صيف التمرد:هل يمتد فوز “عبدول” من الحزب الديمقراطي إلى الانتخابات النصفية الأمريكية؟

الرئيسية مقالات
عزت إبراهيم رئيس تحرير "الأهرام ويكلي" وخبير السياسة الخارجية الأمريكية
صيف التمرد:هل يمتد فوز “عبدول” من الحزب الديمقراطي إلى الانتخابات النصفية الأمريكية؟

 

صيف التمرد:هل يمتد فوز “عبدول” من الحزب الديمقراطي إلى الانتخابات النصفية الأمريكية؟

 

 

لقد صعّب فوز عبد الرحمن السيد في ولاية ميشيغان اعتبار اليسار المتمرد بالحزب الديمقراطي ظاهرة ترتبط بولاية نيويورك فحسب. فقبلها، كان من الممكن تفسير صعود زهران ممداني -على الأقل من وجهة نظر منتقديه- بأنه نتاج مدينة ذات أغلبية ديمقراطية، وحملة انتخابية نشطة، وظروف سياسية مواتية بشكل استثنائي للاشتراكية الديمقراطية. غير أن هذه المقومات لا تتوفر لميشيغان. وعلى الرغم من ذلك؛ تمكن عبدول السيد، كما يشتهر اسمه في الإعلام الدولي، من هزيمة هالي ستيفنز -العضو الحالي بالكونغرس والمدعوم من قبل جزء كبير من المؤسسة الديمقراطية بالولاية- وهكذا فإن عبدول السيد سيحمل ترشيح الحزب لمجلس الشيوخ حتى نوفمبر، في إحدى الولايات التي يمكنها تحديد السيطرة على واشنطن. صحيح لا يمكن اعتبار هذا استيلاءً اشتراكياً؛ ومع ذلك، يمكننا القول إن الانتصارات والانتصارات المحتملة قد صارت كثيرة ومتنوعة جغرافياً أيضاً؛ بحيث إنه لا يمكن اعتبارها مجرد وقائع استثنائية أو عرضية في الولايات المتحدة.

ذاكرة حزب الشاي:

لا مفر هنا من أن تتبادر إلى الذهن حركة حزب الشاي (Tea Party movement). فبعد انتخاب باراك أوباما، استشاط الناخبون الجمهوريون غضباً من قادتهم الذين اعتبروهم عاجزين أو غير راغبين في إيقاف رئيس كان يُعد من وجهة نظرهم راديكالياً/متطرفاً. ثم تضاعفت التحديات بعد ذلك أمام الحزب الجمهوري بالانتخابات التمهيدية؛ حيث تمكن مرشحون كانوا يُستبعدون في السابق لكونهم صداميين من هزيمة المرشحين الجمهوريين المنتمين للمؤسسة؛ وهكذا، أصبح التوافق ومحاولة الوصول لحل وسط يُنظر إليه على أنه ضعف، وبات استعداء واشنطن بمثابة شهادة فخر. وبحلول عام 2010، ساعد تمرد الجمهوريين على استعادة سيطرتهم على مجلس النواب مرة أخرى، ونجحوا في إرسال 87 نائباً جمهورياً جديداً لواشنطن. وبعد عامين، جاءت هزيمة ميت رومني لتعزز قناعة النشطاء المحافظين بأن مؤسسة حزبهم باتت لا تعرف كيف تحقق الفوز. كان الناخبون الجمهوريون -حتى قبل وقت طويل من إعلان دونالد ترامب عن حملته الرئاسية- قد اعتادوا على عدم الثقة بقادتهم.

إن المقارنة لها حدود واضحة: فقد أرسل حزب الشاي عشرات المرشحين للكونغرس، وأرسى بنية تحتية واسعة من المنظمات المحلية وجماعات المناصرة ووسائل الإعلام المحافظة والتمويل الخارجي؛ في حين ظل الاشتراكيون الديمقراطيون أصغر حجماً. لقد فاز بعض المرشحين المدعومين من الاشتراكيين الديمقراطيين (DSA) هذا العام، بينما خسر آخرون. وقد نشرت منظمة “الطريق الثالث”؛ وهي منظمة ديمقراطية وسطية تستعد لمواجهة مطولة مع اليسار الاشتراكي، استطلاعاً للرأي في يوليو السابق، زعمت فيه أن 6% فقط من ناخبي الحزب الديمقراطي في الانتخابات التمهيدية يعتبرون أنفسهم اشتراكيين. صحيح أن منظمة “الطريق الثالث” لديها مصلحة مؤسسية في تأكيد هذا الرقم، ولكن من الصعب التشكيك في حقيقة أن معظم الناخبين الديمقراطيين لم يتحولوا إلى اشتراكيين. غير أن النقطة الأكثر أهمية هي أن هؤلاء الناخبين الرافضين لتصنيفهم كاشتراكيين؛ هم أنفسهم على استعداد لدعم مرشحين يتبنون البرنامج الاقتصادي اليساري.

ويتربع عبدول السيد فوق تلك المساحة بكل أريحية. صحيحٌ أنه لا يُعرّف نفسه بأنه اشتراكي ديمقراطي -رغم محاولات الجمهوريين إلصاق هذا الوصف به- ولكن برنامجه يتداخل بشكل كبير مع اليسار الاقتصادي في أمور متعددة مثل: الرعاية الصحية الشاملة، والتشكيك في تركز الثروة وسلطة الشركات، وتوجيه خطاب الحملة الانتخابية نحو الطبقة العاملة بدلاً من الخطاب السياسي المألوف في الحملات المؤسسية التقليدية للديمقراطيين. وبالتالي، فإن العضوية الرسمية بمنظمة الاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين لا تكشف إلا عن جزء من الحقيقة؛ حيث يمكن لمنظمة سياسية أن تكون صغيرة نسبياً بينما تتجاوز أيديولوجيتها حدود المنظمة وتحظى بقاعدة جماهيرية أوسع بكثير.

لقد كان بيرني ساندرز هو من بدأ هذا التيار على المستوى الوطني قبل عقد من الزمن. فقد وضعت حملته الانتخابية عام 2016 قضايا: الرعاية الصحية الشاملة، وديون الطلاب، ونفوذ المليارديرات، وجمع التبرعات الصغيرة في صميم المنافسة الرئاسية الديمقراطية. ثم أظهرت ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز في وقت لاحق مدى هشاشة أعضاء المؤسسة الحزبية الذين كانوا يبدون في مأمن في مرحلة الانتخابات التمهيدية. أما مساهمة ممداني، فقد كانت مختلفة؛ إذ قام بعرض الكثير من الحجج الاقتصادية اليسارية في صورة نفقات الحياة اليومية، وتحدثت حملته بلا هوادة عن تكاليف المعيشة في نيويورك؛ وهكذا برهنت حملته كيف أن تكلفة الإيجارات والبقالة ورعاية الأطفال وأجرة الحافلات لها تأثير سياسي أكبر من تأثير الشعارات الأيديولوجية.

تتساءل ميشيغان الآن عما إذا كان هذا النهج سيعمل بنجاح خارج حدودها؛ إذ يتعين على مرشح مجلس الشيوخ الديمقراطي أن يصل إلى الناخبين الذين لا يعيشون في أحياء راقية، ونادراً ما يتابعون المعارك الأيديولوجية عبر الإنترنت، والذين ربما صوتوا مؤخراً لصالح ترامب. فعبدول السيد يحتاج إلى العديد من الديمقراطيين الذين فضلوا هايلي ستيفنز، بالإضافة إلى المستقلين وسكان الضواحي وناخبي الطبقة العاملة الذين تراجع ولاؤهم للحزب. صحيح أن أداء عبدول السيد في نوفمبر لن يحسم أي شيء بشكل نهائي؛ ولكنه سيقدم دليلاً في نقاش محتدم لسنوات بين الديمقراطيين؛ حيث يرى المعتدلون أن اليسار يخلط بين نجاحه بين الناخبين الديمقراطيين في الانتخابات التمهيدية وبين شعبيته الوطنية بوجه عام. وفي المقابل، يرى التقدميون أن المرشحين الذين تم اختيارهم بناءً على قدرتهم المفترضة على الفوز بالانتخابات قد فقدوا دعم الطبقة العاملة، وفي نفس الوقت لم يقدموا للناخبين الساخطين سوى القليل من الأسباب للعودة إلى صفوفهم.

تداخل السياسة الداخلية والخارجية:

جاءت الصعوبات التي يواجهها ترامب لتجعل هذا النقاش أكثر إلحاحاً. فقد أظهرت إبسوس أن نسبة تأييد الرئيس الأمريكي في يونيو السابق وصلت لنحو 35%؛ وهي نسبة قريبة من أدنى مستوى حصل عليه خلال فترتي رئاسته، بينما لم تتجاوز نسبة تأييد الرئيس لطريقة تعامله مع تكاليف المعيشة نسبة 30% فقط. صحيح أن شعبية ترامب الإجمالية تحسنت إلى حد ما بحلول أواخر يوليو لتصل إلى 37%، إلا أن ثلث الشعب الأمريكي فقط هو من أيّد الحرب على إيران، بينما صرح المعظم بأن الرئيس فشل في توضيح ما تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيقه من خلال هذه الحرب.

في الواقع، لقد أصبح من الصعب الفصل بين السياسة الخارجية والسياسة الداخلية داخل الولايات المتحدة؛ حيث إن ارتفاع أسعار الوقود، وزيادة نفقات الحياة اليومية، وعدم اليقين المحيط بالحرب صار مرتبطاً ويغذي حالة القلق العام داخل المجتمع. وعلى الرغم من أن الديمقراطيين يتمتعون بتقدم في بعض استطلاعات الرأي العامة المتعلقة بالكونغرس؛ فإن المناخ السياسي لا يزال شديد الاضطراب بحيث لا يمكن اعتبار انتخابات نوفمبر مضمونة لهم.

من جانبه، يرى اليسار الجديد في السخط الاقتصادي المنتشر بالمجتمع الأمريكي فرصة سانحة لزيادة شعبيته. فلجذب أكبر عدد من المؤيدين، عادة يبدأ المرشحون اليساريون الأكثر قوة حديثهم بارتفاع أسعار المساكن والتأمين الصحي والمواد الغذائية وتربية الأطفال، ثم ينتقلون بعد ذلك للحديث عن المؤسسات التي يحمّلونها هذه المسؤولية مثل: شركات التأمين، وأصحاب العقارات، والشركات الكبرى، وكبار المحتكرين، والمليارديرات، ونظم تمويل الحملات الانتخابية التي تعتمد على كبار المانحين. ونادراً ما يبدؤون حملاتهم الانتخابية بدعوة الناخبين إلى تبني الاشتراكية الديمقراطية. أما بالنسبة للرئيس ترامب، فإنه يواجه هذا الاستياء الاقتصادي بطريقة مختلفة تماماً؛ إذ إنه يوجهه نحو الهجرة والعولمة والمؤسسات الليبرالية والطبقة السياسية. يظل المشترك بين الخطابين أن كلاهما ينطلق من افتراض أن النظام الاقتصادي والسياسي قد خذل المواطنين الأمريكيين العاديين لا محالة، ولكن تختلف تفسيراتهما بعد ذلك فيمن تسبب في إحداث هذا الخذلان.

لقد أسهم الشرخ بين المؤسسة الديمقراطية -في عهد بايدن- من ناحية وبين الناخبين العرب والمسلمين من ناحية أخرى في إنشاء شبكات صمدت حتى بعد الانتخابات الرئاسية لعام 2024. فقد أظهرت حركة “غير ملتزم” أن الغضب تجاه إسرائيل يمكن استغلاله وتوجيه خلال الاحتجاجات والانتخابات على حد سواء. وتُعد هذه الشبكات ذات أهمية بالغة في ولاية ذات أغلبية أمريكية من أصول عربية، وقد كانت كذلك بالنسبة لعبدول السيد (إلا أن هذا البعد بمفرده لا يمكن أن يُفسّر فوزه). فقد وضعت حملة عبدول السيد السياسة الخارجية ضمن دائرة أوسع للنقاش حول المال والنفوذ السياسي. فبالنسبة للناشطين التقدميين -الشباب على وجه الخصوص- فإن قضايا: إسرائيل، والإنفاق على الحملات الانتخابية، وقوة المصالح المنظمة؛ باتت جزءاً لا يتجزأ من نفس الحوار السياسي. من يُموّل المرشحين؟ من يستطيع إنفاق عشرات الملايين من الدولارات لتشكيل اتجاهات الانتخابات التمهيدية؟ وما الذي يُمكن شراؤه بهذه الأموال بمجرد وصول الفائز إلى واشنطن؟ لقد جعلت هذه التساؤلات مجتمعة من السياسة الخارجية جزءاً من التمرد ضد المؤسسة الحزبية، بدلاً من كونها نزاعاً منفصلاً يُديره متخصصون في السياسة الخارجية.

ونتيجةً لذلك، أصبح المال خطاً فاصلاً لا يقل أهمية عن السياسة. فقد جعل ساندرز من جمع التبرعات الصغيرة تعبيراً عن الهوية السياسية. وقد تبنى المرشحون الشباب هذا المذهب؛ حيث اقتنعوا بأن رفض التعامل مع كبار المتبرعين للحملات الانتخابية سوف يُمكّنهم من تحديد من يدّعون تمثيله قبل الخوض في تفاصيل البرامج الانتخابية كالرعاية الصحية أو المقترحات الضريبية. جدير بالذكر أن الاشتراكيين لا يتبنون وحدهم وجهة النظر هذه، بل إن العديد من الناخبين المعتدلين لا يُحبّذون برامج الرعاية الصحية للجميع؛ إذ إنهم يعتقدون أن أصحاب رؤوس المال يمارسون قدراً كبيراً من النفوذ والضغط السياسي. وقد يرفض آخرون جزءاً كبيراً من البرنامج التقدمي لشعورهم بالاستياء من قيام لجان العمل السياسي الكبرى بإنفاق ثروات ضخمة لتحديد من يظهر في بطاقات الاقتراع. وقد وجد اليسار أرضية خصبة في هذا التناقض.

معضلة الديمقراطيين:

لا تنوي منظمة “الطريق الثالث” التنازل عن موقفها؛ فهي تُحضّر لحملة بملايين الدولارات تمتد حتى عام 2028 لتحدّي منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين والمرشحين المرتبطين باليسار الاشتراكي. ولا يُمكن تجاهل وجهة نظرهم ببساطة باعتبارها قلقاً مؤسسياً. فالناخبون في انتخابات الحزب الديمقراطي التمهيدية لا يتفقون تماماً ونوعية الناخبين الذين يتطلبهم الفوز في ولايات كبنسلفانيا وميشيغان وويسكونسن وجورجيا وأريزونا. إن الأحزاب تختار عادة مرشحين يمكنهم أن يثيروا حماس النشطاء؛ ولكنهم بالنهاية يخسرون انتخابات كان من الممكن الفوز بها. وقد تعلم الجمهوريون هذا الدرس خلال سنوات انتشار حركة حزب الشاي، عندما فاز المتمردون بترشيحات مجلس الشيوخ في عدة ولايات؛ ولكنهم خسروا في نهاية المطاف بنوفمبر.

ومع ذلك، فإن هزيمة المرشحين المتمردين لم تحل المشكلة الأكبر التي تواجهها المؤسسة الجمهورية. فصحيح أن قادة الحزب الجمهوري قد تمكنوا من احتواء بعض عناصر حزب الشاي بحلول منتصف العقد الماضي، إلا أنهم أبداً لم يستعيدوا السلطة التي أضر بها التمرد. أما ترامب، فقد كان مختلفاً؛ إذ إنه لم يكن مجرد سياسي تقليدي في حزب الشاي، ذلك أن مواقفه بشأن التجارة، والإنفاق على برامج الاستحقاقات، والتدخل الأجنبي قد انتهكت عناصر هامة من عقيدة المحافظين؛ ولكنه كان يمتلك في الوقت نفسه ما هو أكثر فائدة من البرنامج السياسي لحزب الشاي ألا وهو: ناخبين جمهوريين اعتادوا الشك في قادتهم. فلسنوات عديدة، كان الناخبون المحافظون يسمعون أن الجمهوريين في واشنطن ما هم إلا حفنة من الجبناء والخونة والرأسماليين الذين يزعمون أنهم يعارضون الرأسمالية. أما ترامب فقد قدّم نفسه كشخص لا يدين لكل هؤلاء بشيء.

ينبغي أن يثير هذا النمط قلق قادة الحزب الديمقراطي أكثر مما يثيره عدد أعضاء الحزب الديمقراطي الاشتراكي الذين يترشحون للكونغرس. فقد أظهرت استطلاعات الرأي مراراً وتكراراً استياء وإحباط الناخبين الديمقراطيين من قادتهم ومطالبتهم بمقاومة أقوى لترامب. إن التكتيكات البرلمانية التي كانت تهمّ في السابق المتخصصين في واشنطن بالمقام الأول أصبحت بمثابة اختبار حقيقي للأعصاب. وينظر الناشطون إلى المماطلات السياسية والتسويات المتعلقة بالتشريعات كدليل على إدراك ممثليهم لكيفية استخدام السلطة السياسية. فما يعتبره عضو مجلس الشيوخ تسوية أو حلاً وسطاً لا مفر منه قد يبدو بالنسبة للناخب شيئاً مختلفاً تماماً ما كان أعضاء الحزب الآخر ليقدموا على مثله أبداً.

إن الصورة الأيديولوجية أكثر تعقيداً مما يوحي به الخطاب المحيط بالحرب الأهلية الديمقراطية والصراع الداخلي بين الديمقراطيين. فنرى أن استطلاعات الرأي التي أجرتها منظمة “الطريق الثالث” تُظهر أن ناخبي الحزب الديمقراطي في الانتخابات التمهيدية أكثر اعتدالاً بكثير مما يدّعيه الجمهوريون، مع وجود طلب قوي على القادة الذين يتمتعون بالمصداقية والاستعداد للمواجهة. ولا يوجد تناقض بين رغبة الناخبين في فرض قوانين أكثر صرامة بشأن الهجرة أو اتباع نهج أقل أيديولوجية في التعامل مع الجريمة، وفي الوقت نفسه رغبتهم في سياسي مستعد لمواجهة ترامب بقوة. إن الميل السياسي والتفضيلات السياسية لا يتوافقان دائماً معاً، وقد استغل ترامب هذا التباين بين الجمهوريين بشكل أفضل من أي سياسي آخر من جيله.

لا شك أن ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز ستكون حاضرة بقوة في حسابات ما سيحدث لاحقاً؛ فهي تتمتع بمكانة وطنية رفيعة، وشبكة تبرعات قوية، وجاذبية بين الأجيال المختلفة تؤهلها للمنافسة على أصوات الناخبين الذين كانوا محتشدين ذات يوم خلف ساندرز. بالإضافة إلى أن مواقفها الأخيرة أكدت أهمية الطبقة العاملة والوحدة الديمقراطية؛ مما يشير إلى إدراكها بأن الائتلاف الوطني لا يمكن بناؤه بالكلية حول الحرب الأيديولوجية الداخلية للحزب. ومن غير المرجح أن تنفرد بهذه المنطقة لنفسها إذا ما سعت للرئاسة. وقد يحاول العديد من المرشحين استمالة جزء من تحالف ساندرز، وفي نهاية المطاف قد يساعد الميدان المزدحم عضواً في مجلس الشيوخ ذا توجهات يسارية وسطية. لقد أدرك الجمهوريون مخاطر التشرذم في عام 2016، عندما قام معارضو ترامب التقليديون بتقسيم الناخبين فيما بينهم حتى أصبح إيقافه أمراً مستحيلاً.

سيكون شهر نوفمبر الاختبار الأمثل في ولاية ميشيغان؛ ففوز السيد على الجمهوري مايك روجرز سيمنح التقدميين دليلاً لطالما افتقدوه: فوز كبير على مستوى الولاية في ساحة تنافسية حقيقية. إن الأداء القوي لمرشحين مماثلين في أماكن أخرى سيُصعب على الديمقراطيين الوسطيين حسم كل جدال بالاستناد للقدرة على الفوز بالانتخابات. وستكون الخسائر بنفس القدر من الأهمية. فالهزائم في السباقات التي يعتقد الديمقراطيون أنه كان ينبغي لهم الفوز بها من شأنها أن تتبع اليسار في الانتخابات التمهيدية الرئاسية وتعزز كل تحذير معتدل حول الفرق بين الفوز بالحزب والفوز بالبلاد.

وتقدم ولاية ويسكونسن اختباراً آخر. فقد أُجبرت حملة فرانشيسكا هونغ لمنصب الحاكم بالولاية على مواجهة العديد من الأسئلة التي أثارها كل من ممداني وعبدول السيد. وسيساعد أداؤها على إظهار ما إذا كان الحماس المحيط باليسار هو انعكاس لتحول دائم في تصويت الديمقراطيين، أم هو مجرد سلسلة من الانتصارات الناتجة عن ظروف محلية مواتية بشكل استثنائي. لا توجد إجابة شافية مقنعة حتى الآن؛ ولهذا السبب فإن التصريحات الواثقة بشأن سيطرة الاشتراكيين أو تعافي المؤسسة السياسية تُعد سابقة لأوانها.

إن الحزب الديمقراطي في عام 2026 يحمل القليل من التشابه التنظيمي مع الحزب الجمهوري في عام 2010. ومع ذلك، فقد فقدت قيادته القديمة بعضاً من السلطة التي كانت تمارسها سابقاً على الترشيحات والمال وحدود السياسة المقبولة. وقد كشف ساندرز عن هذا الضعف دون تحدي المؤسسة الحاكمة. وأظهرت أوكاسيو-كورتيز كيف يمكن استغلال هذه النقطة في السياسة البرلمانية. ووجد ممداني مفردات اقتصادية جذابة تتجاوز النشطاء الأيديولوجيين. ونقل عبدول السيد هذا النقاش إلى ولاية لا يمكن للديمقراطيين تحمل خسارتها.

إن ما سيحسم الأمر برمته ويحدد إذا ما كانت كل تلك الخطوات ستؤدي إلى إعادة تنظيم مستمرة فعّالة هو الناخبون أنفسهم، والذين لم يحضروا قط اجتماعاً لمنظمة الاشتراكيين الديمقراطيين ولا يكترثون كثيراً بالجدل حول المعنى الدقيق للاشتراكية الديمقراطية. وتقدم حركة حزب الشاي تحذيراً مفيداً هنا. فقد تلاشت؛ ومع ذلك واصل الناخبون الجمهوريون التحرك ضد المؤسسة التي هاجمتها الحركة؛ ومن ثم لم تعد الثورة بحاجة إلى اسم حزب الشاي بحلول الوقت الذي ظهر فيه ترامب.

لم يصل الديمقراطيون إلى تلك النقطة بعد، وربما لن يصلوا إليها أبداً. فما يواجهونه هو جمهور ناخبين فيه كتلة أساسية تشك فيما إذا كان الأشخاص الذين أداروا الحزب قبل فترة ترامب مؤهلين ومجهزين للسياسة التي ابتكرها ترامب؛ وقد أدى هذا الشك إلى فوز السيد في الانتخابات التمهيدية في ميشيغان. وسوف يُظهر شهر نوفمبر إلى أي مدى يمكن أن تصل شعبية الناخبين الديمقراطيين خارج نطاق الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي.

” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”

 


اترك تعليقاً