سيناريوهات خطرة: هل يتصاعد السباق النووي العالمي بعد انتهاء “نيو ستارت”؟

الرئيسية مقالات
د. أيمن سمير خبير في العلاقات الدولية
سيناريوهات خطرة: هل يتصاعد السباق النووي العالمي بعد انتهاء “نيو ستارت”؟

 

سيناريوهات خطرة: هل يتصاعد السباق النووي العالمي بعد انتهاء “نيو ستارت”؟

 

 

 

ربما يحتاج عالم اليوم، أكثر من أي وقت مضى، للرجوع إلى حكمة الرئيس الأمريكي الراحل هاري ترومان عندما قال: “لا يمكننا أن ننعم بسلام دائم ما لم يتم القضاء على مسببات الحروب، فالاستقرار العالمي ليس صدقة نقدمها للآخرين، بل هو تأمين على حياتنا نحن”. وجاء انتهاء العمل بمعاهدة “نيو ستارت” في 5 فبراير 2026 ليجعل البشرية، لأول مرة منذ أكثر من 50 عاماً، من دون قيود على استخدامات الأسلحة النووية. وهي المعاهدة التي تعمل على الحد من الأسلحة الاستراتيجية، والمعروفة اختصاراً باسم “ستارت” (Strategic Arms Reduction Treaty).

وفي هذا الإطار، تُثار تساؤلات من قبيل: ما خطورة وقف العمل بمعاهدة “نيو ستارت”؟ وهل من مساحة مشتركة يمكن أن تعيد طرفي المعاهدة الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا إلى “نيو ستارت”؟ وما السيناريوهات الرئيسية التي تنتظر العالم عقب انتهاء هذه المعاهدة؟

أهمية “نيو ستارت”:

تعود أهمية معاهدة “نيو ستارت”، التي جرى توقيعها في براغ التشيكية في إبريل عام 2010، ودخلت حيز التنفيذ في 5 فبراير 2011؛ إلى أنها كانت آخر الأركان القانونية وحجر الزاوية في الرقابة على التسلح النووي بين الولايات المتحدة وروسيا، وذلك عندما منعت “نيو ستارت” واشنطن وموسكو من نشر أكثر من 1550 رأساً نووياً لأي من البلدين، وقيّدت المعاهدة عدد منصات إطلاق الصواريخ البالستية العابرة للقارات، والصواريخ البالستية التي تُطلق من الغواصات، والقاذفات الثقيلة الحاملة للأسلحة النووية بما لا يتجاوز 800 منصة إطلاق لكل من واشنطن وموسكو.

لكن الأهم من كل ذلك أن “نيو ستارت” وضعت نظاماً صارماً، وآلية عملية ودقيقة للرقابة وبناء الثقة عبر 18 عملية تفتيش متبادلة على مدار العام، ناهيك عن أن المعاهدة نصت بوضوح كامل على تبادل البيانات والإخطارات لضمان الشفافية والثقة، والالتزام الكامل بنصوص الاتفاقية من جانب الطرفين.

وعلى الرغم من أن الفترة الزمنية للمعاهدة، التي وقّعها الرئيس الأمريكي الأسبق، باراك أوباما، ونظيره الروسي آنذاك، دميتري ميدفيديف، هي 10 سنوات؛ فإن الخلافات دفعت البيت الأبيض والكرملين في عام 2021 إلى تجديد المعاهدة لمدة 5 سنوات فقط؛ لتنتهي في 5 فبراير 2026. واقترح الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في 22 سبتمبر الماضي تمديد المعاهدة بذات الشروط لمدة عام واحد لحين الاتفاق على شروط التمديد الجديدة. وحتى بعد انتهاء المعاهدة، قالت موسكو إنها لن تقوم بتجارب نووية إذا التزمت الولايات المتحدة بعدم إجراء تجارب نووية جديدة.

وترفض الولايات المتحدة تجديد المعاهدة بالشروط السابقة، وتدعو إلى تحول “نيو ستارت” من “الطابع الثنائي” الذي يجمع فقط واشنطن وموسكو، إلى “الإطار المتعدد” الذي يشمل أكبر عدد من القوى النووية في العالم. ويسعى البيت الأبيض إلى ضم الصين إلى المعاهدة، باعتبارها الأكثر نمواً في إنتاج الأسلحة النووية، وفق تصريحات وزير الخارجية الأمريكي، مارك روبيو. وثمة تُهم أمريكية أخرى لبكين بأنها أجرت بالفعل خلال الفترة الماضية تفجيرات نووية ضخمة تحت الأرض؛ ولهذا بات الفريق الأمريكي المسؤول عن الأسلحة النووية لا يرفض فقط تجديد “نيو ستارت”، بل يدعو الولايات المتحدة إلى استئناف التجارب النووية، وفق ما قاله وكيل وزارة الخارجية الأمريكية لشؤون الحد من التسلح والأمن الدولي، توماس دي نانو؛ والذي لم يكتف بذلك، بل طالب بنشر مزيد من الأسلحة النووية في أوروبا وآسيا لمواجهة كل من الصين وروسيا.

في المقابل، تطالب روسيا بدخول نحو 290 سلاحاً نووياً فرنسياً و225 رأساً نووياً بريطانياً ضمن أي توسعة مستقبلية لأطراف “نيو ستارت”.

تاريخ ممتد:

في عام 1972، وقّع الزعيم السوفيتي، ليونيد بريجنيف، مع الرئيس الأمريكي آنذاك، ريتشارد نيكسون، اتفاقية “سالت 1″؛ والتي فرضت تجميد الوضع النووي لطرفي الحرب الباردة. وبعد 7 سنوات، وتحديداً في عام 1979، وقّع الاتحاد السوفيتي السابق والولايات المتحدة على “سالت 2”. وعلى الرغم من عدم موافقة الكونغرس الأمريكي عليها بسبب احتلال الاتحاد السوفيتي وقتها لأفغانستان، فإن موسكو وواشنطن التزمتا بها طواعية.

ومع نهاية الحرب الباردة، توصلت واشنطن وموسكو إلى معاهدة “ستارت 1” في عام 1991، والتي ألزمت الطرفين بخفض رؤوسهما النووية إلى 6000 رأس نووي لكل طرف. لكن الأهم أن هذه المعاهدة نجحت في التخلص من نحو 80% من الأسلحة الاستراتيجية التي كانت موجودة آنذاك. وفي عام 1993، سعت معاهدة “ستارت 2” إلى تخفيض عدد الرؤوس النووية لدى روسيا والولايات المتحدة إلى 3500 رأس نووي، مع التخلص الكامل من كل الصواريخ ذات الرؤوس المتعددة.

وتوصل الرئيس الروسي، بوتين، والرئيس الأمريكي الأسبق، جورج بوش الابن، في عام 2002، إلى معاهدة “سورت”. وكانت تُلزم بأن يمتلك أي من الطرفين ما بين 1700 إلى 2200 رأس نووي. وكل ذلك كان تمهيداً ضرورياً للتوصل إلى “نيو ستارت” في عام 2010.

مخاطر الانهيار:

يهدد الخروج من معاهدة “نيو ستارت” بإطلاق سباق تسلح نووي، وتهديد الاستقرار الاستراتيجي العالمي الذي ظل قائماً حتى في زمن الحرب الباردة. وتتجلى المخاطر، حال عدم العودة السريعة إلى “نيو ستارت”، في عدد من التحديات، وهي كالتالي:

1- القناعات الخاطئة: يفتح الخروج من “نيو ستارت” الباب أمام القناعات الخاطئة لدى كل طرف عن الأطراف النووية الأخرى؛ لأنه بموجب هذه المعاهدة كان هناك تفتيش متبادل على الرؤوس النووية الأمريكية والروسية المنتشرة في “المثلث النووي”، حيث كانت فرق التفتيش تقوم بزيارة إلى الطرف الآخر كل 3 أسابيع، وبمعدل 18 مرة سنوياً. لكن الآن، بعد الانسحاب من “نيو ستارت”، هناك شكوك متباينة بأن كل طرف يستعد لإجراء تجارب وتفجيرات نووية بعيداً عن أنظار الطرف الآخر؛ وهو ما يزيد من الشكوك وعدم الثقة التي يمكن أن تقود إلى أخطاء في التقديرات والحسابات النووية، بما يعرض أمن البشرية للخطر النووي. ومن يراجع السنوات الـ15 الأخيرة يتأكد أن “نيو ستارت” نجحت بالفعل في إلزام الطرفين بتبادل المعلومات حول الأسلحة النووية بعيدة المدى، وفرض رقابة صارمة بشكل تبادلي يمنع زيادة الرؤوس النووية.

2- خلل التخارج: قد يخلق انهيار المعاهدة خللاً كبيراً في ميزان الأسلحة النووية. فعلى الرغم من أن طابع المعاهدة ثنائي؛ فإنه عملياً كان يضم 290 سلاحاً نووياً فرنسياً، و225 رأساً نووياً بريطانياً؛ لأن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا أعضاء في حلف شمال الأطلسي “الناتو”، وينسقون جميع الأعمال الدفاعية معاً. كما أن الجزء الأكبر من الأسلحة النووية الأمريكية خارج الأراضي الأمريكية ينتشر في قواعد أوروبية؛ حيث أشارت الجمعية البرلمانية للناتو إلى أن الولايات المتحدة تنشر نحو 150 قنبلة نووية في 5 دول أوروبية، هي: تركيا بقاعدة “إنجرليك” الجوية، وألمانيا بقاعدة “بوشل”، وإيطاليا بقاعدتي “أفيانو” و”غيدي”، وبلجيكا بقاعدة “كلاين بروجل”، وهولندا بقاعدة “فولكل”.

وكل ذلك يؤكد أن الانسحاب من “نيو ستارت” ربما يسبب خللاً كبيراً، حيث تستطيع الولايات المتحدة نشر مزيد من الأسلحة النووية في أوروبا، مقابل نشر روسيا مزيداً من الصواريخ والغواصات والقاذفات التي تحمل أسلحة نووية تكتيكية في الجزء الغربي والشمالي من روسيا. وهو ما يعني بدء سباق تسلح ضمني من طرفي “نيو ستارت”.

3- رسالة خاطئة: يرسل عدم تجديد “نيو ستارت” أو عدم الاتفاق على معاهدة جديدة، رسالة سلبية وخاطئة للدول الأخرى السبع في “النادي النووي” بأنها يمكن أن تتوسع في إنتاج ونشر الرؤوس النووية؛ لأن تقييد الترسانة النووية لأكبر دولتين نوويتين قبل 5 فبراير الجاري كان يعني لجميع دول العالم أنه لا معنى للتوسع في امتلاك السلاح النووي. والآن بدأت تتعالى الأصوات القومية التي تنادي بعدم التخلف عن الآخرين في امتلاك الأسلحة النووية؛ فجميع الدول النووية سوف تتصرف من دون قيود. وقد يقود هذا إلى زيادة عدد الرؤوس النووية لدى الدول الأخرى، بل يمكن أن يشجع الدول غير النووية على التفكير في الدخول إلى النادي النووي. وكل ذلك لا يصب في أهداف معاهدات عدم الانتشار النووي، ومنها “نيو ستارت”.

4- آخر القيود: لعل أخطر ما ينطوي عليه الانسحاب من “نيو ستارت” أنه جاء بعد أن انسحبت الولايات المتحدة وروسيا بالفعل من جميع الاتفاقيات والمعاهدات الأخرى التي كانت تحد من سباق التسلح التقليدي والنووي؛ وهو ما يعني أن البشرية بالفعل في أعلى نقطة من “الأنانية السياسية”. فخلال السنوات القليلة الماضية، انسحبت واشنطن وموسكو من كل الاتفاقيات الأخرى، وهي:

أ- اتفاقية حظر التجارب النووية: هي الاتفاقية التي نجحت في منع إجراء أي تجربة نووية جديدة منذ أن وقّعت روسيا عليها في نيويورك في سبتمبر 1996، وصدقت عليها في مايو 2000. ورفض الكونغرس الأمريكي التصديق على هذه الاتفاقية منذ ما يقرب من 3 عقود، بعد أن وقّعت عليها 187 دولة، وصادقت عليها 178 دولة في برلماناتها. وتتشكّل من نظام رصد دولي، وهو شبكة من مرافق الرصد المختلفة في أنحاء العالم؛ إذ تستطيع هذه المرافق رصد أصوات التفجيرات النووية، أو الأنشطة الزلزالية المصاحبة لها، أو حتى آثارها الإشعاعية. وجرى بالفعل بناء 321 محطة رصد و16 مختبراً في 89 دولة لتحقيق هذا الهدف.

ب- معاهدة القوات النووية المتوسطة المدى: في أغسطس 2019، انتهى العمل بهذه المعاهدة التي حافظت على الأمن في أوروبا لنحو سبعة عقود منذ أن وقّعها الاتحاد السوفيتي السابق والولايات المتحدة في ديسمبر 1987. وخرجت منها واشنطن في فبراير 2019؛ وهو ما دفع روسيا إلى الانسحاب منها في أغسطس من نفس العام.

ج- اتفاقية السماوات المفتوحة: خرج الروس والأمريكيون في مايو 2021 من هذه الاتفاقية، والتي كانت تسمح لكل دولة طرف بتسيير رحلات استطلاع جوية قصيرة وغير مسلحة فوق أراضي الدول الأخرى لجمع بيانات عن القوات والأنشطة العسكرية. وقد جرى إقرارها عام 1992 في هلسنكي من جانب 27 دولة، وبدأ العمل بها في يناير 2002.

د- معاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا: شهد عام 2023 خروج روسيا والولايات المتحدة من هذه المعاهدة التي تم التوقيع عليها في نوفمبر 1990. وكانت المعاهدة تضع سقفاً لكل الأسلحة التقليدية التي يملكها كل طرف، بحيث لا يُسمح لأي طرف بحشد أكثر من 20 ألف دبابة، بينها 16 ألفاً و500 دبابة فقط في وحدات قتالية، ولا يزيد عدد المدرعات على 30 ألف مدرعة، ومنها 27 ألفاً و300 مدرعة في وحدات قتالية. كما يتعهد الطرفان بأن الحد الأقصى للمدفعية لا يزيد على 20 ألف مدفع في كل جهة، ولا يتجاوز عدد المدافع في جبهات القتال 17 ألفاً. وألا يتجاوز عدد الطائرات المقاتلة 6800 طائرة، وألا يتجاوز أي طرف سقف عدد المروحيات القتالية البالغ 2000 مروحية هجومية.

ثلاثة سيناريوهات:

هناك ثلاثة سيناريوهات قد تحدث بعد انتهاء العمل بمعاهدة “نيو ستارت”، وتتمثل في الآتي:

1- “النادي النووي”: هناك إقرار عالمي متزايد بأن نموذج ستارت القديم يتعارض مع الحقائق الجيوسياسية والتكنولوجية الجديدة. فجزء كبير من مراقبي الأسلحة النووية بات يتحدث عن ضرورة أن تتوافق التعددية الجيوسياسية الناشئة مع تقييد الأسلحة النووية للجميع؛ نظراً لأن سباق التسلح النووي الجديد يُقاس الآن بمعايير نوعية لا كمية، حيث يصعب التمييز بين الأنظمة النووية والتقليدية، والاستراتيجية وغير الاستراتيجية.

وكل ذلك يعني أن السيناريو المثالي هو دخول كل دول “النادي النووي” – الذي يضم 9 دول هي: روسيا والولايات المتحدة والصين وفرنسا وبريطانيا والهند وباكستان وإسرائيل وكوريا الشمالية، ويملكون أكثر من 12 ألف رأس نووي- في معاهدة جديدة للحد من السلاح النووي. لكن هذا السيناريو قد يصعب تحقيقه في الوقت الراهن؛ نظراً للخلافات بين باكستان والهند، والخلاف الكوري الشمالي مع الولايات المتحدة، وعدم اعتراف إسرائيل رسمياً بأنها تملك أسلحة نووية.

 

2- تجديد معاهدة “نيو ستارت”: يقوم هذا السيناريو على موافقة كل من الولايات المتحدة وروسيا على تجديد “نيو ستارت”، سواء لمدة 10 سنوات كما نص الملحق القانوني الخاص بالمعاهدة، أو تمديدها 5 سنوات كما جرى في عهد جو بايدن، أو على الأقل تجديدها لعام واحد لحين الاتفاق على معاهدة طويلة المدى.

3- سباق التسلح النووي: هناك تُهم متبادلة بين الولايات المتحدة وروسيا والصين بأنهم يجرون تفجيرات نووية تحت الأرض بعيداً عن عيون الآخرين. وهذا ما يدفع خبراء السلاح النووي الأمريكيين مثل توماس دي نانو، إلى الرفض الواضح لصيغة “نيو ستارت”، والدعوة إلى استئناف إجراء التجارب النووية حتى لا تتأخر واشنطن عن بكين. وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من السباق النووي، خصوصاً أن هناك دعوات مماثلة في بريطانيا وفرنسا لتحقيق “الاستقلال الاستراتيجي” لأوروبا عبر رفع عدد وكفاءة الرؤوس النووية الأوروبية.


اترك تعليقاً