القدرة التعويضية: كيف يواجه “الصمود المتعدد” للاقتصاد العالمي تداعيات حرب إيران؟

الرئيسية مقالات
د. رشا مصطفى عوض خبير سياسات عامة - المدير التنفيذي السابق لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري
القدرة التعويضية: كيف يواجه “الصمود المتعدد” للاقتصاد العالمي تداعيات حرب إيران؟

 

القدرة التعويضية: كيف يواجه “الصمود المتعدد” للاقتصاد العالمي تداعيات حرب إيران؟

 

 

 

في القرن الحادي والعشرين، قد لا يكون أخطر أثر للصمود أنه يعجز عن منع الأزمة، بل إنه يجعل الأزمات الاقتصادية الممتدة أكثر قابلية للاستمرار. وتحمل هذه المفارقة مفتاحاً لفهم ما جرى خلال الأشهر الستة الأولى من الحرب الأمريكية الإيرانية منذ 28 فبراير 2026. فقد هبطت صادرات النفط الخام والمنتجات المكررة عبر مضيق هرمز في الأسابيع الأولى إلى أقل من 10% من مستويات ما قبل الحرب، وهو ممر كان يعبره عام 2025 نحو 20 مليون برميل يومياً؛ أي قرابة ربع تجارة النفط المنقولة بحراً عالمياً. وسجلت السوق في مارس 2026 خسارة فعلية في المعروض بلغت نحو 10.1 مليون برميل يومياً، قبل أن تبدأ آليات التعويض وإعادة التوجيه في العمل؛ ومع ذلك، وبعد أكثر من ستة أشهر، لم يتحول أكبر اضطراب في سوق النفط الحديثة إلى ركود عالمي، بل ظل صندوق النقد الدولي يتوقع نمواً بنحو 3% خلال عام 2026 و3.4% عام 2027.

وهذه المفارقة لا تعني أن الجغرافيا السياسية فقدت قدرتها على إحداث الضرر، بل تشير إلى تغير أعمق في أسلوب انتقال الصدمات عبر الاقتصاد العالمي. فما يُطلق عليه “صمود” هو في الواقع حاصل تراص أربع طبقات مختلفة: أولها “الصمود التعويضي” عندما يعوّض محرك اقتصادي موجب أثر صدمة سالبة، وثانيها “الصمود المخزون” الذي استخدم احتياطيات وقدرات بُنيت بعد أزمات سابقة، وثالثها “الصمود التكيفي البنيوي” الذي أعاد توجيه التجارة والطاقة والاستثمار في ظل مستويات مرتفعة من عدم اليقين، وأخيراً “الصمود المستعار” الذي لم يلغِ التكلفة بقدر ما أعاد توزيعها بين الدول والقطاعات أو أجلها من الحاضر إلى المستقبل. وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا التمييز في أن قدرة العالم على تحمّل أزمة اليوم لا تعني بالضرورة امتلاكه القدرة نفسها على تحمّل الأزمة التالية.

الصمود التعويضي:

تتمثَّل أحد أكثر ملامح عام 2026 تميزاً في أن صدمة الطاقة لم تضرب اقتصاداً عالمياً ساكناً، وإنما تزامنت مع دورة استثمار تكنولوجية قوية يقودها الذكاء الاصطناعي. ويصف صندوق النقد الدولي نفسه الاقتصاد العالمي بأنه واقع بين قوتين تتحركان في اتجاهين متعاكسين؛ الأثر السلبي لحروب الشرق الأوسط، وطفرة الاستثمار التكنولوجي؛ لذلك فإن جزءاً مما يبدو امتصاصاً للصدمة هو في الحقيقة مقاصة بين محركين كبيرين؛ وهو ما يفسر لماذا يبدو الأداء العالمي أكثر استقراراً من التجارب الوطنية والقطاعية التي تكمن تحته.

1- مقاصة لا مناعة: يتوقع صندوق النقد الدولي نمواً عالمياً عند 3% خلال عام 2026؛ لكن هذه المحصلة تخفي استفادة اقتصادات من دورة التكنولوجيا مقابل تعرض مستوردي الطاقة والاقتصادات الهشة لضغوط حرب إيران. فاستقرار المتوسط العالمي لا يعني تساوي القدرة على الصمود.

2- التكنولوجيا كمُثبِّت جديد: ارتفع حجم التجارة السلعية العالمية بنسبة 1.9% على أساس فصلي و3.2% على أساس سنوي في الربع الأول من 2026، فيما ارتفعت القيمة الدولارية للتجارة في السلع المُمكِّنة للذكاء الاصطناعي بأكثر من 40% سنوياً. وفي تقديرات مستقبلية أصدرتها منظمة التجارة العالمية في مارس 2026، يمكن لاستمرار قوة الاستثمار المرتبط بالذكاء الاصطناعي أن يضيف نحو 0.5 نقطة مئوية إلى نمو التجارة العالمية، بما يعادل تقريباً الخفض البالغ 0.5 نقطة مئوية المتوقع في سيناريو استمرار ارتفاع أسعار الطاقة بسبب حرب إيران.

3- مرونة غير متكافئة: أصبحت مكانة الدولة داخل سلسلة القيمة التكنولوجية عامل حماية جيواقتصادي جديد. فقد تستطيع دولة مستوردة للطاقة تعويض جزء من فاتورتها عبر صادرات أشباه الموصلات أو المعدات أو الخدمات الرقمية، بينما لا يمتلك مستورد للطاقة خارج تلك السلاسل آلية التعويض نفسها.

4- تعويض قابل للتراجع: لا تُعد طبقة الصمود التعويضي ضمانة دائمة، فتباطؤ دورة الاستثمار التكنولوجي سيزيل جزءاً من “المعادِل” الذي أخفى أثر الحرب. ولهذا يفترض صندوق النقد الدولي نفسه اعتدال زخم الدورة التقنية لاحقاً، بما يجعل الاعتماد عليها وحدها شكلاً هشاً من أشكال الصمود.

الصمود المخزون:

لم يدخل الاقتصاد العالمي أزمة 2026 بلا ذاكرة. فقد أعادت جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، وأزمة الطاقة الأوروبية، واضطرابات البحر الأحمر والقيود التجارية؛ تشكيل مفهوم الأمن الاقتصادي نفسه؛ لذلك فإن جزءاً مُعتبراً مما بدا “صموداً تلقائياً” خلال حرب إيران كان في الحقيقة عائداً إلى استثمارات دفاعية سابقة: مخزونات، ومسارات بديلة، وكفاءة أعلى في استخدام الطاقة، وآليات حكومية أسرع للتدخل لمواجهة ارتفاعات الأسعار ونقص المعروض.

1- احتياطيات استثنائية ولكن قابلة للنفاد: وافقت الدول الـ32 الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية في مارس الماضي على إتاحة 400 مليون برميل من احتياطيات الطوارئ، في أكبر تحرك جماعي منذ إنشاء الوكالة عام 1974. وكان أعضاء الوكالة يحتفظون بأكثر من 1.2 مليار برميل من المخزونات الطارئة، إضافة إلى نحو 600 مليون برميل من مخزونات الصناعة الخاضعة لالتزامات حكومية؛ أي إن الإجراء استدعى ما يعادل تقريباً ثلث المخزون الطارئ الأساسي المتاح للدول. وهذا يوضح في الوقت نفسه قوة “مخزون الصمود” وحدوده.

2- مسارات بديلة سبقت الأزمة: رفع خط شرق-غرب السعودي تدفقاته إلى طاقته القصوى البالغة 7 ملايين برميل يومياً في الربع الأول من 2026، بينما تبلغ الطاقة التصميمية الأساسية لخط أبوظبي للنفط الخام إلى الفجيرة نحو 1.5 مليون برميل يومياً، ويمكن رفع طاقته إلى نحو 1.8 مليون برميل يومياً، بما يوفر لدولة الإمارات مساراً لتصدير الخام يتجاوز مضيق هرمز. غير أن الفارق بين الطاقة الاسمية والطاقة الإضافية المتاحة يظل جوهرياً؛ إذ تقدر وكالة الطاقة الدولية أن القدرة الفعلية التي كان يمكن إعادة توجيهها لتجاوز مضيق هرمز عند بداية الأزمة تراوحت بين 3.5 و5.5 مليون برميل يومياً فقط؛ نظراً إلى أن جزءاً مهماً من طاقة هذه الخطوط كان مستخدماً بالفعل.

3- طلب أقل كثافة في الطاقة: تحسن معدل كثافة الطاقة العالمية بنحو 30% منذ عام 2000، وأصبحت سياسات تنويع المزيج الطاقي منتشرة في نحو 150 دولة مقابل أقل من 20 دولة إبان صدمات السبعينيات؛ ولذلك أصبحت الصدمة النفطية الواحدة أقل قدرة على الانتقال ميكانيكياً إلى الناتج الاقتصادي العالمي مما كانت عليه قبل نصف قرن.

4- الاستنزاف هو المؤشر المقابل للصمود: بحلول منتصف عام 2026، كانت المخزونات العالمية تنخفض بوتيرة قياسية، وقدرت وكالة الطاقة الدولية تراجع المخزون المرصود بمتوسط نحو 3.8 مليون برميل يومياً منذ اندلاع حرب إيران وحتى مايو الماضي؛ ومن ثم لم يعد السؤال الجوهري يقتصر على مقدار ما استطاع النظام الاقتصادي العالمي امتصاصه من الصدمة، بل يمتد أيضاً إلى حجم ما استُهلك من “رأس مال الصمود” لتحقيق ذلك.

الصمود التكيفي البنيوي:

تكشف الحرب الأمريكية الإيرانية عن تحول يتجاوز الطاقة، فالاقتصاد العالمي لا يتعامل اليوم مع عدم اليقين بوصفه انحرافاً مؤقتاً عن الوضع الطبيعي، بل بوصفه متغيراً ينبغي تصميم القرارات والاستثمارات في ضوئه. ويعزز مؤشر عدم اليقين العالمي هذه القراءة، فقد بلغ المؤشر العالمي المرجح بالناتج 77,923 نقطة في الربع الثاني من عام 2026، مقارنة بنحو 16 ألف نقطة فقط في الربع الأول من 2024، وإن كان قد انخفض عن ذروته البالغة 106,862 نقطة في الربع الثالث من 2025. والأهم أن الارتفاع سبق حرب إيران نفسها؛ ما يعني أن الحرب لم تنشئ بيئة عدم اليقين المرتفع، بل انضمت إلى طبقات قائمة من التوترات التجارية والمالية والجيوسياسية.

1- من تسعير الصدمة إلى تسعير المدة: لم تختف علاوة المخاطر بعد القفزة الأولى في أسعار النفط؛ لكنها تغيرت في طبيعتها. فبعد أن بلغ خام بحر الشمال مستويات قياسية في إبريل الماضي؛ هبط إلى نحو 68 دولاراً أمريكياً في يونيو الماضي مع تحسن التدفقات، ثم عاد للتذبذب مع تجدد التوترات. وبلغ سعر خام برنت نحو 89.31 دولار في 28 أغسطس الماضي، قبل ارتفاعه مجدداً مع تصاعد التوتر في مطلع سبتمبر الجاري؛ وبذلك، أصبحت السوق أقل انشغالاً بالسؤال عمّا إذا كانت الصدمة ستقع، وأكثر تركيزاً على مدة استمرارها، وحجم التدفقات التي يستطيع النظام الاقتصادي الحفاظ عليها طوال فترة الأزمة.

2- الاختيارية تتحول إلى أصل استراتيجي: تبلغ الطاقة الاسمية الحالية لخطّي التجاوز السعودي والإماراتي نحو 8.8 مليون برميل يومياً. وتعمل دولة الإمارات على إنشاء خط ثانٍ إلى الفجيرة يهدف لمضاعفة طاقة التصدير عبر الساحل الشرقي بحلول عام 2027، بينما تدرس السعودية إضافة ما بين مليون إلى مليوني برميل يومياً إلى خط شرق–غرب. وإذا اكتملت المشروعات المعلنة؛ يمكن أن تقترب الطاقة الاسمية لهذه المسارات من 12 إلى 13 مليون برميل يومياً.

3- الطلب نفسه أصبح أداة صمود: لم يكن تعويض الأزمة مسألة زيادة الإنتاج وحدها. فقد هبط الطلب العالمي على النفط بحدة في الربع الثاني من عام 2026، وتتوقع وكالة الطاقة الدولية انكماشه بنحو 1.6 مليون برميل يومياً خلال العام الحالي، وذلك في انعكاس لارتفاع الأسعار، وتعطل المنتجات، والتحول إلى بدائل وخفض الاستهلاك. وهكذا دخل التكيف السلوكي والتكنولوجي إلى جانب المخزون والإنتاج، كجزء من منظومة أمن الطاقة.

4- مفارقة المرونة الجيواقتصادية: هنا تبرز العلاقة الأكثر حساسية؛ فكلما استطاعت الأسواق إعادة توجيه تدفقات النفط، وتمكنت الحكومات من استخدام المخزونات الاستراتيجية، وخفّض المستهلكون الطلب، وواصلت الشركات الاستثمار رغم الحرب؛ تراجعت احتمالات أن تتحول الصدمة الاقتصادية سريعاً إلى ضغط حتمي يفرض إنهاء الصراع. وبعد أكثر من ستة أشهر؛ تحولت المواجهة بالفعل إلى ما وصفته بعض التحليلات بحرب استنزاف طويلة حول الطاقة والملاحة، في وقت ظلت فيه الأسواق العالمية قادرة على مواصلة العمل. ولا يعني ذلك أن الصمود الاقتصادي يؤدي إلى إطالة أمد الحرب؛ لكنه يطرح فرضية استراتيجية أكثر حذراً؛ وهي كلما ارتفعت قدرة النظام العالمي على توزيع تكلفة الصراع عبر الزمن والفاعلين؛ قد تضعف إحدى قنوات الضغط التي كانت تجعل استمرار الحروب الاقتصادية الكبرى أكثر صعوبة.

الصمود المستعار:

الرقم العالمي متوسط، والمتوسطات لا تكشف دائماً من تحمّل العبء الأكبر مقابل الحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي. فجزء من صمود 2026 لم ينتج عن إزالة الخسائر، بل عن إعادة توزيعها جغرافياً وزمنياً وقطاعياً. وفي الوقت نفسه أعادت الأزمة توزيع المكاسب والنفوذ، فأصبح للموقع الجغرافي ومسارات التصدير البديلة قيمة اقتصادية أكبر؛ ومن هنا ينبغي ألا يُقرأ أثر حرب إيران كقائمة خاسرين فقط، بل كعملية لإعادة ترتيب المزايا داخل الاقتصاد العالمي.

1- تكلفة غير متكافئة جغرافياً: بينما يتوقع صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد العالمي بنحو 3% خلال عام 2026؛ خُفضت توقعات اقتصادات المنطقة بصورة حادة، كما تعرضت اقتصادات مستوردة للطاقة والغذاء لضغوط متزامنة على موازينها الخارجية وأوضاعها المالية العامة. وفي هذا السياق، حددت “الأونكتاد” 61 اقتصاداً هشاً تواجه مستويات مرتفعة من التعرض لواردات النفط والحبوب في آن واحد.

2- مكاسب تعيد توزيع النفوذ: ارتفعت صادرات النفط من الأمريكتين إلى مستوى قياسي بلغ نحو 11.7 مليون برميل يومياً حتى الآن في عام 2026، مع توقع وصول شحناتها إلى آسيا إلى نحو 5.4 مليون برميل يومياً في أغسطس الماضي؛ وبذلك، أصبحت الأمريكتان تمثلان قرابة 30% من صادرات الخام المنقولة بحراً؛ وهو تحول يعزز وزن الولايات المتحدة وكندا والبرازيل وغيانا والأرجنتين في معادلة أمن الإمدادات الآسيوية.

3- التكلفة تُرحّل عبر الزمن: لا تظهر الآثار الكاملة لدعم الوقود، والسحب من الاحتياطيات، وارتفاع تكاليف النقل والأسمدة فوراً في أرقام الناتج العالمي. فالحكومات تستطيع نقل جزء من فاتورة الطاقة إلى موازناتها، وقد تلجأ المزارع إلى خفض استخدام الأسمدة، فيما يمكن للشركات استيعاب ارتفاع تكاليف الشحن مؤقتاً. وهذا يعني أن بعض خسائر الحرب قد يظهر لاحقاً في صورة ضغوط على الحيز المالي، والأمن الغذائي، والاستثمار، بدلاً من أن ينعكس فوراً في معدل نمو الاقتصاد العالمي.

وعليه، يُمكن القول إن النتيجة الجيواقتصادية أضحت أكثر تعقيداً من مجرد “من ربح ومن خسر”. فالأزمة بدأت تكافئ ثلاثة أصول استراتيجية رئيسية: الوصول إلى البحار المفتوحة، وامتلاك مصادر طاقة قابلة لإعادة التوجيه بين الأسواق، وتوافر بنية تحتية تتجاوز الاحتياجات التشغيلية المعتادة؛ ومن ثم فإن ما كان يُنظر إليه سابقاً بوصفه تكلفة إضافية أو ازدواجية غير ضرورية في البنية التحتية؛ أصبح يحمل اليوم قيمة متزايدة بوصفه “علاوة للأمن الاقتصادي”.

اختبار الصمود:

بعد مرور أكثر من ستة أشهر على اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية، يبدو الاقتصاد العالمي أكثر قدرة بالفعل على احتمال الصدمات الجيوسياسية مما كان عليه في مراحل تاريخية سابقة؛ لكنه لم يصل إلى هذه النتيجة من خلال مصدر واحد للصمود. فلقد تراصت الطبقات الأربع؛ حيث عوّض الاستثمار التكنولوجي جزءاً من صدمة الطاقة، واستُخدم مخزون من الاحتياطيات والبنية التحتية بناه العالم في أزمات سابقة، وأنتجت سنوات عدم اليقين قدرة أسرع على تغيير المورد والمسار والطلب، ثم نُقلت أجزاء أخرى من التكلفة إلى الحكومات والمستقبل والاقتصادات الأكثر هشاشة.

وهذا التراص هو بالضبط ما يجعل التمييز بين أنواع الصمود مهماً. فالصمود التعويضي يمكن أن يختفي بانتهاء دورة التكنولوجيا، والصمود المخزون يمكن أن ينفد، والصمود المستعار يمكن أن يتحول إلى دين أو تضخم أو أزمة غذاء، أما الصمود البنيوي الحقيقي فهو ذلك الذي يوسع عدد الخيارات المتاحة للنظام في الصدمة التالية من دون استهلاك قدرته على مواجهتها.

لكن المفارقة الأعمق تبقى سياسية بقدر ما هي اقتصادية. ففي القرن الحادي والعشرين، قد لا يكون أخطر أثر للصمود أنه يفشل في منع الأزمة، بل إنه يجعل الأزمات الطويلة اقتصادياً أكثر قابلية للحياة. فالنظام القادر على امتصاص الصدمة الأولى، وإعادة توجيه التدفقات، وتوزيع الخسائر على عدة سنوات ودول؛ يصبح أقل عرضة للانهيار السريع؛ لكنه قد يصبح أيضاً أقل قدرة على تحويل الضرر الاقتصادي إلى ضغط فوري لإنهاء الصراع.

ومن هنا ينبغي أن تنتقل سياسة الصمود من قياس القدرة على النجاة إلى قياس رصيد الصمود واستنزافه وإعادة بنائه؛ أي حجم المخزونات المتبقية، والسعة الاحتياطية، والمسارات البديلة، وكثافة استخدام الطاقة، والحيز المالي، وتوزيع الخسائر بين الاقتصادات والفئات. فالاختبار الحقيقي ليس أن يتحمل الاقتصاد أزمة واحدة، وإنما أن يحتفظ بعد الأزمة الأولى بقدر كافٍ من الخيارات لمواجهة الثانية.

” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”

 


اترك تعليقاً