التحليل البروتيني لإفرازات الخلايا الجذعية الوسيطة أظهر زيادةً واضحةً للبروتينات المضادة للفيروسات المعروفة سابقاً

إفرازات الخلايا الجذعية تطرح خياراً علاجيّاً جديداً ضد اثنين من فيروسات كورونا القاتلة

مقالات
سمر أشرف:صحفية علمية

 

 

إفرازات الخلايا الجذعية تطرح خياراً علاجيّاً جديداً ضد اثنين من فيروسات كورونا القاتلة

 

 

 

 

 

 

في عام 1656 نشر الطبيب الإنجليزي وعالِم التشريح، توماس وارتون، بحثًا تحت عنوان «أدينوجرافيا»، التي تعني وصف جميع غُدد الجسم البشري، في هذا البحث وصف “وارتون” نسيجًا مخاطيًّا مشتقًّا من الحبل السري، يحتوي على خلايا جذعية وسيطة، أطلق عليه “هُلام وارتون”، تتمثل وظيفته الرئيسية في عزل الحبل السري في الرحم وحمايته، ومنذ اكتشافه أصبح محورًا لاهتمام الباحثين.

والخلايا الجذعية الوسيطة هي خلايا جذعية بالغة، عادةً ما تُعزل من نخاع العظام، والأنسجة الدهنية، وأنسجة الحبل السري (هُلام وارتون) أو السائل المحيط بالجنين، ويمكن أن تتمايز بعد توجيهها إلى أنواع مختلفة من الخلايا داخل الجسم، بما في ذلك خلايا العظام والغضاريف وخلايا العضلات والخلايا العصبية وخلايا الجلد وخلايا القرنية، وتتميز بخصائص فريدة وقوية في تنظيم المناعة، مما يجعلها مرشحةً لعلاج مصابي كوفيد-19.

الأمر الذي اختبره فريق بحثي مصري عبر دراسة حديثة سعت إلى التحقيق في التأثير المناعي المحتمل لإفرازات الخلايا الجذعية الوسيطة في هُلام وارتون ضد فيروس سارس كوف-2 الذي يصيب البشر، وفيروس التهاب الشعب الهوائية المعدي الذي يصيب الطيور، كشفت نتائج الدراسة المنشورة في دورية “سيلز” cells أن العدوى الفيروسية انخفضت بنسبة 90٪ في الخلايا المزروعة بالمختبر التي تمت معالجتها بإفرازات الخلايا الجذعية الوسيطة.

واستخدم الباحثون أيضًا علم البروتينات الوراثية “بروتيوميات” Proteomics -الذي يدرس المجموعة الكاملة للبروتينات ووظائفها لدى كائن أو نظام بيولوجي معين- من أجل تحديد مكونات إفرازات الخلايا الجذعية، الأمر الذي كشف عن مجموعة فريدة من الأجسام المضادة والبروتينات المُعدِّلة للمناعة.

تعاون مشترك

يقول حسني حسين، الأستاذ المساعد بقسم الميكروبيولوجي بكلية العلوم بجامعة الأزهر في أسيوط، والباحث الرئيسي في الدراسة، في حديثه مع “للعلم”: “جاءت الفكرة اعتمادًا على حقيقتين مهمتين: أن الخلايا الجذعية لها قدرة هائلة على تنظيم عمل الجهاز المناعي، وأن كوفيد-19 ناتج بالأساس عن خلل في عمل الجهاز المناعي، ورد فعله تجاه الإصابة بالفيروس”، مضيفًا: فكرنا في استخدام المواد المُفرزة من الخلايا الجذعية وليس الخلايا الجذعية في علاج كوفيد-19، إذ إن استخدام الخلايا الجذعية لذاتها قد يؤدي إلى الكثير من الآثار الجانبية، ومنها تكوين الأورام السرطانية.

عرض “حسين” فكرته على فريق وحدة أبحاث تحليل البروتينات والتمثيل الغذائي في مستشفى سرطان الأطفال 57357 بالقاهرة، الذين حازت الفكرة اهتمامهم وأبدوا استعدادهم للمشاركة في الدراسة، يقول سامح مجد الدين -أستاذ الفسيولوجي بكلية الطب البيطري، جامعة قناة السويس، ورئيس الوحدة في حديثه إلى “للعلم”: “جميعنا تأثر إلى حدٍّ كبير بالجائحة، وحتى الآن لا يوجد علاج فعال ضد فيروس كورونا، إذ إن الأدوية التي صُرفت للمرضى هي أدوية تتعامل مع الأعراض وتحاول الحد منها، وبينما يمكننا أن نقي أنفسنا من الفيروس بعدة ممارسات، مثل ارتداء قناع طبي وغسل اليدين أو من خلال الحصول على اللقاح، فلا يزال العلاج غير موجود بالنسبة لمَن أصيب بالفيروس”.

يضيف “مجد الدين”: “كان هناك سؤال يطرحه العلماء، هل تستطيع الأم حماية جنينها من كوفيد-19 إذا أصابها الفيروس؟ ألهمنا ذلك السؤال في العمل على هلام وارتون، عندما عرض علينا “حسين” فكرة البحث ووجدنا أنها جيدة جدًّا وأجرينا عدة اجتماعات قبل بدء العمل”.

الخلايا الجذعية الوسيطة

هناك نوعان أساسيان من الخلايا الجذعية هما الجنينية والبالغة، على الرغم من أن الخلايا الجذعية الجنينية تعتبر أكثر كفاءة، ولكنها تحمل العديد من المشكلات الأخلاقية، يوضح “حسين”: “في هذه الدراسة استخدمنا الخلايا الجذعية من الحبل السري، أهم ما يميز هذه الخلايا أنها تعتبر حلقة وصل بين الخلايا الجذعية الجنينية والبالغة؛ لأنها خلايا بالغة وفي الوقت ذاته لها بعض خصائص الخلايا الجنينية، بحكم وجودها في الحبل السري للجنين”.

يقول أحمد الشامي، أستاذ علم الفيروسات المساعد بجامعة كاليفورنيا نورثستيت، ولم يشارك في الدراسة: “يعتبر التأثير المرضي للمواد التي تفرزها الخلايا والتي يمكن الإشارة إليها باسم “Secretome” هو أحد مجالات البحث المثيرة لاهتمام الباحثين في الوقت الحالي، تتضمن هذه المواد مجموعةً متنوعةً من المنتجات مثل الحويصلات خارج الخلية والأحماض النووية والبروتينات، وتؤدي هذه الإفرازات دورًا كبيرًا في التواصل بين الخلايا، اكتسبت المواد المفرَزة من الخلايا الجذعية الوسيطة المشتقة من الهلام البشري مزيدًا من الاهتمام مؤخرًا، وذلك لمعدل تكاثرها المرتفع وخصائصها المناعية المتميزة، وانخفاض احتمالات تسبُّبها بالسرطان بعد الزرع في الجسم الحي”.

زرع “حسين” الخلايا الجذعية في بيئة معينة كي تتكاثر وتفرز مجموعةً من المواد تتضمن البروتينات والإشارات الكيميائية التي لها تأثير كبير على المناعة، ثم استخدم نوعًا آخر من الخلايا المستخلصة من الشمبانزي لها خصائص قريبة جدًّا من خصائص خلايا البشر، وزرعها في المختبر مضافًا إليها الفيروسات والمواد المفرزة من الخلايا الجذعية، وأراد التوصل إلى أفضل جرعة وتركيز يمكنه تقليل نمو الفيروس، وجد “حسين” وزملاؤه أن المواد المفرَزة من الخلايا الجذعية قادرة على تثبيط فيروس كورونا المستجد، بطريقة مباشرة من خلال تدمير أجزاء الفيروس، وبطريقة غير مباشرة عن طريق خفض قدرته على دخول خلايا العائل لإحداث العدوى، وكذلك تثبيط نموه داخلها، وبأقل التركيزات من هذه الإفرازات.

يقول “الشامي”: “تقدم الدراسة خيارًا علاجيًّا جديدًا ضد اثنين من فيروسات كورونا القاتلة التي تصيب الإنسان والدواجن، من خلال نهج جديد، وتُعد بمنزلة تحقيق تجريبي واعد للغاية”.

التحليل البروتيني

تقول آية أسامة، باحثة مساعدة في وحدة أبحاث تحليل البروتينات والتمثيل الغذائي في 57357: “أرسل إلينا الدكتور “حسين” العينات من أجل استخلاص البروتينات منها وتحليلها، قمنا بتكسير البروتينات إلى سلاسل من الأحماض الأمينية، ثم قمنا بتنقية هذه السلاسل وحقنها في جهاز مطياف الكتلة، الذي يوفر لنا قائمةً من البروتينات الموجودة في العينة، بعد ذلك بدأنا في تتبُّع أي هذه البروتينات زاد التعبير عنها وأيها قل التعبير عنها”.

الجدير بالذكر أن مطياف الكتلة (Mass spectrometry) هو تقنيةٌ تحليليَّة للتعرُّف على مكوِّناتِ مادةٍ ما، أو لتوضيح شكلِ الجزيئات الكيميائية وبنيتها، من خلال تكسيرها إلى جزيئات مشحونة وقياس نسبة كتلتها إلى شحنتها، وكما أوضح “مجد الدين”، فإن مختبرهم هو الوحيد في مصر والشرق الأوسط الذي لديه هذا الجهاز، ويستخدم هذه التقنية في التحاليل المخبرية للكشف عن دلالات الأورام (المركبات التي تدل على الإصابة بالسرطان).

يضيف “الشامي”: “من المثير للاهتمام أن التحليل البروتيني لإفرازات الخلايا الجذعية الوسيطة أظهر زيادةً واضحةً للبروتينات المضادة للفيروسات المعروفة سابقًا”، وتوضح “أسامة”: “وجدنا زيادةً في التعبير عن بروتين Annexin A1، الذي يؤثر على الاستجابة المناعية وعلى نشاط الجهاز المناعي الفطري، وكذلك زيادة في بروتين Hsp90، الذي يعمل كإشارة لتنبيه الجهاز المناعي التكيفي ويحفزه للعمل ضد الأجسام الغريبة والخلايا السرطانية، وكذلك بروتين كولاجين ألفا-1، الذي يقوي العديد من الخلايا والأنسجة في الجسم ويدعمها، كل هذه البروتينات ترتبط بطريقةٍ ما بنجاح إفرازات الخلايا الجذعية في تقليل تكاثر الفيروس”.

المعلوماتية الحيوية

بعد الحصول على نتائج مطياف الكتلة، استخدم الفريق البحثي أدوات المعلوماتية الحيوية لتحليل النتائج، وتحديد أي البروتينات موجود في العينات بنسبة لها تأثير واضح، يقول علي مصطفى أنور -باحث المعلوماتية الحيوية في وحدة أبحاث تحليل البروتينات والتمثيل الغذائي في 57357- في حديثه مع “للعلم”: “نستطيع أن نعرف ما إذا كان بروتين معين له تأثير في مرضٍ ما من خلال طريقتين: إما أن يكون هذا البروتين قد ثبت ارتباطه بالمرض من خلال دراسات سابقة، أو من خلال عمل ما يُعرف بـتحليل مسار التخصيب الأيضي Pathway enrichment analysis، وهي تقنية تمكِّننا من معرفة أي البروتينات يؤدي دورًا في مسار خلوي معين”.عن “ساينتافيك أميريكان”


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.