بقلم/ عبدالعزيز سلطان المعمري
في كتاب «نظام التفاهة»، يقدم آلان دونو قراءة ورؤية تتجاوز فهم التفاهة والنظر إليها بوصفها أو باعتبارها مجرد ضعف فردي أو انحدار في الذوق العام، بل يراها منظومة تعيد توزيع مكانة الأفراد داخل المجتمع، وتبدل معايير قياس النجاح والتأثير، الإشكالية في هذه المنظومة، أنه من يتقدم ليس الأكثر علماً ومعرفة، ومن يحظى بالمساحة، ليس الأعمق فكراً، بل من يتصدر المشهد التافهون والسفهاء، ومن يجيد إثارة الانتباه وصناعة الضجيج، حتى لو كان ما يقدمه بلا قيمة.
أما في عصر المنصات ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الوضع أكثر خطورة، لأن التفاهة لم تعد مجرد سلوك محدود الأثر، بل أصبح التافه قادراً، بما يمتلك من أدوات، على أن يحظى بحضور جماهيري وخطاب متداول، وأصبح نموذجاً قابلاً للتقليد.
المشكلة ليست في وجود التافهين والسفهاء، لأنهم موجودون في كل المجتمعات والعصور، وإنما في الأدوات التي تعزز من وجودهم وتضخم أصواتهم، وتمنحهم تأثيراً يتجاوز قيمتهم ووزنهم الحقيقي. في الحقيقة، لم تصنع المنصات التفاهة، لكنها أزالت الحواجز التي كانت تضبط ظهور التافهين والسفهاء. في الماضي كان للكلمة ثمن تحاسب عليه، وللمجالس هيبة ووقار، وللمتحدث حدود اجتماعية وأخلاقية تحكمه، أما اليوم، فقد أصبح لكل شخص مجلس في هاتفه، ويصل إلى الآلاف بضغطة زر، بغض النظر من هو؟ وما معرفته وعلمه؟
نحن لا نناقش ولا نختلف على حق التعبير طبعاً وفق القانون واحترام المجتمع، لكن لا يعني ذلك الحق عدم تحمل المسؤولية، فليس كل رأي معرفة، ولا كل صوت حجة، ولا كل انتشار دليل قيمة، وليس كل ما يطرح حقيقة، ولا يمكن اعتبار الافتراءات وجهة نظر أو رأي، ولا التعامل مع الإساءة كممارسة فكرية.
للأسف، ترسخت ثقافة لدى البعض أن الشهرة قد تغني عن التخصص، وعدد المتابعين يمكن أن يكون بديلاً عن عمق الفكرة، وعززت الخوارزميات هذه الثقافة، بل الوهم، لأنها لا تتعامل مع المحتوى بمعيار الحقيقة أو الأخلاق أو القيمة العلمية، بل وفق قدرته على جذب الانتباه وإثارة التفاعل، حتى أصبح الاستفزاز أداة للوصول، والإساءة طريقاً إلى الشهرة.
في وسائل التواصل الاجتماعي، قد يظهر شخص لا يملك معرفة أو إنجازاً، يبني حضوره على المهاترات والخصومات المفتعلة، كل ما يحتاجه فقط شخصيات معتبرة يهاجمها، وقضايا يحرفها، وجمهوراً يتابع المواجهة ولا يفهم الفكرة، وحين يتراجع الاهتمام به، يرفع مستوى الإساءة، لأن وجوده مرتبط بانفعال الآخرين، وباستدراج العقلاء إلى ساحته.
حقيقة وواقع التافه لا يبحث عن الحقيقة، لأن الحقيقة تحتاج إلى عقل وحجة وصبر وأمانة ومراجعة، واستعداد للاعتراف بالخطأ، أما هو فهدفه الانتصار اللحظي وإثارة الجمهور، لذا، نجد التافهين في الغالب يعتمدون على التشكيك في النيات، والسخرية والطعن الشخصي، واختلاق الأكاذيب، وحين يعجز عن مواجهة الفكرة أو الحقيقة، ينتقل إلى الشخصنة، وحين ينكشف تناقضه، يقدم نفسه ضحية، وما هو إلا مدافع عن الحق.
الخطر الأكبر لا يكمن في الإساءة بذاتها، بل في أثرها في المجتمع، فعندما تتكرر الشتائم ويعتاد عليها المجتمع، تفقد مع الوقت قبحها، وعندما تكافأ الوقاحة بالانتشار، يختلط الفرق بين الجرأة والتفاهة، وبين النقد والإهانة، وبالتالي، تتحول التفاهة إلى نموذج اجتماعي، وتفقد الثقافة العامة قدرتها على التمييز بين القيمة والضجيج. ينجح التافه في استنزاف أصحاب الرأي والمعرفة والعلم والمكانة، إذ يدفعهم إلى ترك قضاياهم للرد على شائعة، أو تصحيح تحريف، فيفرض عليهم موضوع النقاش ومستوى اللغة، لهذا، لا يكون الرد عليه هو الخيار الصحيح، لأن الرد قد يمنحه اعترافاً ومكانة لم يكن ليبلغها.
في الاقتصاد الرقمي، الانتباه عملة، والمشاهدات وإعادة المشاركة مكسب، لذلك، علينا أن نعي أن المواجهة تبدأ من سؤال بسيط: لمن نمنح انتباهنا؟، فالمجتمع العاقل لا يخلو من التافهين والسفهاء، بل مجتمع يعرف قدرهم، فلا يمنحهم أكثر مما يستحقون، ولا يسمح للانتشار أن يصبح بديلاً عن القيمة، ولا الضجيج بديلاً عن صوت العقل.
المصدر: صحيفة البيان
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.