أوراق متبادلة: هل تُعيد قمة ترامب وشي رسم قواعد التنافس العالمي؟

الرئيسية مقالات
د. أيمن سمير خبير في العلاقات الدولية
أوراق متبادلة: هل تُعيد قمة ترامب وشي رسم قواعد التنافس العالمي؟

 

أوراق متبادلة: هل تُعيد قمة ترامب وشي رسم قواعد التنافس العالمي؟

 

 

 

يراهن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، على العلاقات الشخصية التي تجمعه بالرئيس الصيني، شي جين بينغ، حتى تنجح أول زيارة له إلى العاصمة بكين منذ زيارته الأولى في نوفمبر 2017. وعلى الرغم من تباين الأدوات والأهداف بين البلدين؛ فإن ثمة مؤشرات ترجح أن زيارة الرئيس ترامب، والتي تبدأ مساء يوم الأربعاء 13 مايو الجاري وتستمر لمدة 3 أيام، قد تتمخض عن صيغة مشتركة لإدارة التنافس بين أكبر اقتصادين في العالم، دون الاستمرار في مزيد من الحروب التجارية أو النزاعات الجيوسياسية.

وتظل هناك تساؤلات من قبيل هل تشكل هذه الزيارة فرصة جديدة لتعزيز السلام والاستقرار الاقتصادي العالمي؟ وإلى أي مدى يمكن أن تسفر القمة بين ترامب وشي عن اتفاق لوقف الحرب في الشرق الأوسط؟ وهل لدى الرئيسين الأمريكي والصيني الاستعداد لاختراق الملفات الصعبة حول تايوان والعلاقات الصينية مع حلفاء واشنطن الآسيويين، أم يكتفي الطرفان بـ”اتفاقيات مرحلية” تحافظ على هامش إدارة الخلافات دون خسارة استراتيجية لأي منهما؟

رهانات ترامب:

تُعد زيارة الرئيس ترامب إلى الصين الزيارة الثالثة عشرة لرئيس أمريكي إلى بكين منذ الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون في فبراير 1972، والتي فتحت الباب أمام إقامة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين الولايات المتحدة والصين عام 1979. وفي المقابل، قام قادة الصين بعدد من الزيارات الرسمية إلى الولايات المتحدة، بدأت بزيارة الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ في عام 1979. وكانت آخر زيارة لرئيس صيني إلى واشنطن للرئيس الحالي شي في عام 2023، والذي يُعد من أكثر القادة الصينيين زيارة للولايات المتحدة، بعدما قام بأربع زيارات رسمية في أعوام 2013 و2015 و2017 و2023.

وخلال الزيارة المرتقبة، يحمل الرئيس ترامب في حقيبته ملفات سياسية واقتصادية وتكنولوجية يمكن أن تساعد في تخفيف التوتر على الصعيدين السياسي والتجاري مع الصين، منها ملفات تتعلق بسلاسل الإمداد، ونماذج الذكاء الاصطناعي، والطاقة، والتجارة. وسوف تهيمن الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية على الشق السياسي والأمني من الزيارة، التي سبقتها تُهم أمريكية للصين بدعم إيران سياسياً واقتصادياً وعسكرياً؛ وهو ما دفع وزارة الخزانة الأمريكية، في 24 إبريل الماضي، إلى فرض عقوبات على عدد من الشركات الصينية ومصافي النفط، منها مصفاة “هنغلي للبتروكيماويات”.

واقتصادياً، يراهن البيت الأبيض على نموذجين يرى الرئيس ترامب أنهما يشكلان منصة لإطلاق مرحلة جديدة من “علاقات الضرورة” التي تجمع واشنطن مع بكين، هما كالتالي:

1- النموذج الأول هو “اتفاق المرحلة الأولى” بين الولايات المتحدة والصين، الذي وُقّع في 15 يناير 2020، ونص على زيادة واردات الصين من السلع والبضائع الأمريكية بنحو 200 مليار دولار خلال عامي 2020 و2021، مقابل خفض إدارة ترامب الرسوم الجمركية من 15% إلى 7.5% على واردات صينية بقيمة 120 مليار دولار، مع الإبقاء على رسوم بنسبة 25% على واردات أخرى تُقدّر بـ250 مليار دولار. وأسهم الاتفاق في تهدئة الحرب التجارية التي تصاعدت بين البلدين منذ عام 2018، غير أن جائحة كورونا، إلى جانب تصاعد التوترات السياسية والتكنولوجية، عطلت تنفيذ جزء كبير من بنوده، خصوصاً مع مغادرة الرئيس ترامب البيت الأبيض في 20 يناير 2021. ويرى الفريق الذي أعد زيارة ترامب إلى الصين إمكانية تكرار هذا النموذج من الاتفاقيات خلال القمة الأمريكية الصينية، خاصة فيما يتعلق بشراء الصين لفول الصويا، والغاز المُسال، وطائرات “بوينغ”.

2- النموذج الثاني الذي يراهن عليه الرئيس ترامب هو توظيف الرسوم الجمركية لتقليص العجز التجاري مع الصين، وهو السيناريو الذي تشير البيانات إلى نجاحه خلال عام 2025، بعد تراجع العجز التجاري إلى 202 مليار دولار في العام الماضي، بنسبة 31.5% مقارنة بعام 2024، بعدما بلغت الصادرات الأمريكية إلى الصين 107 مليارات دولار، مقابل واردات من الصين بقيمة 309 مليارات دولار، وفق بيانات نشرتها وزارة التجارة الأمريكية في فبراير 2026. وهو ما يؤكد -من وجهة نظر الرئيس ترامب- فاعلية الرسوم الجمركية في تضييق فجوة العجز التجاري مع الصين.

محفزات وضغوط:

يذهب الرئيس ترامب إلى الصين وهو يملك مزيجاً من المحفزات والضغوط التي يستطيع من خلالها إقناع الجانب الصيني بعقد سلسلة من الصفقات التي يمكن أن يستفيد منها حزبه الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في نوفمبر المقبل، ومن أبرز هذه المحفزات والضغوط ما يلي:

1- الحرب في الشرق الأوسط: في بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، كانت بعض الترجيحات تشير إلى خسارة استراتيجية للصين إذا ما سقط النظام الإيراني الحالي؛ نظراً لأن ذلك كان يعني خسارة بكين لحليف استراتيجي وقّعت معه “اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الكاملة” لمدة 25 عاماً في مارس 2021، إضافة إلى تهديد استثمارات صينية تُقدر بنحو 40 مليار دولار في مشروعات “الحزام والطريق” بآسيا الوسطى الملاصقة لإيران، في حال امتدت الفوضى إلى تلك المنطقة.

لكن مع بقاء النظام الإيراني، وزيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى الصين يوم 6 مايو الجاري، ربما تحولت الحرب إلى “ورقة رابحة” في يد الرئيس شي؛ الأمر الذي دفع الرئيس ترامب إلى حث نظيره الصيني على ممارسة ضغوط على طهران من أجل ضمان استمرار الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو 45% من واردات الصين النفطية.

وفي المقابل، يتعرض الرئيس ترامب لضغوط داخلية متزايدة لوقف حرب إيران، بعد أن أسهمت في زيادة معدلات التضخم داخل الولايات المتحدة، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

ويؤكد ذلك حاجة الطرفين الأمريكي والصيني إلى العمل معاً من أجل إنهاء الحرب. وقد بدأت الضغوط الأمريكية على بكين قبل زيارة الرئيس ترامب عبر تسريب تقارير إعلامية تحدثت عن إرسال أسلحة صينية إلى إيران، واعتماد طهران على خط السكك الحديدية الذي يربطها بالصين للالتفاف على الحصار البحري الذي يفرضه الجيش الأمريكي على الموانئ الإيرانية. ولهذا، فإن دعم الصين للتوصل إلى اتفاق نهائي بشأن الحرب سيكون على رأس أولويات الرئيس ترامب خلال زيارته إلى بكين.

2- شراكة لا قطيعة: أبرز المعاني التي تحملها زيارة الرئيس ترامب إلى بكين هو تأكيد “الشراكة بدلاً من القطيعة” بين الولايات المتحدة والصين، بعد أن رفعت الإدارة السابقة برئاسة جو بايدن شعار “الفصل الكامل” بين الاقتصادين الأمريكي والصيني؛ وهو أمر ثبت أنه مستحيل عملياً.

3- مأسسة الرسوم الجمركية: نتيجة للاضطرابات التجارية التي سادت بين الولايات المتحدة والصين منذ وصول الرئيس ترامب لأول مرة إلى البيت الأبيض في 20 يناير 2017؛ اتجه الطرفان، قبل زيارة ترامب المرتقبة إلى بكين، نحو مأسسة إدارة الرسوم الجمركية عبر مقترح لتأسيس مجلس مشترك للتجارة والاستثمار، ليكون منصة لتعزيز التجارة بين البلدين؛ بما يضمن زيادة نفاذ البضائع الأمريكية إلى السوق الصينية، مقابل الحد من فرض الرسوم الجمركية بصورة عشوائية على الواردات الصينية. وكان هذا الطرح أحد المطالب الصينية منذ ولاية ترامب الأولى، فيما تُشكل موافقة الرئيس الأمريكي على هذه الآلية استجابة لافتة لبكين؛ من شأنها تعزيز الاستقرار في العلاقات التجارية بين البلدين.

4- أربع صفقات محتملة: يسعى الرئيس ترامب لتعزيز صورته باعتباره “رجل صفقات” عبر طرح أربع صفقات كبرى على الصين؛ تتعلق الأولى ببيع 500 طائرة مدنية أمريكية من طراز “بوينغ 737 ماكس”، والثانية بشراء الصين 25 مليون طن متري من فول الصويا الأمريكي سنوياً، والثالثة شراء الصين كميات ضخمة من لحوم الأبقار الأمريكية؛ بما يعزز شعبية ترامب لدى الولايات الزراعية التي دعمته في انتخابات نوفمبر 2024، أما الرابعة فتتعلق بزيادة واردات الصين من الغاز الطبيعي المُسال الأمريكي.

كما يسعى ترامب لتمديد الهدنة الجمركية التي توصل إليها البلدان في العام الماضي، بعدما خفضت واشنطن بعض الرسوم الجمركية؛ بما يسمح للعلاقات التجارية بين البلدين بالتحرك نحو صياغة علاقة أكثر توازناً تراعي مصالح الطرفين، دون الانزلاق إلى حروب تجارية مُستنزِفة.

5- إدارة الذكاء الاصطناعي: هناك توقعات بإعلان واشنطن وبكين إطار عمل مشترك ودائم حول سلامة ومخاطر الذكاء الاصطناعي، يبدأ بالاتفاق على عقد منتدى للحوار بشأن إدارة المنافسة في مجالات الذكاء الاصطناعي؛ بهدف تقليل احتمالات الصدام التكنولوجي، وتجنب تحول المنافسة إلى “سباق تسلح رقمي”. كما يتضمن الطرح مناقشة عدم توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في قرارات تشغيل أو استخدام الأسلحة النووية والكيميائية.

6- منع الفنتانيل: يُمثل الحد من انتشار المخدرات الاصطناعية، وعلى رأسها الفنتانيل، أحد الوعود الانتخابية للرئيس ترامب. وكانت هذه القضية من ضمن الدوافع وراء العملية العسكرية “العزم المطلق” التي نفذتها القوات الخاصة الأمريكية في 3 يناير الماضي، وأسفرت عن القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. ومن وجهة النظر الأمريكية، تُتهم شركات وشبكات صينية بالمساهمة في توريد مواد كيميائية تدخل في تصنيع الفنتانيل؛ وهو ما دفع إدارة ترامب إلى وضع الحد من تدفق هذه المواد إلى الأراضي الأمريكية ضمن أبرز أهداف الزيارة إلى بكين.

أوراق بكين:

لا يبدو سقف توقعات الصين من زيارة الرئيس ترامب مرتفعاً؛ لكنها في الوقت نفسه ترى في الزيارة فرصة مهمة لإعادة مسار العلاقات بين البلدين إلى مستويات ما قبل الحروب التجارية والتوترات الجيوسياسية في بحر الصين الجنوبي. ولتحقيق ذلك، تراهن بكين على مجموعة من الأوراق، أبرزها الآتي:

1- ملف تايوان: تُشكل تايوان جوهر قضايا الأمن القومي الصيني، وترفض بكين أي محاولات أمريكية أو غربية لدعم استقلال الجزيرة؛ ولهذا قد تُطرح على الطاولة “مقايضة سياسية” تقوم على تخفيف صادرات السلاح الأمريكية إلى تايوان، مقابل مساعدة الصين في إيجاد صيغة لإنهاء حرب إيران. وتنظر بكين بإيجابية إلى بعض الخطوات الأمريكية التي ترتبط بشكل غير مباشر بأزمة تايوان، مثل سحب الولايات المتحدة صواريخ شبحية بعيدة المدى من قواعد آسيوية وإعادة نشرها في مناطق قريبة من إيران، وتأجيل وزارة الحرب الأمريكية تسليم 400 صاروخ “توماهوك” إلى اليابان؛ وهي الصواريخ التي تنظر إليها الصين باعتبارها قادرة على الوصول إلى كل أراضيها.

2- المعادن النادرة: تهيمن الصين على سوق المعادن النادرة؛ حيث تستخرج نحو 70% من الإنتاج العالمي، بينما تقوم بمعالجة وتكرير نحو 90% من تلك المعادن التي تدخل في مختلف الصناعات الحيوية العسكرية والمدنية. وهناك مؤشرات على أن بكين مستعدة لتوفير المعادن النادرة للولايات المتحدة لفترات طويلة، مقابل بقاء الرسوم الجمركية عند المستويات التي تم التوصل إليها في قمة بوسان بكوريا الجنوبية في أكتوبر 2025.

3- السيارات الكهربائية: عانت العديد من الشركات الصينية، سواء في قطاع السيارات الكهربائية أم التكنولوجيا، من صعوبات في الوصول إلى السوق الأمريكية؛ ولهذا قد تطرح بكين خلال هذه القمة مطالب تتعلق بضرورة السماح لشركات السيارات الكهربائية الصينية بالتوسع والاستثمار داخل السوق الأمريكية، وتخفيف الولايات المتحدة القيود المفروضة على حصول الصين على تكنولوجيا الرقائق الأمريكية.

4- قواعد الحظر: قبيل زيارة الرئيس ترامب إلى بكين، أصدرت وزارة التجارة الصينية توجيهات تمنع الشركات المحلية من الامتثال للعقوبات الأمريكية المفروضة على مصافٍ صينية متهمة بشراء النفط الإيراني؛ مستندة إلى ما يُعرف بـ”قانون الحظر” الصادر في عام 2021، والذي يرفض تطبيق العقوبات الأجنبية التي تعتبرها بكين غير مشروعة. وقد تُمثل هذه الخطوة ورقة ضغط في يد بكين خلال التفاوض مع واشنطن، في وقت يسعى فيه الرئيس ترامب إلى تشديد الحصار الاقتصادي على طهران لدفعها إلى إبداء مرونة على طاولة المفاوضات؛ وهو ما يضع الإدارة الأمريكية أمام خيارات صعبة، بين القبول بالاستثناءات التي تطلبها بكين، أو الدخول في مواجهة أوسع مع النظام المالي الصيني.

ختاماً، قد تكشف زيارة الرئيس ترامب إلى الصين عن تراجع الرهانات السابقة لفصل الاقتصاد الأمريكي عن نظيره الصيني، مع وجود إدراك متبادل لدى واشنطن وبكين بأن إدارة التنافس بينهما باتت أكثر واقعية من محاولات القطيعة. وفي هذا السياق، قد يسعى الطرفان إلى إعادة صياغة العلاقات الثنائية على أسس جديدة تحافظ على مصالحهما.

” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”

 


اترك تعليقاً