بقلم: محمد خلفان الصوافي
كاتب إماراتي
محظوظ؛ لمن تُتاح له الفرصة ليشرح أسباب نجاح السياسة الخارجية لدولة الإمارات في ظل المتغيرات. ومحظوظ لو أتيحت له المساحة ليروي القصة التنموية المبهرة لهذه الدولة المبهرة في مكان مثل معرض أبو ظبي الدولي للكتاب ملتقى المثقفين الإماراتيين السنوي الذي يختتم فعالياته اليوم الجمعة الموافق 18 سبتمبر بعد أسبوع حافل من الأنشطة الفكرية.
فقد كنتُ واحداً من هؤلاء المحظوظين في الحديث عن الإمارات ولأكون بجانب الكاتبين والمحللين السياسيين؛ عبدالعزيز المعمري، وعبداللطيف المناوي واحد من المصريين (الكثيرين) المحبين لدولة الإمارات؛ ولم تكن مهمة الحديث إنجازات الإمارات سهلة كما ربما يعتقد البعض فهي تحتاج إلى تركيز وانتباه كبيرين لاختيار الزاوية المناسبة وإلا سيتوه المتحدث في الكم الكبير من هذه الإنجازات.
وفق مركز المستقبل للدراسات والأبحاث المتقدمة أبوظبي في اختيار عنوان ندوته: “الإمارات كقوة مؤثرة في عالم وإقليم متغير” لسببين اثنين. السبب الأول: جاء مواكباً لـ “زيارة دولة” التي قام بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة “حفظه الله” إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية؛ وكأن مركز المستقبل لا يريد أن تنتهي الزيارة دون أن يشارك أكبر قدر من الإماراتيين قراءته السياسية لدلالات هذه الزيارة التي لاقت اهتماماً دولياً كبيراً.
السبب الثاني: المدخل الاقتصادي لمناقشة هذا الثبات في السياسة الخارجية الإماراتية؛ حيث برع الدكتور عبدالرحمن الشميري مدير الجلسة في صياغة أسئلته وبدا قارئاً جيداً ومتابعاً للمبدأ الثالث من المبادئ العشرة للخمسين عام القادمة التي أُعلنت في 9 أكتوبر 2021. فقد دارت أسئلة المحاور الأربعة حول الاقتصاد كمحرك للسياسة الخارجية الإماراتية.
من بين الأسئلة التي طرحها الشميري رئيس تحرير صحيفة الوطن الإماراتية لي كان: كيف استطاعت دولة الإمارات أن تكون مؤثر ة في البيئة الدولية والإقليمية المتغيرة؟
لخصتُ إجابتي لهذا السؤال المهم جداً في ثلاثة عوامل رئيسية. ولكن بلا شك هناك تفاصيل كثيرة لا يسمح الوقت لسردها كلها.
العامل الأول، اقتبسته من إجابة سابقة للدكتور عبدالعزيز المعمري وهي: بفضل رؤية القيادة الرشيدة لدولة الإمارات، واستشرافها للمستقبل، استطاعت الدولة أن ترسّخ نهجاً تنموياً يقوم على التخطيط الاستراتيجي، والاستثمار في الإنسان، ومواكبة التحولات العالمية، بما عزز مكانتها وقدرتها على تحقيق إنجازات نوعية في مختلف المجالات.
وفي موضوع نقاشنا، أدركت القيادة الرشيدة والحكيمة لدولة الإمارات مبكراً أن النظام الدولي الجديد، الذي تبلورت ملامحه في تسعينيات القرن الماضي، يفرض على الدول تنويع خياراتها وشراكاتها، وعدم حصر تحركاتها ضمن إطار علاقة دولية واحدة. ومن هذا المنطلق، تبنّت الإمارات أدوات جديدة وفاعلة لتعزيز حضورها وتأثيرها، وفي مقدمتها الاقتصاد، ضمن نهج يقوم على استراتيجية «تصفير المشكلات»، بما يتيح توسيع دوائر التعاون وبناء شراكات متوازنة تخدم المصالح الوطنية، وهو نهج ينسجم مع عدد من مرتكزات النظرية الواقعية في العلاقات الدولية.
العامل الثاني وهو مرتبط بالعامل الأول حيث يوفر: الاستقلالية الاستراتيجية التي لا تعني التخلي عن الحلفاء التقليديين. وإنما تعني ببساطة أن تحتفظ الدولة بقدرتها على اتخاذ القرار وفقاً لمصالحها الوطنية. وهذه الممارسة السياسية أعطت دولة الإمارات مرونة التعامل مع كل الدول في العالم بمعيار واحد وواضح وهي مصلحة الإمارات أولاً. وهذا ما يجعل الحالة الإماراتية مثيرة للاهتمام. فعلى سبيل المثال الولايات المتحدة يمكن أن تكون شريكاً استراتيجياً في الأمن والدفاع والتكنولوجيا، والصين شريكاً اقتصادياً وتجارياً مهماً، والهند شريكاً استراتيجياً واقتصادياً، وأوروبا شريكاً في التكنولوجيا والصناعة والطاقة والاستثمار.
النقطة الأساسية في مسألة الاستقلال الاستراتيجي أن قوة الإمارات لا تكمن فقط في تعدد علاقاتها، وإنما في قدرتها على إدارة هذا التعدد دون أن تفقد استقلال قرارها.
العامل الثالث: تعدد أدوات القوة دولة الإمارات نجحت في بناء نموذج لدولة ذات تأثير يفوق محدداتها المادية والديموغرافية، ففي العلاقات الدولية، اعتدنا لفترة طويلة أن نقيس قوة الدول بحجم السكان، والمساحة الجغرافية، والقوة العسكرية، والموارد الطبيعية، وحجم الاقتصاد. وهذه العناصر ما زالت مهمة بالطبع، لكنها لم تعد وحدها كافية لتفسير لماذا تستطيع بعض الدول أن تمارس تأثيراً دولياً يفوق حجمها، بينما تمتلك دول أخرى موارد أكبر ولكن تأثيرها أقل.
اليوم، أصبحت قوة الدولة تتحدد أيضاً بقدرتها على بناء شبكة من العلاقات، وصناعة الشراكات، والتحرك الدبلوماسي، والاستثمار في التكنولوجيا، وبناء السمعة الدولية وهذه العوامل متوفرة في دولة الإمارات ويتم توظيفها بالشكل المناسب.
خلاصة إجابتي: أن قوة الدول لا تقاس فقط بقدرتها على التعامل مع الأزمات بعد وقوعها والتي تسمى في العلاقات الدولية “سياسة رد الفعل”، وإنما بقدرتها على استشراف التحولات، والاستعداد لها، وتحويلها إلى فرص وبالتالي فزيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة “حفظه الله” إلى ألمانيا جاءت في توقيت بالغ الأهمية، لتجسد نهجاً يقوم على استثمار الفرص، والبناء عليها بما يخدم المصالح المشتركة ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون.
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.