رهانات الضغط: لماذا تُصعد واشنطن “الغضب الاقتصادي” ضد إيران؟
تُعد العقوبات الاقتصادية إحدى أدوات السياسة الخارجية التي لجأت إليها الإدارات الأمريكية المتعاقبة لتغيير سلوك الدول المستهدفة، وردعها عن ممارسة الأنشطة التي تؤثر في المصالح الأمريكية. وعلى مدار الأسابيع الماضية، لُوحظ توسع إدارة الرئيس دونالد ترامب -تزامناً مع تطورات الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية- في استخدام العقوبات الاقتصادية كسلاح ضد إيران؛ بهدف شل حركتها وإفقادها القدرة على تمويل مجهودها الحربي أثناء المواجهات العسكرية، وخنق اقتصادها؛ ومن ثم دفعها إلى التراجع عن موقفها المتشدد وإبداء مرونة في المفاوضات لإنهاء الحرب.
وفي هذا السياق، يتناول هذا التحليل مؤشرات وأسباب تصاعد استخدام واشنطن لسلاح العقوبات الاقتصادية في الحرب ضد إيران.
الغضب الاقتصادي:
شنت إدارة الرئيس ترامب، منذ 13 إبريل 2026، حملة ضغط اقتصادي واسعة ضد إيران أُطلق عليها اسم “الغضب الاقتصادي”، تضمنت فرض حزم متتالية من العقوبات، وتشديد الحصار على الموانئ الإيرانية، ومصادرة السفن المرتبطة بطهران حول العالم. واستهدفت الحملة بصورة رئيسية شبكات النفط الإيرانية، وأسطول الظل، والشبكات المصرفية الموازية، إضافة إلى القدرات العسكرية وبرامج الطائرات المُسيّرة والصواريخ البالستية. وهدفت هذه التحركات إلى تقويض قدرة طهران على تمويل أنشطتها العسكرية والالتفاف على العقوبات، إلى جانب تعطيل تجارة النفط والسلع الإيرانية وقطع الطريق أمام قنوات التهريب والتصدير غير الرسمية التي تعتمد عليها إيران.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، في 21 إبريل الماضي، فرض عقوبات على ثمانية أفراد وأربعة كيانات قالت إنها تدير شبكات مشتريات مرتبطة ببرامج الطائرات المُسيّرة والصواريخ البالستية الإيرانية، بالإضافة إلى شركة “ماهان إير” المدرجة بالفعل على قوائم العقوبات.
وتزامناً مع ذلك، كثفت الولايات المتحدة جهودها لاستهداف النظام المالي الموازي الإيراني؛ إذ فرضت في 28 إبريل الماضي عقوبات على 35 كياناً وفرداً لدورهم في تسهيل نقل مليارات الدولارات بعيداً عن النظام المالي العالمي. كما أعلنت واشنطن تجميد نحو 344 مليون دولار من الأصول الرقمية الإيرانية، في واحدة من أكبر عمليات التجميد المرتبطة بدولة، بالتوازي مع تقارير تحدثت عن دراسة طهران فرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز باستخدام العملات المشفرة.
وفي موازاة الضغوط المالية، صعّدت الولايات المتحدة إجراءاتها ضد قطاع النفط الإيراني، الذي يُعد شرياناً رئيسياً للاقتصاد الإيراني، من خلال تشديد الحصار البحري واستهداف صادرات النفط بصورة غير مسبوقة. وأسفر ذلك، وفق تقديرات البنتاغون الأمريكي، عن خسائر قُدرت بنحو 4.8 مليار دولار خلال أسبوعين فقط من فرض الحصار البحري؛ نتيجة تعطل الصادرات وبقاء 31 ناقلة تحمل نحو 53 مليون برميل من النفط الإيراني عالقة في مياه الخليج. كما أعلن الجيش الأمريكي، في 2 مايو الجاري، تحويل مسار 48 سفينة خلال 20 يوماً لضمان الامتثال للحصار المفروض على الموانئ الإيرانية.
وأدت هذه الضغوط إلى اضطرار إيران إلى خفض إنتاج النفط لتجنب أزمة تخزين محتملة، في ظل مخاوف من تجاوز السعة التخزينية وإمكانية إغلاق بعض الحقول النفطية؛ الأمر الذي قد يفاقم الأوضاع الاقتصادية ويُلحق أضراراً طويلة الأمد بقطاع الطاقة الإيراني، خاصة أن إعادة تشغيل الحقول المتوقفة تتطلب تكاليف مرتفعة وفترات زمنية طويلة.
كما اتجهت واشنطن إلى تضييق قنوات تصدير النفط الإيراني إلى الصين، التي تُعد أكبر مشترٍ للنفط الإيراني عالمياً؛ إذ أعلنت الولايات المتحدة، في 24 إبريل الماضي، فرض عقوبات على مصفاة نفط صينية ونحو 40 هدفاً آخر ضمن حملة تستهدف تقليص مصادر التمويل الإيرانية. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ضوء التقديرات التي تشير إلى أن الصين استوردت في المتوسط نحو 1.4 مليون برميل يومياً من النفط الإيراني في عام 2025؛ ما يمثل أكثر من 80% من صادرات إيران النفطية؛ الأمر الذي يجعل أي قيود على هذا المسار التجاري ذات تأثير بالغ في الاقتصاد الإيراني.
وفي السياق ذاته، فرضت الولايات المتحدة، في مطلع مايو الجاري، عقوبات إضافية على كيانات وأشخاص وسفن متورطة في تجارة النفط الإيراني، شملت شركة صينية لتشغيل محطات النفط وثلاث شركات صرافة إيرانية، كما حذرت من دفع أي رسوم للحكومة الإيرانية مقابل العبور من مضيق هرمز؛ معتبرة أن أي تجاوب مع هذه الترتيبات قد يُعرّض الأطراف المعنية للعقوبات الأمريكية.
وامتدت الضغوط الأمريكية إلى الساحة العراقية؛ حيث علّقت واشنطن، في إبريل الماضي، تحويل 500 مليون دولار من عائدات بيع النفط العراقي إلى بغداد، في ثاني خطوة من نوعها منذ اندلاع حرب إيران، وذلك في إطار ممارسة ضغوط على الحكومة العراقية لضبط تحركات الجماعات الموالية لطهران ومنعها من استهداف المصالح الأمريكية. وفي 7 مايو الجاري، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات جديدة على أربعة عراقيين وأربع شركات عراقية أيضاً على صلة بإيران، ومن بين المفروض عليهم عقوبات نائب وزير النفط العراقي، علي البهادلي؛ لاتهامه بمساعدة إيران على بيع نفطها.
دوافع حاكمة:
تراهن إدارة ترامب على قدرة العقوبات الاقتصادية والحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية في زيادة الضغوط على طهران ودفعها نحو إعادة النظر في موقفها من الشروط الأمريكية لإنهاء الحرب، في ظل قناعة أمريكية متنامية بأن عامل الوقت سيكون ضاغطاً على الاقتصاد الإيراني، ولا سيّما قطاع النفط الذي يُمثل الركيزة الأساسية للإيرادات الإيرانية. وفي هذا الإطار، يمكن الوقوف على مجموعة من الدوافع التي تفسر ميل واشنطن إلى توظيف العقوبات الاقتصادية بشكل ملحوظ في إدارة الصراع الحالي مع طهران، وذلك على النحو التالي:
1- العودة إلى سياسة “الضغوط القصوى”: أعادت العقوبات الاقتصادية الأمريكية المفروضة على إيران مؤخراً إلى الواجهة سياسة “الضغوط القصوى” التي تبنتها إدارة ترامب خلال ولايته الرئاسية الأولى، وإن كانت هذه المرة تختلف في حدتها وأدواتها ونطاق استخدامها. كما أن تفعيل هذه العقوبات عقب الإعلان عن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في 8 إبريل الماضي؛ يعكس توجهاً أمريكياً نحو توظيف الضغوط الاقتصادية كأداة رئيسية، بديلة أو موازية للعمل العسكري، في إدارة التصعيد مع طهران واحتواء سلوكها الإقليمي. وبحسب وزارة الخارجية الأمريكية، فرضت واشنطن عقوبات على أكثر من 1000 شخص وكيان وسفينة وطائرة مرتبطة بالأنشطة الخبيثة التي تمارسها إيران، وذلك منذ إصدار الرئيس ترامب المذكرة الرئاسية الثانية للأمن القومي في فبراير 2025 وحتى منتصف إبريل الماضي؛ ما يعكس عملياً إعادة تفعيل سياسة “الضغوط القصوى”.
2- تجنب الانخراط في مواجهات عسكرية مفتوحة: تنظر الولايات المتحدة إلى العقوبات الاقتصادية باعتبارها أداة فعّالة لتكثيف الضغط على إيران دون الاستمرار في مواجهة عسكرية طويلة ومكلفة، خاصة بعدما نجحت الضربات العسكرية الأمريكية التي استمرت نحو 39 يوماً في استهداف ما يقرب من 15 ألف هدف داخل إيران؛ الأمر الذي أسهم في إضعاف جانب كبير من القدرات العسكرية والصاروخية والبحرية الإيرانية، إضافة إلى التأثير في بعض البنى التحتية الحيوية.
وفي ضوء ذلك، يبدو أن واشنطن باتت تميل إلى توظيف أدوات الضغط الاقتصادي باعتبارها خيارات أكثر استدامة وأقل تكلفة مقارنة بالضربات العسكرية؛ ومع ذلك، فإن الاعتماد على العقوبات الاقتصادية لا يعني استبعاد الخيار العسكري بشكل كامل؛ حيث يواصل الرئيس ترامب من وقت لآخر التلويح بإمكانية العودة إلى العمليات العسكرية، في إطار استراتيجية ضغط متعددة المسارات تهدف إلى دفع إيران نحو التوصل إلى تفاهمات أو اتفاقات تتوافق مع الشروط الأمريكية. ومن أحدث الوقائع الدالة على ذلك، إعلان الجيش الأمريكي أنه شن ضربات مضادة على إيران يوم 7 مايو الجاري؛ مستهدفاً مواقع قال إنها مسؤولة عن مهاجمة القوات الأمريكية فيما وصفها بأنها “أعمال عدائية غير مبررة من جانب طهران”.
3- إرغام إيران على التراجع وإبداء مرونة: لجأت الولايات المتحدة إلى العقوبات الاقتصادية باعتبارها إحدى الأدوات الرئيسية المكملة للعمليات العسكرية؛ حيث عملت على توظيفها للضغط على إيران ودفعها نحو إبداء قدر أكبر من المرونة خلال مسارات التفاوض. وعلى الرغم من أن طهران أظهرت على مدار السنوات الماضية قدرة نسبية على التكيف مع موجات العقوبات الأمريكية عبر تبني سياسات تقوم على الالتفاف على القيود الاقتصادية؛ فإن طبيعة الضغوط الراهنة تبدو مختلفة من حيث نطاق الاستهداف وتأثيراته المحتملة في القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها قطاع النفط.
في الأخير، تُعول إدارة ترامب على أن يؤدي الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية إلى رفع تكلفة استمرار التصعيد بالنسبة لإيران؛ بما يدفعها إلى تغيير سلوكها، وإعادة حساباتها، والتجاوب مع الشروط الأمريكية ولا سيّما فيما يتعلق بالملفات الخلافية المطروحة على طاولة المفاوضات الجارية لإنهاء الحرب، مع تأكيد واشنطن استعدادها لإطالة أمد هذا الحصار.
” يُنشر بترتيب خاص مع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أبوظبى ”
اترك تعليقاً
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.