في غياب استقرار الأسعار أو تحسين الإنتاجية، لن تكون الأجور السخية والسياسات المالية أو الاقتصادية مستدامة

أهي عودة إلى السبعينيات؟

مقالات
جيم اونيل:خبير اقتصادي

 

أهي عودة إلى السبعينيات؟

 

 

 

 

 

كثرت الأحاديث مؤخرا عن عودة إلى الأحوال الاقتصادية التي كانت سائدة في سبعينيات القرن العشرين. هنا في المملكة المتحدة، بلغ معدل التضخم على أساس سنوي 9.1% في مايو ، وتهيمن الإضرابات العمالية الـمُـعَـطِّـلة للعمل على عناوين الأخبار الرئيسية.

ولكن هل تكون العودة إلى اقتصاد على غرار السبعينيات أمرا واردا حقا؟ يتوقف كثير على ما قد يحدث مع تسويات الأجور والسياسة النقدية والمالية. وهناك بالطبع العديد من القوى العالمية التي ينبغي لنا أن نضعها في الحسبان، بما في ذلك جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19)، والآفاق الاقتصادية غير المؤكدة في الصين، والحرب في أوكرانيا، والحالة المحفوفة بالمخاطر التي تمر بها الحوكمة الاقتصادية والسياسية في عموم الأمر.

مع مطالبة العمال بأجور أعلى، أصبحت توقعات التضخم الطويلة الأجل تشكل قضية مركزية. في أوائل شهر يونيو، أظهرت دراسة استقصائية لتوقعات التضخم والتي راقبتها جامعة متشيجان عن كثب أن توقعات المستجيبين للتضخم على مدار السنوات الخمس المقبلة سجلت ارتفاعا حادا من 3% إلى 3.3%. وهو أمر مثير للقلق، ويشكل ضربة لأولئك (من أمثالي) الذين دأبوا على الزعم بأن الأدلة في ما يتصل بالصورة المتوسطة الأمد إلى البعيدة الأمد لا تزال ملتبسة إلى حد ما. أشارت دراسات استقصائية أخرى إلى أن الارتفاعات الأخيرة في أسعار الطاقة والغذاء وأسعار المستهلك كانت أحداثا تقع مرة واحدة، وليست علامات تدل على تضخم حقيقي.

لكن الآن ينشأ خطر أعظم يتمثل في أن توقعات التضخم أصبحت بالفعل بلا مَـرسى. وهذا يضع بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي وغيره من البنوك المركزية في موقف صعب، لأنها لا يمكنها أن تسمح ببساطة لهذه الحال بالتحول إلى اتجاه راسخ. وإذا فعلت، فسوف نعود حقا إلى الأيام المظلمة التي مررنا بها قبل خمسة عقود من الزمن. كانت لهجة محاضر اجتماعات بنك إنجلترا في أعقاب رفع أسعار الفائدة مؤخرا بمقدار 25 نقطة أساس أكثر تشددا مما كانت عليه سابقا بشكل ملحوظ، مما يشير إلى زيادات أكبر في أسعار الفائدة في الأسابيع والأشهر المقبلة.

في هذا السياق، أصبحت المفاوضات حول الأجور عاملا حاسما في تحديد الآفاق الاقتصادية المرتقبة. ونظرا للخطر المتزايد المتمثل في دوامة الأجور والأسعار، أعتقد أن الحكومة البريطانية محقة في اتخاذ موقف متشدد من نقابة عمال السكك الحديدية الرئيسية. فمن الأهمية بمكان بث رسالة قوية إلى عامة الناس ووسائل الأعلام. في حين يمثل معدل التضخم بنسبة 8% إلى 9% ضربة كبيرة للدخل المتاح، فإن هذا التضخم مدفوع إلى حد كبير بارتفاعات أسعار الطاقة والمواد الغذائية والتي سُـتُـحَـل في النهاية. إذا كنا راغبين في إعادة التضخم إلى المستويات المنخفضة التي كان عليها طول السنوات العشرين الأخيرة أو ما يزيد، فإننا في احتياج إلى زيادة كبيرة دائمة في تسويات أجور القطاع العام (ما لم يكن من الممكن تبريرها من خلال زيادات كبيرة بذات القدر في الإنتاجية).

علاوة على ذلك، ستكون الضغوط الإضافية المفروضة على موارد القطاع العام المالية أكثر شدة مقارنة بما كانت عليه في الماضي، وهذا من شأنه أن يزيد من تعقيد المناقشات الصعبة حول المستوى المناسب من الضرائب نسبة إلى الإنفاق العام. أكتب هذا بصفتي نصيرا لمفاهيم مثل “الربح مع غرض”، وباعتباري نائب رئيس شراكة إنتاج الطاقة الشمالية ورئيس شركة Northern Gritstone. في الوقت الحالي، يجب أن يُـسـمَـح لصناع السياسات بوضع التضخم ــ وخاصة توقعات التضخم الطويلة الأجل ــ تحت السيطرة.

لتحقيق هذه الغاية، يجب أن تشتمل الاستجابة الفعالة على ثلاثة عناصر. أولا، يتعين على الحكومات أن تسمح لبنوكها المركزية بالقيام بكل ما يلزم لكبح جماح الأسعار. ثانيا، يجب أن يتوقف الساسة عن خلق انطباع بأن الحكومات لديها شجرة أموال سحرية يمكنها هزها لحل كل مشكلة قد تنشأ. إذا كانت أي حكومة راغبة في إثبات قدرتها على استباق الأحداث، فينبغي لها أن تقدم إطار عمل مدروس على النحو اللائق لسياستها المالية.

خير مثال على ذلك “القاعدة الذهبية” التي وضعها رئيس الوزراء البريطاني السابق جوردون براون، والتي سمحت للقطاع العام بالاقتراض فقط لدفع تكاليف استثمار رأس المال، في حين كان من الواجب تمويل الإنفاق الحالي من الضرائب وغيرها من الإيرادات. والآن هناك حاجة ماسة إلى نسخة منقحة من هذا لضمان أن الإنفاق الاستثماري في القطاع العام لا يتمتع بالحماية فحسب، بل ويحظى بالتشجيع أيضا.

ثالثا، وفي ما يرتبط بقضية متصلة، يتعين على الحكومات أن تتحلى بقدر أكبر من الجدية في التعامل مع الإنفاق الاستثماري الطويل الأجل في عموم الأمر، وخاصة في ما يتعلق “برفع مستوى” المناطق المتروكة. يجب أن يطلب صناع السياسات من الشركات أن تنسى التخفيضات الضريبية ما لم يكن بوسعها حشد الأدلة التي تثبت أن مثل هذه التدابير كفيلة بتعزيز الإنتاجية. لا يبدو أن عقودا من تخفيض ضريبة الشركات عملت على تعزيز الاستثمار التجاري والإنتاجية بأي طريقة مفيدة.

يتمثل النهج الأفضل في دعم الأعمال والصناعات التي تميل إلى خوض المجازفات (مثل رأس المال الاستثماري) في المناطق المتخلفة تنمويا، والتحلي بقدر أكبر من الجرأة في تنظيم أساليب إدارة الميزانية العمومية المتطورة مثل إعادة شراء الأسهم ــ وربما السماح بذلك فقط عندما تتوفر أدلة حقيقية على تحسن الإنتاجية. في الوقت ذاته، يتعين على القادة السياسيين أن يوضحوا لعامة الناس ــ وخاصة ملايين العمال من ذوي الدخول المنخفضة ــ لماذا من مصلحة الجميع تقبل بعض انتكاسات الدخل الحقيقي (المعدل تبعا للتضخم) كجزء من عملية كبح جماح التضخم.

في غياب استقرار الأسعار أو تحسين الإنتاجية، لن تكون الأجور السخية والسياسات المالية أو الاقتصادية مستدامة. ولن تمثل شيئا سوى وعود زائفة.عن “بروجيكت سنديكيت”

 


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.