تكاليف الحرب وعوائد السلام في الشرق الأوسط

الرئيسية مقالات
تكاليف الحرب وعوائد السلام في الشرق الأوسط

 

تكاليف الحرب وعوائد السلام في الشرق الأوسط

 

 

 

على مدى العقدين الماضيين، شهدت منطقة شمال إفريقيا وغرب آسيا موجة غير مسبوقة من الصراعات والتصعيدات العسكرية، مع وجود حروب متأججة وأخرى متفاقمة، مثلما هو الحال في ليبيا والسودان واليمن وجبهة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني (غزة والضفة الغربية) وسوريا ولبنان، إلى جانب التدخلات المباشرة وغير المباشرة من إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. ومن المتوقع أن تؤدي الحرب في إيران وما حولها إلى زيادة هذه الأرقام بشكل كبير، علماً أن هذه الخسائر والمصروفات لم تؤخذ في الاعتبار في التقديرات المقدمة هنا؛ حيث ما تزال الأحداث جارية والبيانات غير دقيقة أو غير موثقة.

وتمتد آثار موجات كل هذه الصراعات والتصعيدات لدول الخليج العربي والأردن والعراق من خلال تدفقات اللاجئين لهم ولمصر وشمال إفريقيا، وتقلب أسعار النفط، والتهديدات الأمنية. ولهذه الصراعات والتصعيدات أيضاً خسائر بشرية واقتصادية مذهلة مع مقتل أو نزوح الملايين، وانهيار الاقتصادات، وتعطل التجارة، وتحول البنية الأساسية إلى أنقاض.

وقد حذرت الأمم المتحدة من أن الصراعات في الشرق الأوسط وحدها تكلف الاقتصاد العالمي ما يقرب من مليار دولار يومياً؛ بسبب الاضطرابات الإنسانية والتجارية وانقطاع إمدادات الطاقة. كما أوضحت التقييمات الأخيرة التي أجراها البنك الدولي، ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “الأونكتاد”، و”الإسكوا”، وغيرهم من المصادر الموثوقة أن عملية إعادة الإعمار ستستغرق وقتاً طويلاً وستكون مكلفة.

تُخلّف الحروب دماراً مادياً مباشراً إلى جانب خسائر غير مباشرة كارثية أخرى. ولكن البعد الأكثر إيلاماً للحروب هو تكاليفها البشرية. فعلى سبيل المثال، قُتل في غزة أكثر من 55 ألف فلسطيني منذ أكتوبر 2023، وأُصيب أكثر من 100 ألف آخرين. هذا، وتشهد الضفة الغربية هي الأخرى خسائر إنسانية متزايدة في الأرواح، ويواجه جميع السكان فقراً متعدد الأبعاد. وشهد لبنان أكثر من 3 آلاف قتيل و1.4 مليون نازح في التصعيد بين إسرائيل وحزب الله خلال الفترة من 2023 إلى 2024.

أما الحرب الأهلية في السودان (منذ إبريل 2023) فقد أودت بحياة نحو 150 ألف شخص، وشردت ما بين 12 و14 مليوناً آخرين، وخلقت أكبر أزمة جوع في العالم؛ حيث أثرت في 30 مليون شخص. وفي سوريا، أدى الصراع الطويل الأمد إلى مقتل مئات الآلاف من الأشخاص بشكل مباشر، بينما أدت الحرب في اليمن (التي اندلعت منذ عام 2015) إلى مخاطر المجاعة والنزوح الجماعي. وما تزال المعارك المتفرقة في ليبيا والمتأججة منذ عام 2011؛ تتسبب في خسائر فادحة بسبب عنف المليشيات وعدم الاستقرار.

وهكذا، وكنتيجة لكل هذه الصراعات في مختلف أنحاء المنطقة؛ يحتاج أكثر من 58 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية، في حين تعاني نداءات وطلبات المساعدات من نقص خطر في التمويل. فعلى سبيل المثال، لم يتم تمويل خطة اليمن لعام 2025 إلا بنسبة 19% فقط.

وبالإضافة لخسائر الحرب البشرية، فإنها تخلّف تداعيات اقتصادية حادة على الجميع. فعلى سبيل المثال، انكمش اقتصاد غزة بنسبة 83 إلى 87% تراكمياً خلال عامي 2023 و2024، وانخفض نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي إلى 161 دولاراً. وتراجع اقتصاد الضفة الغربية بنسبة 17%. وفي ظل استمرار الصراع، قد ينقص اقتصاد السودان بنسبة 32 إلى 42% عن مستويات عام 2022 بحلول نهاية عام 2025، مع تجاوز الخسائر بالفعل 26 مليار دولار في وقت مبكر من العام وانخفاض قطاعات مثل الصناعة بأكثر من 50%.

أما في اليمن، فقد انحدر نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي الفعلي بنسبة 58% منذ عام 2015، مع توقعات بانخفاض آخر بنسبة 1.5% بحلول عام 2025 وسط حصار صادرات النفط. وفي لبنان، هبط إجمالي الناتج المحلي بنسبة 7.1% في عام 2024 بسبب الصراع (مقارنة بالنمو المتوقع)؛ مما أسهم في انخفاض تراكمي بنحو 40% منذ عام 2019. وانخفض إجمالي الناتج المحلي الاسمي لسوريا من 67.5 مليار دولار في عام 2011 إلى نحو 21.4 مليار دولار في عام 2024 (مع انخفاض إجمالي الناتج المحلي الفعلي بنسبة 53% خلال الفترة من 2010 إلى 2022). وتجاوزت التكاليف التراكمية للنزاع في ليبيا منذ عام 2011 مبلغ 576 مليار دولار، ومن المحتمل أن ترتفع بمقدار 462 مليار دولار أخرى بحلول عام 2025؛ إذا لم يتم حل النزاع.

ومثلما أعقب الحرب انكماش اقتصادي حاد؛ فقد تركت دماراً مادياً كاسحاً بنفس القدر. فقد تكبدت سوريا خسائر مادية بقيمة 108 مليارات دولار (ثلث رأس المال قبل الصراع)، وكانت البنية التحتية هي الأكثر تضرراً (52 مليار دولار)، تليها المباني السكنية (33 مليار دولار) ثم المباني غير السكنية (23 مليار دولار). وسجل لبنان خسائر وأضراراً هيكلية بقيمة 6.8 مليار دولار، كان أبرزها قطاع الإسكان (4.6 مليار دولار).

وفي غزة، تعرضت البنية التحتية إلى دمار شامل، شمل المساكن والمستشفيات والمدارس والطرق وشبكات المياه والصرف الصحي؛ حيث تضررت أو دُمرت 80 إلى 90% من المباني. وتشمل الخسائر الأوسع نطاقاً فقدان الإنتاجية، وانهيار التجارة، وفقدان رأس المال البشري (انقطاع التعليم لملايين الأطفال، وانهيار النظام الصحي). وفي السودان، تشير تقارير السلطات إلى أن خسائر القطاع الصحي وحده قد بلغت 11 مليار دولار، مع انتشار أعمال النهب والتخريب على نطاق واسع.

للحرب تكاليف غير مادية كذلك تتسبب في تفاقم أزمات، مثل: التدهور البيئي (تسربات النفط في ليبيا، وانهيار القطاع الزراعي في السودان واليمن)، والتفكك الاجتماعي (تآكل الثقة، ودوائر الثأر)، وآثار إقليمية أخرى غير مباشرة. فعلى سبيل المثال، تواجه دول الخليج تقلبات كبيرة في أسعار الطاقة وانخفاضاً في التحويلات المالية؛ ويستضيف الأردن والعراق الكثير من اللاجئين؛ مما يرهق ميزانيتيهما؛ كما أدت اضطرابات الشحن العالمية عبر البحر الأحمر والتهديدات المحتملة لمضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط (تجاوز سعر خام برنت 80 إلى 83 دولاراً للبرميل لفترة وجيزة في التصعيدات الأخيرة) وتضخم التكاليف في مختلف القطاعات.

وتكبدت إسرائيل نفسها أكثر من 112 مليار دولار من التكاليف المباشرة وغير المباشرة للحرب (دفاع واحتياطيات وتعويضات)، مع توقعات بوصول تكاليف الحرب فيها إلى 159 مليار دولار أمريكي على مدى عقد من الزمن.

وقد تضررت الدول الإقليمية غير المتحاربة بشدة بشكل خاص من هذه الآثار غير المباشرة للحرب بسبب التوترات عبر الحدود، وانهيار عائدات النقل البحري، وأعباء استضافة اللاجئين. وتقدم مصر المثال الأوضح على ذلك؛ حيث انخفضت إيرادات قناة السويس -أحد المصادر الرئيسية للعملات الأجنبية في مصر- بشكل كبير بسبب اضطرابات البحر الأحمر المرتبطة بهجمات الحوثيين في اليمن (والمرتبطة بدورها بالصراع في غزة).

وانخفضت الإيرادات بشكل حاد من مستوى قياسي بلغ 10.3 مليار دولار في عام 2023 إلى نحو 4 مليارات دولار فقط في عام 2024 (وهي خسارة سنوية تتراوح بين 6 و7 مليارات دولار)، مع وجود خسائر تراكمية على مدى عامين تجاوزت 9 مليارات دولار، وعجز شهري قارب 800 مليون دولار حتى أوائل عام 2025. وانخفضت حركة الملاحة بشكل حاد (بنسبة تصل 50 إلى 64% في أوقات الذروة)؛ مما أجبر السفن على تغيير مسار الشحن وتوجيهه عبر رأس الرجاء الصالح، ورفع التكاليف عالمياً.

وقد شهد أوائل عام 2026 انتعاشاً جزئياً (على سبيل المثال، بلغت إيرادات القناة 449 مليون دولار في إحدى الفترات المُبلغ عنها)، إلا أن الضرر أدى إلى تفاقم المشكلات الاقتصادية الأوسع نطاقاً في مصر، بما في ذلك التضخم ونقص النقد الأجنبي. وكان للصراع اللاحق بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر تأثير سلبي مرة أخرى في إيرادات قناة السويس.

على صعيد اللاجئين، تستضيف مصر حالياً أكبر تدفق سوداني بالمنطقة؛ حيث يتجاوز عدد اللاجئين السودانيين في مصر 1.5 مليون لاجئ منذ عام 2023، بالإضافة إلى وجود ما يقارب 140 ألف إلى 147 ألف سوري، كما أن هناك أعداداً كبيرة من الفلسطينيين وغيرهم. وتشير الحكومة المصرية إلى أن إجمالي عدد اللاجئين والمهاجرين المقيمين في مصر يبلغ نحو 9 ملايين شخص، بتكلفة تقدر بنحو 10 مليارات دولار سنوياً تُنفق على الخدمات العامة والإسكان والتعليم والإعانات. وتستهدف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تقديم المساعدات لما يقارب 1.9 مليون لاجئ ومضيف مسجل في عام 2025، إلا أن فجوات التمويل ما تزال قائمة في ظل ضغوط الميزانيات. وقد تفاقمت حدة ارتفاع الإيجارات، والضغوط المفروضة على المرافق العامة، والنقاشات الداخلية حول العبء الاقتصادي مقابل مساهمات العمالة المحتملة في سوق العمل، في الوقت الذي تعاني فيه مصر من أزمة اقتصادية. ومن ناحية أخرى، أدت التوترات عبر الحدود إلى زيادة الإنفاق الأمني والعسكري في مصر (على طول حدود ليبيا والسودان) وفي الدول ذات الوضع المماثل؛ مما غيّر مسار الموارد الشحيحة وحوّلها عن التنمية.

ويواجه الأردن ضغوطاً مماثلة لما تواجهه مصر؛ حيث يستضيف 621 ألف سوري مسجل (بالإضافة إلى نحو 689 ألف لاجئ سوري إجمالاً) و2.3 مليون لاجئ فلسطيني تحت رعاية وكالة الأونروا. وأوضحت مشاورات المادة الرابعة التي أجراها صندوق النقد الدولي مؤخراً أن دعم الدول المانحة قد تراجع؛ مما أدى إلى اتساع فجوة العجز المالي، وزيادة الفقر، وبات يستلزم توسيع شبكات الأمان الاجتماعي.

ما تزال دول شمال إفريقيا المجاورة (مثل تونس) عرضة لموجات الهجرة والضربات التجارية غير المباشرة، في حين يتردد صدى التأثيرات المضاعفة الأوسع -ارتفاع أسعار الطاقة، وتعطيل التحويلات المالية- في جميع أنحاء المنطقة. ويمكننا القول إن متوسط عدد حالات الصراع في المنطقة قد تضاعف من بعد عام 2011، وصارت تكاليف العنف تستهلك ما بين 3 إلى 67% من إجمالي الناتج المحلي في الدول العربية المتضررة. وكنتيجة؛ أدت هذه الحروب والصراعات مجتمعة إلى محو عقود من التنمية.

بافتراض أنه يمكن حل النزاعات والصراعات القائمة من خلال تسويات سياسية شاملة، ووقف لإطلاق النار، وخفض للتصعيد على نطاق واسع (بما في ذلك التصعيد في القنوات الإيرانية الإسرائيلية)؛ فإن إعادة الإعمار مع ذلك ستحتاج إلى إصلاح مادي، وإنعاش اقتصادي، وتماسك اجتماعي، وبناء للمؤسسات؛ ومن ثم فإن التكلفة بكل المقاييس، باهظة للغاية.

إذ تواجه كل من غزة ولبنان متطلبات إعادة الإعمار الأكثر إلحاحاً. ويُقدّر تقييم مشترك بين البنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة احتياجات الإنعاش وإعادة الإعمار في غزة بنحو 53 مليار دولار؛ حيث تصل الاحتياجات قصيرة الأجل وحدها إلى نحو 20 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات. وتشير تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “الأونكتاد” إلى أن التكلفة ستتجاوز 70 مليار دولار على المدى الطويل لاستعادة الأوضاع التي كانت سائدة قبل عام 2023، مع هيمنة قطاعات الإسكان والتجارة والصناعة والنقل والمرافق على هذه التكلفة.

وفي لبنان، يبلغ إجمالي تقييم البنك الدولي السريع للأضرار والاحتياجات (الذي يغطي الفترة من أكتوبر 2023 إلى ديسمبر 2024) 11 مليار دولار موزعة على 10 قطاعات، منها 6 إلى 8 مليارات دولار للاحتياجات الخاصة (الإسكان والتجارة) و3 إلى 5 مليارات دولار للبنية التحتية العامة، كل هذا بالإضافة إلى وجود خسائر اقتصادية أخرى تُضيف 7.2 مليار دولار إلى جانب 6.8 مليار دولار من الأضرار المادية.

أما الحالات التي تتطلب جهوداً طويلة الأمد فهي أكثر صعوبة. وتشير تقديرات البنك الدولي للأضرار المادية وإعادة الإعمار في سوريا (2011–2024) إلى أن احتياجات إعادة الإعمار تبلغ 216 مليار دولار -وهو رقم متحفظ ضمن نطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار- موزعة على النحو التالي: 75 مليار دولار لإعادة بناء المساكن، و59 مليار دولار للمباني غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية، وتتطلب حلب وريف دمشق الحصة الأكبر. ويمثل هذا الرقم (216 مليار دولار) ما يقرب من 10 أضعاف إجمالي الناتج المحلي لسوريا في عام 2024.

وتُقدّر تكلفة إعادة إعمار اليمن بنحو 30 مليار دولار إجمالاً، مع الحاجة إلى نحو 17 مليار دولار في السنة الأولى وحدها للبنية التحتية والإدارية والانتقال من العمل الإنساني إلى التنمية، وإذا ما استمر السلام؛ فقد يؤدي إلى تحقيق نمو سنوي بنسبة 5% على مدى 15 عاماً.

يمثل السودان حالة من عدم اليقين الأكثر وضوحاً: فالتقديرات الشاملة الموثوقة نادرة وسط القتال المستمر؛ لكن السلطات تستشهد بأرقام تصل إلى مئات المليارات -200 مليار دولار للخرطوم وحدها في بعض التقارير- بينما تتجاوز التقديرات الإقليمية الأوسع 700 مليار دولار. وتشير النماذج الاقتصادية إلى خسائر فعلية في إجمالي الناتج المحلي تتراوح بين 21 و23.5 مليار دولار مع نهاية عام 2025، وتوضح أيضاً أن إعادة بناء قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات من هذه القاعدة ستكون مهمة تستغرق أجيالاً كاملة. أما ليبيا، فهي تتكبد تكاليف تراكمية للصراع تتجاوز 576 مليار دولار، ويتطلب تحقيق الاستقرار في البنية التحتية النفطية وتوحيد الحكم ونزع سلاح المليشيات عشرات المليارات الإضافية.

وترفع الاحتياجات الإقليمية الأوسع نطاقاً -بما في ذلك الآثار المترتبة على الأردن والعراق ومصر والتأهب المستمر في دول الخليج- التقديرات الإجمالية إلى 350–650 مليار دولار أو أكثر، وفقاً للتقييمات الإقليمية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. ولا تشمل هذه الأرقام مضاعفات “إعادة البناء بشكل أفضل” للبنية التحتية المرنة والمتكيفة مع المناخ، والاستثمارات في رأس المال البشري في التعليم والصحة. فجهود تحقيق الاستقرار الإنساني على المدى القصير وحدها قد تُضيف ما بين 10 إلى 20 مليار دولار سنوياً في المرحلة الأولية.

إن تعبئة مصادر بهذا الحجم في منطقة مجزأة ومُثقلة بالعقوبات تتطلب اتباع نهج متعدد الجوانب؛ حيث إنه لا يمكن لأي طرف بمفرده أن يتحمل كل هذه الأعباء. وسيتعين على العديد من مصادر التمويل أن تعمل بشكل متضافر. ويُنظر تقليدياً لدول الخليج -السعودية وقطر والإمارات والكويت والبحرين- باعتبارها المصدر الأسرع والأكثر توفيراً لرأس المال؛ نظراً لاحتياطياتها السيادية الضخمة واهتمامها الاستراتيجي المباشر بالاستقرار الإقليمي.

وقد تعهدت دول الخليج بالفعل بتقديم مليارات الدولارات لغزة (نحو 7 مليارات دولار تم الالتزام بها في أوائل عام 2026 وحده)، كما دأبت تاريخياً على توجيه المنح والاستثمارات لليمن وسوريا. ويمكن لصناديق الثروة السيادية الخليجية أن تقدم المزيد من القروض الميسرة أو أسهم الشراكة بين القطاعين العام والخاص. ولكن نظراً لتداعيات حرب إيران؛ فقد تُعيد دول الخليج النظر في توجيه مواردها المالية.

وسوف تتولى المؤسسات المتعددة الأطراف -البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ووكالات الأمم المتحدة- قيادة التنسيق وتقديم القروض والمنح والمساعدات التقنية على غرار ما تم تقديمه من جهود لإعادة إعمار العراق بعد عام 2003 وبعد سقوط تنظيم داعش. ومن الممكن أن يعمل تخفيف أعباء الديون، وصناديق إعادة الإعمار المجمعة، ونوافذ تمويل التكيف مع المناخ على تعبئة عشرات المليارات الإضافية، مع قيام الاتحاد الأوروبي والجهات المانحة الثنائية الأوروبية بالتمويل المشترك من جانبها.

ستقوم الجهات المانحة الثنائية التقليدية -الولايات المتحدة، والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، واليابان، والصين من خلال مبادرة الحزام والطريق- إلى جانب الجهات المانحة الناشئة بإتمام عملية التمويل الخارجي؛ ومن الممكن أن يغطي الاستثمار الخاص من خلال الشراكات بين القطاعين العام والخاص في مجالات الطاقة والاتصالات والإسكان ما بين 50 إلى 70% من الاحتياجات في نماذج مماثلة لتلك المُطبقة في لبنان، مع توفير التحويلات المالية وسندات المغتربين لتدفقات مالية إضافية.

أما على الصعيد المحلي، فإن استقرار صادرات النفط والغاز من ليبيا واليمن والسودان من شأنه أن يدرّ عائدات كبيرة بسرعة نسبية، ومن ناحية أخرى، فإن تحرير الأصول من الفساد الذي كان يسود حقبة الصراع وإجراء إصلاحات ضريبية تدريجية يُمكن أن يُكمّل الجهود الأوسع، وكذلك صناديق التعويضات أو المساءلة الافتراضية التي يتم إنشاؤها من خلال المحاكم الدولية، ولكن تظل هذه المقترحات محفوفة بالمخاطر السياسية.

وما تزال هناك تحديات هائلة على رأسها: إرهاق المانحين (تعاني النداءات الإنسانية من نقص دائم في التمويل)، والعقوبات (التي تؤثر في سوريا والكيانات المرتبطة بإيران)، ومخاطر الحوكمة (الفساد واستيلاء النخب على السلطة)، والشروط المتعلقة بالإصلاحات والإدماج. وسيكون من الضروري وضع إطار منسق “خطة مارشال للشرق الأوسط” -ربما تحت رعاية الأمم المتحدة والبنك الدولي- لتجنب التشرذم والتفكك وضمان المساءلة.

تعتمد الجداول الزمنية لإعادة الإعمار على الأمن، والحوكمة، وسرعة التمويل، والقدرة المؤسسية. وتختلف التجارب التاريخية اختلافاً كبيراً: فقد استغرقت عملية إعادة إعمار الكويت بعد عام 1991، والتي تم تمويلها بالنفط، نحو خمس سنوات لإعادة بناء البنية التحتية الأساسية؛ بينما استمرت جهود العراق بعد عام 2003 وبعد سقوط داعش لأكثر من عقد من الزمن وكانت نتائجها متفاوتة ومتباينة بسبب عدم الاستقرار؛ أما خطة مارشال التي أُطلقت بعد الحرب العالمية الثانية فقد أعادت بناء أوروبا في غضون 4 إلى 5 سنوات في ظل مؤسسات قوية نسبياً.

ستكون الأولوية على المدى القريب -أي خلال العامين الأولين- لتحقيق الاستقرار الإنساني، وإزالة الأنقاض، وتقديم خدمات الطوارئ، واستعادة هياكل الحوكمة الأساسية مثل البنوك المركزية الموحدة في ليبيا والسودان واليمن. ويمكن لغزة ولبنان أن تبدآ في إجراء إصلاحات أولية للإسكان والمرافق في غضون عام إلى ثلاثة أعوام، في حال توفر تمويل يتراوح بين 20 إلى 30 مليار دولار.

وعلى المدى المتوسط؛ أي خلال السنوات من الثالثة إلى السابعة تقريباً، يجب أن ينصب التركيز على البنية التحتية الرئيسية -الطرق، وشبكات الكهرباء، والموانئ، والمستشفيات- وإعادة تنشيط الاقتصاد. يشير حجم الأزمة في سوريا وحدها إلى أن إعادة الإعمار الجزئية ستستغرق من خمس إلى عشر سنوات، بينما يتوقع سيناريو السلام في اليمن نمواً سنوياً مستداماً بنسبة 5%؛ إذا ما تم تلقي دفعة تمويل أولية بقيمة 17 مليار دولار.

أما التعافي الاجتماعي والاقتصادي الكامل -استعادة رأس المال البشري، والتماسك الاجتماعي، ومستويات إجمالي الناتج المحلي لما قبل الحرب أو أفضل منها- فيقع ضمن أفق زمني طويل الأمد يمتد من ثمانية أعوام إلى عشرين عاماً أو أكثر. ووفقاً لتقييمات موثوقة، فإن غزة قد تستغرق عقوداً من الزمن؛ أما جهود إعادة الإعمار في سوريا، والتي تبدأ من قاعدة مدمرة وتبلغ قيمتها 216 مليار دولار، فستمتد من 10 إلى 15 سنة على الأقل. ويواجه السودان وليبيا جداول زمنية مماثلة؛ تتفاقم بسبب الانقسام السياسي العميق.

وتشمل العوامل الرئيسية المُحفزة على إعادة الإعمار وتحقيق التعافي الاجتماعي والاقتصادي التنسيق السريع بين الجهات المانحة، ونشر التكنولوجيا (مثل المساكن الجاهزة)، والملكية المحلية، والاستثمار الخاص. ولكن هناك مخاطر كبيرة بنفس القدر: فقد يؤدي تجدد العنف، أو الصدمات المناخية، أو نقص التمويل إلى تمديد الجداول الزمنية إلى أجل غير مسمى؛ ومن ثم فمن شأن اتباع نهج متسلسل مع إعطاء الأولوية للقطاعات ذات المكاسب السريعة كالزراعة والطاقة أن يعزز الزخم ويبني الثقة العامة. كما أن تسوية الصراعات ستؤدي إلى استعادة عائدات قناة السويس لمصر بسرعة، وتخفف أعباء اللاجئين على الدول المضيفة كالأردن ومصر، وتعيد التجارة الإقليمية إلى طبيعتها؛ مما سيزيد من ثمار السلام وينشرها على نطاق أوسع.

حتى الحل الافتراضي على المدى القريب سيتطلب ما بين 350 إلى 650 مليار دولار أو أكثر لإعادة الإعمار، بتمويل أساسي من الدول الغنية والتدفقات الخاصة والمتعددة الأطراف، مع وجود جداول زمنية تمتد من 10 أعوام إلى 20 عاماً أو أكثر للتعافي الكامل. فالتكاليف المادية وحدها -تريليونات الدولارات من الخسائر التراكمية عند احتساب الآثار غير المباشرة- لا تُضاهيها إلا المأساة الإنسانية: أجيال ضائعة، ومجتمعات متصدعة، وثقة متآكلة. وتؤكد الآثار الجانبية لدول الجوار المستقرة -مثل مصر من خلال انهيار عائدات قناة السويس وضغط اللاجئين، والأردن- حقيقة مؤلمة مفادها أنه لا توجد دولة في المنطقة بمنأى عن الأذى.

ومع ذلك، يُقدم السلام عائداً كبيراً ومكاسب عظيمة تتمثل في: انتعاش التجارة والسياحة والاستثمار والإمكانات البشرية في منطقة يزيد عدد سكانها على 400 مليون نسمة. ومن شأن استقرار تدفقات النفط واضطّراد حركة الملاحة في قناة السويس أن يفيد الأسواق العالمية والبلدان المضيفة على حد سواء؛ كما أن انخفاض ضغوط اللاجئين سيُخفف الضغط على الميزانيات في مصر والأردن وغيرهما. ولا يتطلب إدراك هذه الحقائق الأموال فحسب؛ بل يتطلب أيضاً سياسات شاملة، ومساءلة، ودعماً إقليمياً؛ وهي دروس مستفادة من إخفاقات الماضي في ليبيا وسوريا واليمن.

ويتعين على المجتمع الدولي وأطراف الصراع المختلفة أن يتصرفوا بشكل حاسم وحازم. فمن دون الالتزام المستدام؛ فإن الصراعات التي نشهدها اليوم قد تتحول إلى فخاخ دائمة للفقر وعدم الاستقرار. صحيح أن السلام سيُحقق مكاسب كبيرة، ولكن الطريق للتعافي سوف يكون طويلاً ومكلفاً ومحفوفاً بالمخاطر السياسية. ولكن البديل -الحرب المطولة- أكثر تكلفة بكثير، كما تثبت بالفعل التكلفة اليومية الحالية والبالغة مليار دولار أن التوصل إلى حل الآن ليس فضلاً أو إحساناً؛ بل ضرورة استراتيجية للمنطقة وللعالم بأسره.

” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”


اترك تعليقاً