ندوة لـ”تريندز” تناقش تحديات وفرص النمو الاقتصادي في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى

الإمارات

 

 

 

أبوظبي – الوطن:

 

 

أكد خبراء اقتصاد مشاركون في ندوة نظمها عن بُعد مركز تريندز للبحوث والاستشارات، أمس الأول الأربعاء، تحت عنوان: “تحديات وفرص النمو الاقتصادي في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى”، أن منطقة أفريقيا جنوب الصحراء وجهة جذب صاعدة للاستثمارات العالمية، خصوصاً الاستثمارين الصيني والخليجي، غير أنها لاتزال تعاني تحديات وعقبات تعرقل أداءها الاقتصادي، حيث شهدت تبايناً ملحوظاً في عمق الركود، وكذلك في معدلات الانتعاش الاقتصادي خلال السنوات القليلة الماضية.

وذكر المشاركون في الندوة، التي أدار نقاشاتها ستيفن سكاليت خبير الشؤون الاقتصادية في “مركز تريندز”، أن القارة الأفريقية زاخرة ببعض أسرع الاقتصادات نمواً في العالم، متوقعين تعافي بعض البلدان التي كانت لديها أساسيات نمو قوية، حيث ستسجل نمواً عاماً على المديين المتوسط والطويل، وخاصة أن حالة الاستثمار في أفريقيا لم تتضرر بشدة بسبب الاضطرابات الاقتصادية العالمية الأخيرة.

 

وجهة صاعدة للاستثمارات

واستهلت الندوة علياء العوضي، الباحثة بإدارة الدراسات الاقتصادية في مركز تريندز، بكلمة ترحيبية نيابة عن الدكتور محمد عبدالله العلي الرئيس التنفيذي لتريندز ، موضحة أن منطقة أفريقيا جنوب الصحراء كانت وجهة جذب صاعدة للاستثمارات العالمية، خصوصاً تدفقات الاستثمار الوافدة من الصين ودول الخليج العربي، ومع ذلك، فلا تزال المنطقة تتميز بمزيج غريب من الظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية التي تعرقل أداءها الاقتصادي، وعلى الرغم من النطاق الجغرافي الواسع لأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، فإن المنطقة كلها تعاني مستوى إنتاج منخفضاً، بمتوسط نصيب فردٍ من الناتج المحلي الإجمالي أقل من 1/7 المتوسط العالمي حتى عام 2020، مضيفة أن الندوة تسلط الضوء على هذا التناقض وتحديد التحديات والفرص المتاحة في هذه المنطقة، فضلاً عن تتبع اتجاهات النمو في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

 

اتجاهات النمو الاقتصادي

وتحدث جاك نيل رئيس وحدة الاتجاهات الاقتصادية الكلية في أفريقيا في أكسفورد للدراسات الاقتصادية الأفريقية، عن “اتجاهات النمو الاقتصادي في دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى خلال الفترة 2017-2021″، مؤكداً أن الركود الاقتصادي العالمي في عام 2020 كان متزامناً إلى حد كبير في جميع أنحاء العالم، لكن فترة الانتعاش لم تكن موحدة، وخصوصاً في سياق الأسواق والاقتصاديات الأفريقية، حيث شهد تبايناً ملحوظاً في عمق الركود وكذلك في معدل الانتعاش.

وبين أن القارة الأفريقية مازالت تستضيف بعض أسرع الاقتصادات نمواً في العالم، في حين أن العديد من البلدان قد شهدت اضطرابات في مساراتها التنموية، متوقعاً تعافي بعض البلدان التي كانت لديها أساسيات نمو قوية، وخاصة في فترة “جائحة كوفيد -19″، حيث ستسجل مرة أخرى نمواً عاماً يستحق الثناء على المديين المتوسط والطويل، ومع ذلك، سيكون لوباء كورونا بعض الموروثات الاقتصادية الدائمة، ولاسيما في شكل تناقص الحيز المالي.

وتابع: “لا أعتقد أن حالة الاستثمار في القارة الأفريقية قد تضررت بشدة بسبب الاضطرابات الاقتصادية الأخيرة، ولايزال هناك نمو ملحوظ يمكن العثور عليه إذا كنت تعرف أين تبحث، والأهم من ذلك، يبدو أن المكان الذي تبحث فيه قد تغير خلال السنوات القليلة الماضية”.

وأشار نيل إلى أن الاقتصاد الأفريقي كان مرناً جداً فيما يتعلق بالتعاطي مع تبعات جائحة كورونا عام 2021؛ وهذا يعود إلى الزخم الاقتصادي المعتمد على الزراعة القوية وعدم تطبيق سياسات إغلاق حادة، فالتعافي الاقتصادي في أفريقيا كان مشرقاً، لكن خطط التعافي لم تكن عند المستويات المتوقعة، وخصوصاً لدى الدول التي تعتمد على قطاعي الطاقة والسياحة، حيث كانا أكثر القطاعات تضرراً في ظل جائحة كورونا، فيما شهدت معدلات تدفق الاستثمارات الأجنبية، المباشرة وغير المباشرة عام 2020 إلى منطقة أفريقيا جنوب الصحراء، زيادة ملحوظة عام 2020، كما كان هناك تعافٍ وانتعاش عام 2021، وكان المحرك الأساسي لذلك هو ارتفاع معدلات الإنفاق الحكومي وتطبيق سياسات الاستدامة على نطاق أوسع، فضلاً عن تقدم مستوى الخدمات وتنوع عوامل الجذب.

 

مصادر تمويل النمو

وتمحور حديث الدكتور أندرو أوجيدي أستاذ الاقتصاد في جامعة ولاية تكساس الأمريكية، حول “مصادر تمويل النمو في دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وهل المصادر الدولية أكثر فعّالية من المصادر المحلية؟”، إذ بين أن تدفقات رأس المال وزيادة الاعتماد المتبادل بسبب العولمة، تساعد على سد فجوة الادخار والاستثمار في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، مؤكداً أن مصادر التمويل الخارجية والداخلية في هذه المنطقة يكمل بعضها بعضاً.

وأوضح أن هناك العديد من مصادر التمويل الخارجي والعملات الأجنبية لكثير من البلدان الأفريقية، بما في ذلك الاستثمار الأجنبي المباشر واستثمارات المحافظ، وتحويلات المغتربين، وصادرات السلع، والإقراض الثنائي والمتعدد الأطراف والمساعدات الأجنبية، مضيفاً أن منطقة أفريقيا جنوب الصحراء، اجتذبت معدلات أقل من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، وخاصة من الصين مقارنة بالبلدان النامية الأخرى، مشيراً إلى أن البيانات والعديد من الدراسات تبين أن معظم الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتدفقة إلى دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى موجهة إلى قطاعات الموارد الطبيعية؛ ما يعني أن اقتصادات دول أفريقيا الواقعة جنوب الصحراء الكبرى مثل جنوب أفريقيا، ونيجيريا، وأنغولا، وغينيا الاستوائية، وموزمبيق، تجتذب حصصاً أكبر وبشكل غير متناسب من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الوافدة.

وتطرق الدكتور أندرو أوجيدي إلى السياسات التي يجب أن تضعها الدول المضيفة في أفريقيا جنوب الصحراء لجعل رأسَيْ المال المحلي والأجنبي أكثر تكاملاً في عملية النمو الاقتصادي، داعياً إلى تعزيز استخدام التكنولوجيا والتعاون الشامل بين بلدان الدول؛ ما من شأنه المساعدة في النمو الاقتصادي، وتوفير البنى التحتية والمرونة والاستقرار لجذب الاستثمارات المباشرة، إضافة إلى تعزيز دور القطاع الخاص وتحفيز رؤوس الأموال الوطنية للمساهمة في تحقيق النمو، فضلاً عن تحرير الأسواق ووضع سياسات تجارية وضريبية جاذبة.

 

 

 

النمو المستدام

وتطرق يوهان برغرمدير تطوير الأعمال في جامعة الإمارات العربية المتحدة إلى “دور التجمعات الاقتصادية الإقليمية في النمو المستدام”، موضحاً أن التجارة بين البلدان الأفريقية في القارة هي أصغر بكثير من أي مكان آخر في العالم، ويمكن للمجموعات الاقتصادية الإقليمية (REC’s) أن تلعب دوراً كبيراً في معالجة هذه المشكلة، إلى جانب العمل على تطوير البنية التحتية، والحفاظ على الأمن، وتطوير أسواق أكبر حجماً، ومع ذلك يبدو أن أفريقيا تكافح قليلاً في الاستفادة من المجموعات الاقتصادية الإقليمية لاستغلال فوائد ذلك، ومن المأمول أن تغير منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA) هذه الدينامية.

وبين أن الاقتصادات الأفريقية تحتاج إلى تحديث البنية الزراعية وتعظيم الاستفادة من الرقمنة والتصنيع والقيمة المضافة، ولكن هناك بعض التحديات الأمنية التي تعيق تحقيق ذلك، إضافة إلى ضعف البنية التحتية من طرق ومطارات وشبكات الاتصالات وقلة المياه الصالحة للشرب، فضلاً عن انعدام الأمن الغذائي، وعمق الفجوة الرقمية، كما أن تصدير المواد الخام قبل أن تصبح قيمة مضافة، وضعف مستويات التجارة بين دول أفريقيا وأوروبا وآسيا يضغط على معدلات النمو الاقتصادي.

وأكد يوهان برغر أن الاقتصاد الأفريقي بحاجة إلى خلق سوق تجارية مشتركة وموحدة لتحقيق التكامل الاقتصادي والتجاري بين دول القارة، والانطلاق نحو أسواق عالمية أكبر لتحقيق ازدهار اقتصادي بمعدلات أعلى، وتعزيز التنافسية وتطبيق خطط للإصلاح الاقتصادي، إضافة إلى تحرير الاقتصاديات، وتوحيد التعرفة الجمركية، وتحفيز الاستثمارات وإطلاق المبادرات التنافسية، وتسهيل تنقل حركة المواطنين بين دول القارة، وتسهيل تأسيس الشركات.

وأشار إلى أن الدول الأفريقية تمتلك مقومات متنوعة لتحقيق النمو الاقتصادي السريع، حيث من المتوقع أن يصل الناتج المحلي الإجمالي في أفريقيا إلى 6.7 تريليون دولار عام 2030، ولكن لتحقيق ذلك يجب إيجاد آلية فعالة لتسوية النزاعات الأفريقية، وأن يتخلى القادة السياسيون عن المصالح الوطنية لصالح المصالح الإقليمية، ومحاربة الفساد، وتعزيز البنية التحتية.

وحول دور التجمعات الاقتصادية الإقليمية في النمو المستدام، أوضح أنها لن تكون فعالة إلا إذا تم تطبيق سياسات الإعفاء من الرسوم الجمركية على البضائع؛ ما سيعزز التصدير بين الدول الأفريقية، ويفتح مجال التصدير لباقي دول العالم، فضلاً عن تعزيز التجارة البينية وتطبيق سياسات الإعفاء الضريبي بينها، وتطبيق نظام دفع وتسوية موحد أفريقياً، وبذل المزيد من الجهد لتسهيل الإجراءات والتوسع في إحداث تكامل مؤسسي، وتسهيل تأسيس الشركات التجارية، وتعظيم دور القطاع الخاص في الاقتصادات الأفريقية.

 

الحوكمة ودور الدول في النمو

من جانبه، استعرض فرانسيس أوبي، الخبير في شؤون التنمية الاقتصادية بجمهورية غامبيا، “الحوكمة ودور الدولة والنمو الاقتصادي في دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى”، مؤكداً على ضرورة ألا يتنافس الحكم الرشيد والنمو الاقتصادي القوي مع بعضهما البعض، بل يجب أن يُكمِل كلاهما الآخر، مضيفاً أن الحوكمة الفعالة والدور النشط للدولة في السعي الحثيث لسياسات شاملة وواسعة النطاق – كلاهما يعتبر أمراً بالغ الأهمية لتعزيز النمو الاقتصادي والحد من الفقر وخلق بيئة اقتصادية مواتية.

وأشار إلى أن جائحة “كوفيد-19 ” أدت إلى تفاقم الفقر في البلدان الواقعة في منطقة جنوب الصحراء الكبرى بأفريقيا؛ بسبب فقدان الدخل، والافتقار إلى الموارد الكافية، والحزم المالية، والرعاية الاجتماعية للرجوع إليها، مشيراً إلى أن معدلات التعافي في هذه الدول أظهرت تبايناً كبيراً، موضحاً أن اقتصادات أفريقيا جنوب الصحراء مثقلة بتحديات هائلة وموارد محدودة للغاية تحت تصرفها، ومع ذلك فإن هناك طرقاً عدة لاستكشاف نماذج تنمية اقتصادية جديدة، كما أن هناك حاجة ماسة وملحة أكثر من أي وقت مضى للاستخدام الفعال لأدوات السياسة النقدية والمالية وأسعار الصرف للحد من التضخم والاتجاهات الاقتصادية المتدنية.

وشدد على ضرورة إعادة توزيع الإيرادات في أفريقيا، وتحفيز الاستثمار المحلي، وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، مبيناً أن التقديرات أظهرت أن نحو 490 مليون شخص في أفريقيا يعيشون حالة فقر، مؤكداً على أهمية دور الحكومات في تطوير القدرات البشرية، ومواجهة الفساد واتباع سياسات اقتصادية فعالة وشاملة وواسعة النطاق لتعزيز النمو الاقتصادي، والحد من الفقر، وخلق بيئة اقتصادية جاذبة، وخلق المزيد من فرص العمل لتحجيم معدلات البطالة المرتفعة.

 


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.