مُقامرة طهران: كيف يمكن أن تتحوَّل “ورقة هرمز” من “طوق نجاة” إلى “فخ استراتيجي”؟
ينص البند الخامس من “مذكرة التفاهم” الموقعة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، في 17 يونيو 2026، على أن تتخذ إيران ترتيبات لضمان المرور الآمن والمجاني للسفن التجارية بين الخليج العربي وبحر عُمان لمدة 60 يوماً، وأن تقوم إيران بإزالة العوائق التقنية والعسكرية وإزالة الألغام، وأن تجرى حواراً مع سلطنة عُمان، بشأن تحديد الإدارة والخدمات البحرية المستقبلية للمضيق، وذلك بالتنسيق مع دول الخليج الأخرى، بما يتماشى مع القانون الدولي.
ووفق خبراء القانون الدولي؛ فإن مضيق هرمز، يندرج تحت أنواع المضايق الطبيعية -أي التي ليست من صنع البشر مثل القنوات كقناة السويس على سبيل المثال- التي تخضع عموماً لقواعد القانون الدولي للبحار، وخاصة اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي تكفل ما يُسمّى بحق “المرور العابر”؛ أي المرور المجاني والسريع للسفن والطائرات عبر هذا النوع من المضايق، دون أي عوائق أو رسوم.
وبالعودة لمذكرة التفاهم، فقد نصَّت على فتح المضيق بشكل كامل وآمن ومجاني خلال الفترة المنصوص عليها على الأقل، إلا أن طهران فسّرت تلك المادة -وبشكل أحادي- بأن هذا “الفتح” لا يتم إلا عبر الحصول على إذن من السلطات الإيرانية، ومن خلال المسارات التي تحدّدها إيران، ومن يخالف ذلك، يعاقب بالعدوان؛ وهو ما جرى خلال الأيام الأولى من يوليو الجاري، وتحديداً يوم 7 يوليو عندما هاجمت القوات الإيرانية ثلاث سفن؛ كانت تحاول عبور المضيق.
أهمية استراتيجية:
بادئ ذي بدء، قد يكون من المفيد معرفة موقع مضيق هرمز وأهمية السيطرة عليه، في المخيال الاستراتيجي الإيراني؛ حتى يمكن محاولة فهم سلوكه تجاه هذه المسألة، ويمكن إجمال ذلك على النحو التالي:
- أداة للردع وتصدير الأزمة: ينظر النظام الإيراني إلى السيطرة على مضيق هرمز، ورغم مخالفتها لكل القوانين والأعراف الدولية كما ذكر آنفاً؛ بأنها أداة الردع الأنجع بالنسبة له في سياق الحرب مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، حتى إن مُستشار المرشد الإيراني محسن رضائي، قد وصف السيطرة على هرمز، في منتصف يوليو الجاري، بأنها “أقوى من عشرات القنابل الذرية”.
وينطلق ذلك من نظرة النظام الإيراني إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية، التي اندلعت صبيحة يوم 28 فبراير 2026، بأنها حرب تستهدف وجوده، وذلك بخلاف المواجهات الثلاث السابقة التي حدثت بين إيران وإسرائيل، في إبريل وأكتوبر 2024 وحرب الـ12 يوماً (في الفترة من 13 يونيو حتى 24 يونيو 2025)؛ حيث كانت واشنطن “داعمة” لإسرائيل فيها، وليست “شريكاً” مثلما حدث في الحرب الأخيرة، وفي ضوء محدودية القدرات العسكرية التقليدية للنظام الإيراني، بسبب العقوبات على توريد الأسلحة منذ عقود؛ فقد لجأ إلى أدوات غير تقليدية في محاولة لتحقيق الردع، كان على رأسها “ورقة هرمز”.
كما يبدو أن طهران قد هدفت، عبر توظيفها لورقة هرمز، إلى ربط أمنها بأمن العالم بأسره، في محاولة لما يمكن أن يوصف بـ”تصدير الألم”؛ بمعنى أنه -وفق هذا التصور- إذا تعرضت إيران لهجوم؛ فإنها ستقدم على إغلاق المضيق، بما يؤثر في اقتصادات دول العالم، من خلال تأثر إمدادات النفط والأسمدة والمواد الغذائية وغيرها.
- تعويض عن تراجع “النفوذ الإقليمي”: ترى طهران في السيطرة على مضيق هرمز، تعويضاً عن نفوذها الإقليمي الآفل، خاصة بعد الضربات القاصمة الأمريكية والإسرائيلية التي تعرض لها وكلاء إيران في المنطقة؛ حزب الله اللبناني والحوثيون في اليمن والمليشيات الولائية في العراق، في خضم الأحداث التي تلت 7 أكتوبر 2023، إضافة إلى خسارتها لنفوذها في سوريا بالكلية بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد.
إذ يعتقد النظام الإيراني، أن “خط الدفاع الأمامي” الذي يتمثل في الوكلاء في المنطقة، قد تآكل للدرجة التي سمحت للحرب أن تصل إلى الأراضي الإيرانية ذاتها، وهي المهمة التي أسس النظام الإيراني هذه المليشيات للحيلولة دون حدوثها؛ لذا لجأت طهران إلى ما تكفله لها الجغرافيا، عبر السيطرة على مضيق هرمز، مُستبدلة قوة -تدافع عنها- من بُعد (أي الوكلاء)، بقوة أخرى عند عتبتها (أي مضيق هرمز).
- ابتزاز لعدم تجدد الحرب وفرض العقوبات: يذكر المسؤولون الإيرانيون أن الهيمنة على إدارة مضيق هرمز، هي “ضمانة” لعدم تجدد الحرب ضد بلادهم، وينبع ذلك من أساس أن طبيعة الخلاف بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر، والذي بدأ منذ الثورة الإيرانية في 1979، قد تغير بالفعل؛ حيث انتقل من مرحلة إدارة الخلاف وحروب الظل، إلى مرحلة المواجهات العسكرية المباشرة.
يُضاف إلى ذلك، أن لدى الإيرانيين فقدان ثقة كبير في أن تلتزم واشنطن -أو تل أبيب- بأي اتفاقات قد تعقد حتى لو نصت على “عدم تجدد الاعتداء”؛ ومن ثم فإن تجدد الحرب أصبح جزءاً من المخيال الاستراتيجي والشعبي لدى الإيرانيين، ووفق هذا التصور؛ فإن النظام يعتبر “ورقة هرمز”، كفيلة بعدم تجدد الحرب أو رفع كُلفتها على أقل تقدير.
بل ترى بعض الأوساط الرسمية في إيران، أن امتلاك السيطرة على مضيق هرمز، سوف يضع حداً لفرض عقوبات مُستقبلاً على طهران، على أساس أن من يقوم بفرض عقوبات على إيران، أو من يلتزم بتلك العقوبات؛ سوف يُحرم من العبور في المضيق، وفق رؤيتها. كما أشارت بعض تلك الأوساط -ومنهم نائب رئيس البرلمان الإيراني علي نيكزاد- بأنه لن يُسمح لسفن “الدول المعادية” عبور المضيق إلا بعد دفع “تعويضات الحرب”” كشرط أساسي للحصول على تصريح يسمح لها بعبور المضيق.
- رافعة تفاوضية بديلة: ترى طهران أن “ورقة هرمز”، ربما تكون أهم أوراقها في التفاوض مع الولايات المتحدة، وذلك بعد تراجع دور أوراقها الأخرى مثل البرنامج النووي، والذي تعرض لضربات لا تبدو هينة خلال حرب الـ12 يوماً، وكذلك نفوذها الإقليمي كما سبقت الإشارة.
إذ يعتبر النظام الإيراني أن الضغط بواسطة ورقة المضيق؛ من شأنه أن يحسّن شروط التفاوض مع الولايات المتحدة، ويجعلها -أي إيران- تقدّم تنازلات أقل، وتحصل على مكاسب أكبر، بل ينظر البعض إلى أن إثارة طهران لأزمة مضيق هرمز؛ تهدف لتشتيت الانتباه عن القضية الأساسية، التي يفترض أن تكون الحرب قد اندلعت من أجلها، وهي قضية البرنامج النووي؛ بحيث أصبح جُل الحديث منصباً على أزمة المضيق، وليس البرنامج النووي.
- ادّعاء النصر و”التأميم الجديد”: رغم ما تعرضت له إيران من خسائر فادحة، سواء على مستوى القدرات العسكرية أو البنية التحتية أو كبار القيادات؛ فإن لدى جزء من نخبتها شعور مزعوم بالنصر، وهذا البعض يرى أن السيطرة على مضيق هرمز هو أحد غنائم هذا “النصر” وفق تصورهم، وقد كرّر المسؤولون الإيرانيون هذا الزعم، ومنهم على سبيل المثال، مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي، الذي صرّح في 15 يوليو 2026، بأن “مضيق هرمز صار خاضعاً لسيادتنا بقرار من المرشد كإنجاز لحرب الـ40 يوماً”.
كما صوّر بعض المسؤولين الإيرانيين، ومنهم رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إبراهيم عزيزي، السيطرة على هرمز، بأنها “تأميم نفط جديد”، في استدعاء لحركة تأميم النفط الإيراني عام 1951، التي قام بها رئيس الوزراء الإيراني الأسبق محمد مصدق في عهد شاه إيران محمد رضا بهلوي.
توظيف إيراني:
بعد استعراض موقع مضيق هرمز في العقل الإيراني، يمكن الوقوف على بعض الإجراءات التي اتخذتها إيران؛ بهدف محاولة السيطرة على مضيق هرمز، وهي كلها تندرج تحت أعمال القرصنة البحرية ومحاولة مغلوطة لتغيير واقع المرور الآمن في المضيق الذي يكفله القانون الدولي:
- عسكرة المضيق وتعطيل الملاحة: منذ بداية الأيام الأولى لحرب الـ40 يوماً، قامت طهران بتعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، بل إنها استخدمت الأسلوب الأقصى في تعطيل الملاحة، وهو زراعة الألغام في مياه المضيق، إضافة إلى استهداف السفن والناقلات التي تحاول العبور بالزوارق السريعة ما يعرف عسكرياً باسم “أسطول البعوض”؛ ما أدى إلى شبة توقف لحركة العبور في المضيق. وينسجم هذا الأسلوب مع التغيرات التي حدثت في الداخل الإيراني، بعد سيطرة الحرس الثوري على كامل مفاصل السلطة والقرار في طهران.
ورداً على ذلك، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 3 مايو 2026، “مشروع الحرية” وهي عملية عسكرية لمرافقة وحماية السفن التجارية وتأمين عبورها مضيق هرمز، إلا أنها أُوقفت سريعاً؛ لإفساح المجال للمسار التفاوضي. وجرت محاولات أخرى بعد ذلك لفتح المضيق، ومنها الهجمات العسكرية، التي تشنها الولايات المتحدة، منذ 7 يوليو الجاري، رداً على اعتداء إيران على ثلاث سفن تجارية.
- مأسسة داخلية لإدارة المضيق: في إطار محاولته فرض أمر واقع مغلوط على المضيق، لجأ النظام الإيراني إلى اتخاذ عدد من الخطوات التنظيمية؛ ومنها الإعلان عن إنشاء “هيئة إدارة مضيق هرمز”، في 18 مايو 2026، باعتبارها الهيئة المسؤولة عن إدارة وتنظيم حركة الملاحة في مضيق هرمز، مع إلزام السفن بالتنسيق المسبق والحصول على إذن تصاريح العبور، والحصول على رسوم، وقد أعلنت الولايات المتحدة فرض عقوبات على الهيئة بعد أيام من الإعلان عن تأسيسها.
يُضاف إلى ذلك، تقديم مشروع قانون بشأن مضيق هرمز في البرلمان الإيراني، خلال يوليو 2026، بعنوان “الإجراء الاستراتيجي لضمان أمن مضيق هرمز والخليج وتحقيق التنمية المستدامة فيهما”، ينص على منع عبور أي سفينة مرتبطة بإسرائيل، ومنع سفن الدول التي يصنفها مجلس الأمن القومي “معادية”، ومنع أو تقييد سفن الدول التي تفرض عقوبات على إيران، واشتراط استخدام “التسمية الإيرانية للخليج” في وثائق الملاحة والبيانات الرسمية، والحصول على تصاريح وأذون مسبقة، وإلزام دفع الرسوم بالريال الإيراني، وإلزام الدول التي تعتبرها إيران شاركت في الحرب بـ”دفع تعويضات”، ومنح القوات المسلحة صلاحية تفتيش بعض السفن المشكوك في أمرها، وإمكانية مصادرة ما يعادل 20% من حمولة السفينة عند مخالفة الأحكام، وتخصيص الإيرادات للدفاع وإعادة الإعمار ودعم معيشة المواطنين.
- فشل التنسيق مع الجانب العُماني: سعت إيران إلى محاولة استقطاب سلطنة عُمان إلى جانبها، وتأكيد أن مضيق هرمز خاضع لسيطرة الدولتيْن المتشاطئتيْن له، وهما إيران وسلطنة عُمان.
إلا أن عُمان قد أكدّت أكثر من مرة، ضمان حرية المرور العابر والآمن والمجاني لكافة السفن، وقد تقدمت بذلك في مقترح، عندما زار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مسقط، في 11 يوليو 2026، ونص هذا المقترح على فتح الممر الجنوبي -الذي تسيطر عليه عُمان- بشكل كامل، إلا أن إيران رفضت هذا المقترح، وأصرت على إغلاق كامل للمضيق، وقامت بالاعتداء على سفن مرتبطة بدول المنطقة؛ ما أدى إلى تجدد الهجمات الأمريكية على إيران لإضعاف سيطرتها على المضيق.
تداعيات مُحتملة:
يترتب على الإجراءات التي تتخذها إيران بشأن محاولة السيطرة على مضيق هرمز، عدد من التداعيات، يمكن تسليط الضوء على أبرزها على النحو التالي:
- فشل التفاهم: تبدو طهران تقامر بمسار التفاهم مع الولايات المتحدة برمته؛ نتيجة لإصرارها على السيطرة “الأحادية” على مضيق هرمز، وقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 7 يوليو 2026، انتهاء العمل بمذكرة التفاهم، بعد اعتداء إيران على ثلاث ناقلات نفطية في هذا التاريخ، كما سبقت الإشارة، ومنذ ذلك الوقت صعّدت واشنطن عسكرياً؛ مستهدفة قدرات عسكرية إيرانية على طول الساحل الإيراني الممتد من ميناء تشابهار في محافظة سيستان بلوشستان (جنوب شرق إيران)، حتى محافظة خوزستان في غرب إيران على الخليج العربي، إضافة إلى أهداف في العمق الإيراني في محافظات مثل كرمان وگلستان وغيرهما.
كما أسفرت الممارسات الإيرانية -المخالفة لبنود مذكرة التفاهم خاصة البند الخامس- عن إعلان واشنطن إعادة فرض الحصار الاقتصادي البحري على إيران (الذي كان قد رُفع بموجب البند الرابع من مذكرة التفاهم)، وأعادت الولايات المتحدة أيضاً الحظر المفروض على تصدير النفط ومنتجات البتروكيماويات الإيرانية (والذي كان قد رُفع بموجب المادة العاشرة من المذكرة)، إضافة إلى انهيار التفاهم حول حصول إيران على جزء من أموالها المجمدة (المذكور في البند الحادي عشر من المذكرة).
ولا شك أن النظام الإيراني بحاجة ماسة إلى التوصل لاتفاق يرفع نير العقوبات التي أرهقت كاهل الإيرانيين، في ضوء التخوف من تجدد الاحتجاجات في الشارع، بعد انتهاء مرحلة اللاحرب واللاسلم الراهنة؛ إذ يفترض أن النظام على موعد مع “كشف حساب” مع الشارع، بعد انتهاء تلك المرحلة لتقييم كل ما حدث.
- الاختناق الاقتصادي الذاتي: أسفر تعطيل إيران الملاحة في مضيق هرمز، عن إعلان واشنطن فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، كما سبقت الإشارة؛ وهو أمر بالغ التأثير في تصدير إيران لنفطها واستقبال وارداتها التجارية، ووفق خبراء الطاقة، فإن الحصار البحري الأمريكي على إيران؛ سيؤدي إلى توقف كبير لتصدير النفط، وامتلاء القدرات التخزينية؛ الأمر الذي يُجبر طهران على إغلاق آبار النفط لوقف الإنتاج، وهو أمر بالغ الخطورة يتسبب في تضرر دائم لآبار النفط، ويحد من أي قدرة على معاودة الإنتاج بشكل طبيعي، وقد حدث ذلك جزئياً في الحصار البحري الذي فُرض على إيران، في 13 إبريل 2026، قبل توقيع مذكرة التفاهم في 17 يونيو من نفس العام.
صحيح أن طهران تُجيد الالتفاف على العقوبات المفروضة على نفطها وجزء من تجارتها، باستخدام بعض الممرات البحرية والبرية، إلا أن الهجمات الأمريكية الأخيرة (التي بدأت في 7 يوليو الجاري) تعمّدت استهداف خطوط للسكك الحديدة التي تربط إيران بروسيا ودول آسيا الوسطى والصين، مثل جسر “آق تكيه خان” في محافظة گلستان (شمال شرق)، وكذلك استهداف ميناء تشابهار، وهو الميناء الإيراني الوحيد المطل مباشرة على المحيط الهندي، ويقع في محافظة سيستان وبلوشستان (جنوب شرق)، إضافة إلى التركيز على مهاجمة الموانئ الإيرانية النفطية المهمة على سواحل الخليج العربي مثل بندر عباس وجاسك وجزيرتي خارك وقشم وغيرهم. كما أن باقي المنافذ البرية والبحرية لا تغطي سوى نسبة ضئيلة من القدرات التصديرية والتوريدية لإيران، وفق تقارير عديدة.
- اصطفاف دولي وإقليمي: لا شك أن استمرار تعطيل إيران الملاحة في مضيق هرمز، سوف يضر بدول العالم كافة اقتصادياً؛ نتيجة لتأثيرات ذلك المباشرة في سلاسل النقل والإمداد؛ ومن ثم فإذا ما كانت بعض الأطراف في خانة “تفهُّم” الموقف الإيراني من تعطيل الملاحة في المضيق، كأحد أدوات الردع لمواجهة الحرب الأمريكية والإسرائيلية عليها، فمن غير المُحتمل أن يستمر هذا “التفهُّم” إلى أمد أبعد؛ نتيجة للتضرر الاقتصادي من ناحية، ومن ناحية أخرى نتيجة لفقدان “الذريعة” التي كان يمكن أن تُساق لتبرير تعطيل المضيق، ويأتي على رأس هذه الدول الصين؛ وهي المستفيد الأول من حرية الملاحة في مضيق هرمز، وأيضاً الدول الأوروبية وروسيا، وأطراف إقليمية عديدة، إضافة إلى ما يسفر عنه استمرار تعطيل الملاحة من منح “شرعية” للهجمات التي تشنها الولايات المتحدة ضد إيران، حتى من تلك الدول التي كانت ترى أن تلك الحرب “غير شرعية”.
- تسريع إيجاد بدائل لهرمز: في ضوء توظيف مضيق هرمز، أداة للابتزاز، في التوترات التي نشبت بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وهو أمر قد يتكرر مع أي تجدد للتوترات، فقد لجأت بعض الأطراف الإقليمية والدولية إلى إيجاد بدائل لمضيق هرمز؛ تضمن لها استدامة تدفق الإمدادات النفطية والغذائية وغيرها.
ومن هذه البدائل، تسريع الاستثمار في إنشاء خطوط أنابيب متجهة إلى البحر الأحمر وبحر عُمان، وكذلك بناء مخزونات استراتيجية خارج الخليج، وتنويع مصادر النفط والغاز، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، ورغم كونها لا تستطيع -في المدى القصير- استبدال مضيق هرمز بشكل كامل؛ فإنها على المدييْن المتوسط والبعيد، قد تُفقد مضيق هرمز، قيمته باعتباره ممراً دولياً استراتيجياً.
خاتمة، يبدو أن إصرار النظام الإيراني على تحويل مضيق هرمز من ممر ملاحي دولي تحكمه القوانين والأعراف الدولية منذ القدم، إلى “أداة ضغط” لتصفية الحسابات؛ يمثل مقامرة شديدة الخطورة؛ إذ يجعله في مواجهة مفتوحة ليس فقط مع الولايات المتحدة وإنما حتى مع أصدقائه والمجتمع الدولي بأسره.
كما أسفر السلوك الإيراني في مضيق هرمز عن انهيار التفاهمات الأخيرة، والعودة سريعاً إلى مربع الضربات العسكرية والحصار البحري؛ ما يزيد من النزيف العسكري والاقتصادي لإيران، رغم أنها خرجت من الحرب الأخيرة أصلاً مدماة، إضافة إلى أن هذا السلوك قد يفرغ تلك الورقة التي تتشبث بها إيران، ويحولها من “طوق نجاة” كما تعتبره إلى “فخ استراتيجي”.
” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.