ما انعكس في زيادة ميزانية الذكاء الاصطناعي لوزارة الدفاع الأمريكية بقيمة 415 مليون دولار في عام 2026؛ وهي زيادة قدرها 21.7% عن السنة المالية 2025.

  1. سياقات مُضطربة: ربطت بعض التقارير رفض الولايات المتحدة والصين التوقيع على الإعلان المشترك بشأن الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، وكذلك قلة عدد الدول الموقعة على الإعلان، بالتوترات المتزايدة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، وحالة عدم اليقين التي باتت تسيطر على شكل العلاقات عبر الأطلسي خلال الفترة الحالية.

وفي الوقت ذاته، تتزايد المخاوف الدولية من الارتدادات المحتملة للتطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما قد يتجاوز اللوائح المنظمة لتطبيقاته العسكرية؛ الأمر الذي يزيد من احتمالات سوء التقدير أو التصعيد غير المقصود. ومن هذا المنطلق، باتت الدول تجد نفسها عالقة بين حاجتها لفرض قيود مسؤولة على الاستخدامات العسكرية للذكاء الاصطناعي، وفي الوقت ذاته، عدم رغبتها في تقييد نفسها مقارنة بالخصوم والمنافسين؛ ما جعل كثيراً من الدول تنظر لهذا الإعلان ببعض الريبة.

  1. الولايات المتحدة من القيادة إلى التحفظ: بخلاف القمتيْن السابقتيْن في لاهاي وسيول، لم تبادر الولايات المتحدة لقيادة المناقشات في القمة الثالثة لـ(REAIM)، رغم كونها أحد المؤسسين لهذه المبادرة خلال إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن. وبينما وقَّعت واشنطن على خطة العمل لعام 2024، فإنها رفضت التوقيع على الإعلان المشترك في فبراير 2026؛ وهو ما شكَّل تحولاً ملحوظاً في السياسة الأمريكية في ظل الإدارة الحالية للرئيس دونالد ترامب.

وعلى الرغم من محاولة التنصل الأمريكية من الالتزام بأي إعلانات أو خطط؛ فإن الإدارة الأمريكية تبدي مخاوف حقيقية من توظيف الذكاء الاصطناعي عسكرياً؛ وهو ما انعكس في تصريحات نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، الذي حضر القمة الثالثة، وعبر عن مخاوف بلاده من أن “التنظيم المفرط لاستخدامات الذكاء الاصطناعي قد يعوق الابتكار”.

  1. الصين والمخاوف من القيود: رغم مشاركة الصين في القمم الثلاث لمبادرة (REAIM)؛ فإنها دأبت على تجنب التوقيع على الإعلانات الختامية؛ وهو ما يُعزى إلى قلق بكين من تقديم التزامات محددة قد تحد من توظيفها للذكاء الاصطناعي في المجال العسكري.

في المقابل، تتبنى بكين “مبادرة عالمية لحوكمة الذكاء الاصطناعي” (Global Initiative for AI Governance)، باعتبارها الإطار المفضل للتعاون الدولي في هذا المجال. وفيما يتعلق بإعلان القمة الثالثة، كانت أبرز نقاط الاعتراض الصيني هي البند الخاص بالحفاظ على السيطرة البشرية على قرارات الأسلحة النووية؛ وهو ما يمكن ربطه بتعليق محادثات الحد من التسليح النووي بين الولايات المتحدة والصين؛ إذ لا تزال فكرة “الضمانات النووية” هي نقطة الخلاف الرئيسة بين البلدين؛ حيث تبدي بكين تردداً كبيراً في التوقيع على النصوص التي تفرض سيطرة بشرية على الأسلحة النووية.

انعكاسات مُحتملة:

باتت تطبيقات الذكاء الاصطناعي تستخدم في العديد من المجالات العسكرية، بما في ذلك الأنظمة غير المأهولة وجمع المعلومات وتحليلها، والمساعدة على اتخاذ القرارات، ناهيك عن العمليات السيبرانية والحملات الدعائية؛ الأمر الذي فرض ضرورة التوصل لضوابط دولية لهذه الاستخدامات. وفي هذا السياق، يتوقع أن تتمخض القمة الثالثة لمبادرة (REAIM) عن جملة من الانعكاسات المحتملة، يمكن عرضها على النحو التالي:

  1. مزيد من الزخم الدولي: يتوقع أن تمهد القمة الثالثة لـ(REAIM) للفت أنظار المجتمع الدولي للمضي قدماً في تأطير الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي بالمجال العسكري، ويتماشى ذلك مع القرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي طالب الدول بإجراء مشاورات غير رسمية حول هذا الموضوع تمهيداً لعقد قمة في جنيف، في يونيو 2026، على أن تهدف إلى تشكيل فريق عمل دولي خاص بالاستخدامات العسكرية للذكاء الاصطناعي، وذلك في إطار توصيات الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بشأن إنشاء إطار شامل لمعالجة قضية الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري.

وربما تدعم هذا الطرح دعوة العديد من المنظمات الدولية غير الحكومية، بما في ذلك تحالف “أوقفوا الروبوتات القاتلة” (Stop Killer Robots coalition)، إلى إبرام اتفاقية دولية ملزمة قانونياً، بدلاً من المبادئ العامة التوجيهية؛ بغية تنظيم هذا المجال العسكري التكنولوجي.

  1. فاعلية دولية: سيؤدي غياب الولايات المتحدة والصين عن أي توافقات دولية تتعلق بالاستخدام العسكري لتقنيات الذكاء الاصطناعي إلى محدودية فاعلية الجهود الدولية في هذا المجال؛ ومن ثم سيصبح وضع معايير دولية ملزمة وشاملة للذكاء الاصطناعي العسكري صعباً بشكل متزايد، في ظل تزايد حدة المنافسة الاستراتيجية والتقدم المطرد في القدرات التكنولوجية. وحتى حال أفضت التحركات الدولية والأممية للتوصل لاتفاقية ملزمة تنظم الاستخدامات العسكرية لأدوات الذكاء الاصطناعي، فمن غير المتوقع انضمام الولايات المتحدة والصين لهذه الاتفاقية؛ وهو ما سيقوض فاعليتها.
  2. سباق تسلح جديد: يرجح أن يؤدي التباين بين القوى الدولية بشأن إدارة الذكاء الاصطناعي العسكري إلى منافسة استراتيجية أوسع في تكنولوجيا الدفاع، خاصة في ظل اتجاه الولايات المتحدة والصين للاستثمار بكثافة في قدرات الذكاء الاصطناعي، ولا سيما في المجال العسكري؛ إذ بات ينظر للهيمنة على هذا المجال كمحدد رئيس لتحقيق التفوق العسكري. وبناءً عليه، تُشير العديد من التقارير إلى أن الفترة المقبلة ستشهد سباق تسلح جديد بين القوى الدولية الكبرى؛ ستمثل قدرات الذكاء الاصطناعي العامل الحاسم فيها.

وفي التقدير، تكشف مخرجات القمة الثالثة لمبادرة الذكاء الاصطناعي المسؤول عسكرياً (REAIM) عن مرحلة انتقالية دقيقة في مسار حوكمة الاستخدامات العسكرية للذكاء الاصطناعي. فعلى الرغم من توقيع 35 دولة على الإعلان المشترك المتضمن 20 مبدأً تنظيمياً؛ فإن امتناع الولايات المتحدة والصين عن التوقيع عكس انقساماً بنيوياً في النظام الدولي، وأبرز حدود المبادرات الطوعية في ظل احتدام المنافسة الاستراتيجية بين القوتين.

ويأتي ذلك في سياق تصاعد الاعتماد الفعلي على تقنيات الذكاء الاصطناعي في ساحات القتال، وتنامي المخاوف من تداعياتها على الاستقرار الدولي، ولا سيما فيما يتعلق بأنظمة الأسلحة النووية وسلاسل القيادة والتحكم. وفي ظل هذا الواقع، تبدو الجهود الأممية الرامية إلى بلورة إطار دولي أكثر شمولاً خطوة مهمة؛ لكنها تظل رهينة بمدى انخراط القوى الكبرى. وعليه، فإن مُستقبل تنظيم الذكاء الاصطناعي العسكري سيظل مرتبطاً بتوازن دقيق بين ضرورات الضبط الدولي ومتطلبات التنافس الجيوسياسي؛ ما يرجح استمرار سباق التسلح التكنولوجي على المدى المنظور.


اترك تعليقاً