التحوط الجيوسياسي: كيف أعادت قمة ملبورن تشكيل الشراكة الهندية الأسترالية؟
تعكس نتائج القمة السنوية الثالثة بين الهند وأستراليا، التي استضافها رئيس الوزراء الأسترالي، أنتوني ألبانيز، في مدينة ملبورن، بمشاركة رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، خلال زيارته إلى أستراليا في الفترة من 8 إلى 10 يوليو 2026؛ تحولاً نوعياً في طبيعة العلاقة الثنائية بين البلدين. فقد انتقلت هذه العلاقة من إطار التعاون التجاري والتنسيق السياسي التقليدي إلى شراكة متعددة المجالات تشمل الطاقة النووية المدنية، والدفاع والأمن البحري، والمعادن الحيوية والتكنولوجيا والفضاء.
كما يجسد هذا التقارب الهندي الأسترالي تطبيقاً عملياً لاستراتيجية “التحوط عبر تعدد الخيارات”، التي تسعى من خلالها كل من نيودلهي وكانبرا إلى توسيع هامش المناورة الاستراتيجية وتقليل التعرض لتقلبات البيئة الدولية في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم.
محركات استراتيجية:
جاءت قمة ملبورن بين الهند وأستراليا في لحظة تتقاطع فيها ثلاثة متغيرات رئيسية، هي:
1- تنامي القدرات العسكرية الصينية واستعراضها، فقد أجرت البحرية الصينية، في 6 يوليو الجاري، تجربة إطلاق صاروخ بالستي بعيد المدى مزود برأس حربي وهمي، من غواصة تعمل بالطاقة النووية باتجاه جنوب المحيط الهادئ، في ثاني تجربة من نوعها في المياه الدولية بعد تجربة سبتمبر 2024. وقد أدانت أستراليا ونيوزيلندا هذه التجربة، كما أكد وزير الخارجية الهندي، فيكرام ميسري، أن كانبرا أبلغت نيودلهي بمخاوفها منها. وعلى الرغم من أن بيان قمة ملبورن لم يشر صراحة إلى بحر الصين الجنوبي، على خلاف بيان القمة الأولى عام 2023؛ فإن توقيت التجربة الصينية منح المباحثات خلفية استراتيجية لا يمكن تجاهلها.
2- تراجع درجة اليقين بشأن الالتزام الأمريكي بأمن المنطقة، إلى جانب فتور الزخم المحيط بالحوار الأمني الرباعي “كواد” بين الولايات المتحدة واليابان والهند وأستراليا، وما أثاره تنامي الاتجاه نحو التفاهم الثنائي الأمريكي الصيني بصيغة “مجموعة الاثنين” من مخاوف لدى القوى الآسيوية المتوسطة، ولا سيّما فيما يتعلق بتضييق هامش حركتها الاستراتيجية.
3- هشاشة سلاسل الإمداد وطرق التجارة العالمية، وهو ما تجسد في اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز نتيجة اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية منذ 28 فبراير الماضي، ثم تجدد الضربات العسكرية بين واشنطن وطهران بالتزامن مع انعقاد قمة ملبورن. كما برزت الهيمنة الصينية على إنتاج المعادن الحيوية ومعالجتها باعتبارها عاملاً إضافياً عزز اهتمام الهند وأستراليا بتنويع مصادر الإمداد.
شراكة متنامية:
تتعدد مجالات الشراكة الاستراتيجية الهندية الأسترالية وفق مخرجات قمة ملبورن، لتشمل ما يلي:
1- التعاون النووي المدني: شكّل استكمال الترتيبات الإدارية اللازمة لتفعيل اتفاقية التعاون النووي المدني الموقعة عام 2014، والنافذة منذ عام 2015، أبرز مخرجات قمة ملبورن. ومن الناحية القانونية، لا يمثل هذا الترتيب اتفاقية نووية جديدة، وإنما يحول الاتفاق القائم إلى مسار قابل للتنفيذ التجاري؛ مما يسمح للشركات الخاصة في البلدين بإبرام عقود توريد اليورانيوم الأسترالي إلى الهند، حصراً للأغراض السلمية، وتحت ضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وتتضح أهمية الاتفاق عند وضعه في سياق استراتيجية الهند لتنويع مصادر إمدادات اليورانيوم. فقد وقعت شركة “كازاتومبروم” الكازاخستانية، أكبر منتج لليورانيوم في العالم، اتفاقية توريد مع إدارة الطاقة الذرية الهندية في فبراير 2026، تلتها في مارس من العام نفسه اتفاقية طويلة الأجل مع شركة “كاميكو” الكندية لتوريد نحو 22 مليون رطل من مركزات خام اليورانيوم خلال الفترة 2027–2035، بقيمة تناهز 1.9 مليار دولار أمريكي؛ ومن ثم يوسع الاتفاق مع أستراليا قاعدة موردي اليورانيوم للهند، ويعزز قدرتها على التحوط ضد تقلبات الأسواق والاضطرابات الجيوسياسية.
ومن المنظور الأسترالي، فإن الحساب الاقتصادي وحده لا يفسر القرار. فبالرغم من امتلاك أستراليا نحو 28% من موارد اليورانيوم العالمية؛ فإن صادراتها لا تمثل سوى نحو 6.7% من الاحتياجات العالمية، بفعل القيود المفروضة على التعدين والتصدير. ويمكن القول إن القيمة السياسية والرمزية لهذا الاتفاق تتجاوز أهميته التجارية؛ إذ يزيل إحدى العقبات التي حالت دون تحول العلاقة إلى شراكة استراتيجية متكاملة، كما يعزز مكانة أستراليا بوصفها مورداً موثوقاً لقوة آسيوية صاعدة.
ويكتسب هذا التحول في السياسة الأسترالية دلالة أخرى، فقد ظلت كانبرا تقصر صادرات اليورانيوم على الدول المنضمة إلى معاهدة عدم الانتشار النووي، وربط رئيس الوزراء الأسترالي الأسبق، جون هوارد، عام 2007، تصدير اليورانيوم إلى الهند بإبرام الاتفاقية النووية المدنية الأمريكية الهندية التي كانت قيد التفاوض آنذاك. بيد أن العلاقة الهندية الأسترالية اكتسبت لاحقاً ديناميكية مستقلة، ولم يعد استقرار العلاقة بين نيودلهي وواشنطن شرطاً لازماً لتطورها؛ وهي نقطة تعكس مستوى متقدماً من نضج الشراكة بين البلدين.
ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الهند ليست طرفاً في معاهدة عدم الانتشار النووي، ويرى أنصار التطبيق الصارم للقواعد أن توسيع التعاون النووي مع دولة خارج المعاهدة يثير تساؤلات بشأن اتساق المعايير، ويخشون أن تتحول الاعتبارات الجيوسياسية إلى عامل موازٍ للمعايير القانونية، أو متفوق عليها. وفي المقابل، يذهب مؤيدو الاتفاق بين الهند وأستراليا إلى أن إدماج الدول الملتزمة بالاستخدامات السلمية والخاضعة لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أكثر فاعلية من عزلها؛ وهو ما يفسر أيضاً تجديد الدعم الأسترالي لانضمام الهند إلى مجموعة موردي المواد النووية.
2- الدفاع والأمن البحري: يمثل التعاون الدفاعي المؤشر الأبرز على انتقال العلاقة بين الهند وأستراليا من التنسيق إلى المأسسة. فمنذ رفع العلاقة بين البلدين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2020؛ أضيفت إليها روافع مثل الحوار الوزاري بصيغة “2+2″، واتفاقية الدعم اللوجستي المتبادل، وترتيبات التزود بالوقود جواً؛ وصولاً إلى مستوى من التوافق العملياتي لا تتقاسمه الهند إلا مع عدد محدود من الدول.
وأضافت قمة ملبورن إلى هذا التراكم المزيد من الآليات، مثل الحوار الثنائي بين وزيري الدفاع الهندي والأسترالي، وزيادة التدريبات المشتركة، وربما تمثلت الخطوة الأبرز في هذا المسار في الإعلان عن “ممر الابتكار الدفاعي” الذي يربط الشركات الناشئة والمؤسسات الصناعية الدفاعية في البلدين، وينقل التعاون من مستوى التدريبات والتشغيل البيني إلى مستوى التطوير الصناعي والتكنولوجي المشترك.
ويمتد التعاون إلى المجال البحري، في ضوء اعتماد البلدين خارطة طريق جديدة تشمل تبادل المعلومات، وحماية طرق التجارة والملاحة، والتعاون في بناء السفن وإصلاحها، إلى جانب مذكرة تفاهم بين قيادة الحدود البحرية الأسترالية وخفر السواحل الهندي. وتعكس هذه الترتيبات مستوى الاهتمام بأمن الممرات البحرية.
3- المعادن الحيوية والتكنولوجيا والفضاء: اتفق الجانبان الهندي والأسترالي على تسريع مفاوضات اتفاقية التعاون الاقتصادي الشامل (CECA)، ومعاهدة الاستثمار الثنائية، بالبناء على المكاسب التي بدأت اتفاقية التعاون الاقتصادي والتجاري (ECTA) في تحقيقها. ويأتي ذلك مع التركيز على تطوير سلاسل القيمة الخاصة بالمعادن الحيوية، بما يشمل الاستثمار والاستخراج والمعالجة والتصنيع؛ ومن شأن الربط بين الموارد المعدنية الأسترالية والسوق والقاعدة الصناعية الهندية أن يؤسس لتكامل اقتصادي طويل الأجل يتجاوز منطق الصفقات الظرفية.
ويعزز هذا الاتجاه توسيع الشراكة من خلال توقيع الثلاثي رسمياً (الهند وأستراليا وكندا)، بالتزامن مع قمة ملبورن؛ مذكرة تفاهم لتأسيس الشراكة الثلاثية في التكنولوجيا والابتكار (ACITI)، لتغطي التقنيات الناشئة، والذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة، والمعادن الحيوية، وتنويع سلاسل الإمداد.
وفي إطار التعاون في مجال الفضاء، ستدعم أستراليا برنامج “غاغانيان” الهندي؛ حيث أُعلن عن إنشاء محطة تتبع مؤقتة في جزر كوكوس؛ ما ينقل التعاون إلى مستوى البنية التحتية الاستراتيجية.
في المحصلة، تؤكد نتائج قمة ملبورن أن العلاقات الهندية الأسترالية انتقلت من مرحلة التقارب الحذر إلى الشراكة متعددة المجالات. ويعيد هذا الانتقال تعريف دور ووظيفية الشراكات الاستراتيجية في عالم متغير؛ فلم تعد هذه الشراكات أدوات اصطفاف في مواجهة خصوم بعينهم، وإنما أصبحت أدوات لتنويع الخيارات، وبناء القدرة على الصمود في مواجهة اختلالات توازن القوى والضغوط الاقتصادية والجيوسياسية.
” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.