اتجاهات مستقبلية   

سيناريوهات المشهد العراقي

الرئيسية مقالات
مركز تريندز للبحوث والاستشارات

يشهد العراق الآن حالة غير مسبوقة من الارتباك والضبابية التي قد تؤدي بالبلاد إلى الهاوية

 

 

يشهد العراق الآن حالة غير مسبوقة من الارتباك والضبابية التي قد تؤدي بالبلاد إلى الهاوية، وقد تجلت هذه الحالة في اقتحام أنصار السيد مقتدى الصدر للبرلمان العراقي احتجاجًا على ترشيح الإطار التنسيقي للقوى الشيعية محمد السوداني، الذي يعتبره البعض مقربًا من رئيس الوزراء السابق نوري المالكي ومؤيدًا لإيران، لمنصب رئيس الوزراء، وفي خطوة تزيد الأمر تعقيدًا، دعا أطراف المعادلة الشيعية أنصارهم إلى المظاهرات، والتي يرى فيها الصدر أنها فرصة عظيمة لتغيير جذري للنظام السياسي والدستور والانتخابات، في حين يرى خصومه فيها محاولة “للانقلاب على الشعب والدولة ومؤسساتها”، وحذروا في الوقت ذاته من أن التطورات تنذر بالتخطيط لانقلاب مشبوه واختطاف الدولة وإهانة مؤسساتها الدستورية وإلغاء العملية الديمقراطية فيها.

ولا شك في أن المشهد الحالي بالعراق لم يأتِ عبثًا، لكنه جاء نتيجة طبيعية لتراكم الأخطاء الاستراتيجية التي اقترفتها القوى السياسية العراقية منذ العام 2003 وحتى الآن، والتي أسهمت في وضع دستور قائم على المحاصصة والطائفية، ونظام برلماني لا يتماشى مع الثقافة السياسية لبلد مقسم إثنيًا وعرقيًا وطائفيًا. أضف إلى ذلك حجم التدخلات الخارجية، والذي يظهر بوضوح في عمليات تشكيل الحكومات المتعاقبة بعد كل انتخابات تشريعية تجرى في العراق.  فضلاً عن تعزيز البعد الطائفي في العمليات الانتخابية، وفي بنية هياكل ومؤسسات الدولة، والذي تجلى أيضًا في تشكيل الأحزاب لميليشيات شبه عسكرية تتحرك وفقًا لرغبات القيادات الحزبية. كما ساعد الفساد المؤسسي في ارتفاع نسب الفقر والجهل إلى مستويات غير مسبوقة في تاريخ العراق الحديث، وتدهور البنية التحتية، وتراكم الديون على بلد يحتل المرتبة الخامسة بأكبر احتياطي للنفط في العالم، والمرتبة الثانية بقائمة أكبر الدول العربية المنتجة للنفط، بحجم إنتاج وصل إلى 4.02 مليون برميل يوميًا خلال العام 2021.

وأمام هذا المشهد المعقد، والمطالب التي رفعها مقتدى الصدر وأنصاره، وفي ظل اخفاقات تشكيل الحكومة العراقية حاليًا، فإننا أمام عدة سيناريوهات: أولها، الاتفاق على تشكيل الحكومة، وفي هذه الحالة ربما تقوم الحوزة، وعلى رأسها المرجع الأعلى السيستاني، بمطالبة البيت الشيعي بالتهدئة والجلوس على طاولة واحدة للاتفاق، الأمر الذي تضغط بشأنه إيران أيضًا، وربما يتم التوافق على شخصية تحظى بتوافق بين هذه الكتل والأحزاب الشيعية. أما السيناريو الثاني، فهو الذهاب إلى إعادة الانتخابات، وهو سيناريو قد يعيد المشهد مرة أخرى، حيث قد لا ينجح حزب أو فصيل سياسي في الحصول على الأغلبية، ويضطر إلى الدخول في مفاوضات مع بعض الأحزاب السنية والكردية لتأمين الأغلبية، وهو الأمر الذي يستغرق وقتًا أيضًا. في حين يذهب السيناريو الثالث إلى انتشار الفوضى والاحتكام إلى قوة السلاح، وهو الأمر الذي لا يتمناه أحد، لا في الداخل ولا في الخارج؛ لأنه سيؤدي إلى الاقتتال الداخلي، وعودة الإرهاب مرة أخرى.

من أجل إصلاح العملية السياسية في العراق، فقد باتت هناك ضرورة لوجود اتفاق سياسي على إجراء تعديلات دستورية تضمن تحول النظام البرلماني الى نظام رئاسي مطعم بخصائص برلمانية يضمن تمثيل كل فئات المجتمع في العملية السياسية، وجعل السلاح في يد الجيش والشرطة فقط، ووضع حد للتدخلات الخارجية في الشأن الداخلي، وإعادة تأسيس وتأهيل الأحزاب بحيث تتبنى برامج مدنية تهدف بالأساس إلى خدمة الوطن والمواطن العراقي.

وإجمالاً، فإن الدعوة للتظاهر والمظاهرات المضادة خطأ استراتيجي وقعت فيه القوى السياسية الشيعية؛ لأن مثل هذه الدعوات ستؤدي لا محالة إلى مزيد تعقيد العملية السياسية، وصعوبة تشكيل حكومة توافقية، وضعف مؤسسات الدولة الأمنية، الأمر الذي قد يؤدي إلى عودة العنف السياسي والإرهاب مجددًا في العراق.

 

 


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.