اتجاهات مستقبلية
تمثل المياه العذبة موردًا محدودًا للغاية مقارنة بإجمالي المياه الموجودة على كوكب الأرض؛ إذ تتركز النسبة الأكبر من مياه الأرض، نحو 97.2%، في المحيطات والبحار الداخلية، وهي مياه مالحة غير صالحة للاستخدام المباشر دون معالجة. أما المياه العذبة فتوجد بصورة رئيسية في صورة جليد؛ حيث يُخزَّن حوالي 2.1% من إجمالي مياه الأرض في الأنهار الجليدية، ما يجعل الجليد ثاني أكبر خزان للمياه على الكوكب، وأكبر مخزون للمياه العذبة على الإطلاق؛ إذ يحتوي على نحو ثلاثة أرباع المياه العذبة السطحية. بينما توجد كميات أقل بكثير في المياه الجوفية ورطوبة التربة (نحو 0.6%)، في حين لا تتجاوز نسبة المياه الموجودة في الغلاف الجوي والبحيرات والأنهار وجميع الكائنات الحية أقل من 1% لكل منها. ويكشف هذا التوزيع غير المتوازن عن محدودية الموارد المائية المتاحة للبشرية، ويؤكد أهمية الإدارة المستدامة للمياه وحماية النظم البيئية التي تحفظ هذا المورد الحيوي، حيث لم تعد قضية المياه شأنًا بيئيًّا أو تنمويًّا محضًا، بل غدت واحدة من أكثر الملفات ارتباطًا بالأمن الإنساني والاستقرار السياسي والسلم الدولي. فالمياه التي شكّلت عبر التاريخ رافعة للتعاون بين الأمم ووسيلة للاتصال والمشاركة، وأساسًا لنشوء الحضارات على ضفاف الأنهار، أخذت في العقود الأخيرة تتحول، في غير موضع من العالم، إلى بؤرة توتر جيوسياسي، تغذيها موجات تغير المناخ، وتسارع النمو السكاني، وتصاعد الطلب على موارد باتت أكثر شحًّا من أي وقت مضى؛ لذا يكتسب مفهوم «المياه من أجل السلام» أهميته، بوصفه إطارًا يربط الإدارة المستدامة للموارد المائية بمنع نشوب النزاعات، وترسيخ التعاون بين الدول، وهو ما ينسجم مع الجهود الأممية الرامية إلى تحقيق الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة، الخاص بضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع.
وتكشف بيانات الأمم المتحدة الصادرة في عام 2025 عن اتساع الفجوة بين الطلب على المياه والقدرة على تلبيته بصورة مستدامة؛ إذ لايزال نحو 2.2 مليار إنسان حول العالم محرومين من مياه شرب مُدارة بأمان، بينما يفتقر أكثر من 3.4 مليارات شخص إلى خدمات صرف صحي آمنة. وتحذّر التقديرات من أن أكثر من نصف سكان العالم قد يجدون أنفسهم، بحلول عام 2050، في مناطق تعاني إجهادًا مائيًّا، في وقت يُرجَّح أن يرتفع فيه الطلب العالمي على المياه بما يتراوح بين 20 و30% خلال العقود المقبلة. ولا تقف الأزمة عند حدودها الإنسانية، فالمناطق الأكثر شحًّا بالمياه هي، في الغالب، الأكثر عرضة للتوترات، ولاسيما حين تتقاطع ندرة المياه مع هشاشة المؤسسات أو النزاعات القائمة. وتؤكد الأمم المتحدة، في المقابل، أن المياه ليست سببًا حتميًّا للصراع، بل عامل قد يُضاعف المخاطر أو يفتح بابًا للتعاون؛ ذلك أن أكثر من 40% من سكان الأرض يعتمدون على أحواض مائية مشتركة بين دولتين أو أكثر، وهو ما يمنح الأطر القانونية الدولية دورًا محوريًّا في ضمان الاستخدام العادل لهذه الموارد العابرة للحدود. أما تغيّر المناخ فيضاعف الرهان؛ إذ تُنسب إلى الكوارث المرتبطة بالمياه، كالفيضانات وموجات الجفاف، النسبة الغالبة من الكوارث الطبيعية، وفي هذا السياق، أعد «تريندز للبحوث والاستشارات» ورقة سياسات بعنوان “المياه من أجل السلام: إعادة تقييم التقدم ورسم ملامح المستقبل”، بالتنسيق والشراكة بينه وبين مركز Geneva Water Hub (سويسرا) ومركز Pôle Eau Dakar (السنغال)، إذ تعد الورقة إسهامًا بحثيًّا دوليًّا في دعم التحضيرات لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026، الذي تستضيفه دولة الإمارات بالشراكة مع السنغال، وقد طرحت الورقة توصيات لتعزيز الدبلوماسية المائية، وتوظيف التعاون في إدارة الموارد المائية أداةً للوقاية من النزاعات وبناء السلام، ودعم الحوكمة المستدامة للمياه. كما مثّل إطلاقها خلال المنتدى السياسي رفيع المستوى للتنمية المستدامة (HLPF 2026) محطة مهمة لتعزيز حضور «تريندز» في النقاشات الدولية
في النهاية لن يُقاس مستقبل ملف المياه بما تحقق من مؤشرات فحسب، بل بقدرة المجتمع الدولي على تحويل هذا المورد من ساحة تنافس محتملة إلى جسر متين للسلام والتنمية المستدامة.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.