اتجاهات مستقبلية
الاقتصاد الخليجي في الحرب وبعدها
تزدادُ قدرات وخبرات اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي في كلّ أزمة عالمية، واضطرابات إقليمية على الصمود أمام التوترات الجيوسياسية؛ إذ تتمتع باحتياطات مالية وثروات في الموارد، وأصول رائدة، وبرامج تنموية، وتنوع اقتصادي، وتبنٍّ للتكنولوجيا المتقدمة، ورغم حالة عدم اليقين السائدة في الإقليم، تتحرك على طريق الاستقرار الاقتصادي والأمني بكل الوسائل الممكنة، دون استبعاد أي خيار في سبيل ازدهارها.
وقد نجحت دول مجلس التعاون الخليجي في ترسيخ حضورها على الساحة العالمية من خلال برامج استثمارات استراتيجية واسعة النطاق والفاعلية، وقطعت أشواطًا في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، ومنذ جائحة كورونا في 2019، وما تلاها من حروب في أوروبا والشرق الأوسط، أثبتت اقتصادات دول الخليج المرونة في استيعاب الصدمات، والجاهزية إزاء معالجة الآثار الناتجة عن الاضطرابات والاعتداءات الغاشمة من الأعداء، ما جعلها محلًّا للوثوق بها من الأسواق الدولية، والمؤسسات العالمية، رغم تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية-الإيرانية، وتوترات الشرق الأوسط الممتدة.
ولدول الخليج إمكانات اقتصادية تمنحها المرونة في مواجهة الأزمات، منها الاحتياطيات المالية الضخمة، والبنية التحتية المتطورة، وقطاع الطاقة بشقيه التقليدي والمتجدد، وصناديق سيادية من الأكبر بالعالم بحجم أصول ضخمة في أرجاء المعمورة (نحو 5.6 تريليونات دولار)، وبهذه الإمكانات يمكنها التدخل عند الحاجة لدعم الاقتصاد، أو مواجهة أي تراجع نتيجة الاضطرابات في الأسواق العالمية.
ورغم المضي في برامج التنويع الاقتصادي، فإن قطاع الطاقة ما زال قوّة أساسية لدول الخليج في المنطقة والعالم جعلها ضابطًا لسوق الطاقة واستقراره بتعويض النقص المحتمل في الأسواق، كما أن اقتصادات دول الخليج لا تواجه أعباء الديون الحكومية التي تكبل الدول المتقدمة والناشئة على حدّ سواء، فمتوسط مستويات الديون لا يتجاوز 33% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2025، وهو مستوى أقل بكثير من المعدلات العالمية، ويعود ذلك لقدرتها على استغلال الفوائض النفطية عبر السنوات الماضية، والسياسات المالية القائمة على ضبط الإنفاق وزيادة الإيرادات غير النفطية.
لكن الحرب والتوترات العسكرية في الشرق الأوسط تبقى الخطر الأكبر على تهديد الدول والاقتصاد، خاصة مع تهديد ممرات الطاقة الدولية، واستهداف إيران لمواطن الصناعة والسياحة، والمنشآت المدنية في دول الخليج، ومع امتلاك اقتصادات الخليج أدوات مواجهة الأزمة، وقدرة على الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي حتى في ظل أعقد الأزمات الجيوسياسية، تبرز دول المجلس بوصفها ضلعًا أساسيًّا في معادلة استقرار التجارة الدولية والطاقة، بكتلة اقتصادية تبلغ 2.3 تريليون دولار، بما يفوق وصفها مُصدّرةً للطاقة إلى أحد أهمّ مراكز الثقل المالي والاستثماري.
وبجانب الطاقة، يظل الموقع الجغرافي في قلب أهم مسارات الطاقة والتجارة الدولية ركنًا أساسيًّا؛ ولذا عندما أغلقت إيران مضيق هرمز، تحركت دول الخليج لتلبية الطلب العالمي عبر خطوط أنابيب بديلة لتجاوز مضيق هرمز، وضمان استمرار التدفقات الطاقية، ولأنها لا تستطيع تعويض كامل إمدادات مضيق هرمز، يبدو أنها من أهم مشروعات دول الخليج بعد الحرب؛ إذ تنفتح دول الخليج على مسارات متعددة، منها التوسّع في خطوط الأنابيب، وتفعيل مشروعات الممرات الدولية البديلة، كممر الشرق الأوسط – أوروبا.
لقد تعرّض قطاع الطيران والسياحة في الخليج لأضرار واضطرابات نتيجة الحرب، فضلًا عن تعرض البنية التحتية وبعض المواطنين لآثار العدوان الإيراني، وكذلك منشآت الطاقة، ولن تنتظر دول الخليج كثيرًا حتى تعود الأمور إلى مجاريها، وتعود الصادرات والواردات دون انقطاع، والبنية التحتية إلى أفضل ما كانت قبل الحرب، والحياة إلى ازدهار من جديد، دون تنازلات في الحقوق، أو غضّ الطرف عمّا حدث في الحرب.
وسط ضباب الحرب سجّل أداء اقتصادات دول الخليج قدرة كبيرة على امتصاص الصدمات، لكن لن تقف مكتوفة اليدين عمّا جرى من اعتداءات عليها في الحرب؛ ولذا تطالب بتعويضات عمّا حدث، مع احتفاظها بحقّ الردّ وقتما تقرّر، ومراجعة التحالفات والشركاء، وترميم مكامن الهدم في السياحة والبنية التحتية واللوجستية، والإسهام في استقرار الاقتصاد العالمي، والسير عبر مسارين اقتصادي لازدهار المنطقة، وأمني حاسم لوضع كلّ طرف في الصراعات بموضع يستحقه، طالما أن بعض الجيران يعادون دول الخليج، ولا يعرفون لحسن الجوار معنى.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.