سِمنة “الجين الوحيد”

الرئيسية مقالات
محمد منصور:صحفي علمي
سِمنة “الجين الوحيد”

 

سِمنة “الجين الوحيد”

 

 

 

قبل أكثر من 17 عامًا، استقبل الباحثون الألمان حالةً لفتاة تُعاني من فرط النمو والسمنة الشديدة، قال الأبوان -وقتها- إن ابنتهما جائعة باستمرار، وتأكل كمياتٍ مهولةً من الطعام.

لاحظ الباحثون أن كلا الأبوين يُعاني من السمنة، وأن الأب مُصاب بمرض السكري من النوع الثاني، ويتناول أدوية للسيطرة على ارتفاع ضغط الدم.

كشف الفحص الطبي أن الفتاة -التي تُشبه والديها في طول القامة وانتشار النمش الجلدي- مصابةٌ بنوع من أنواع السمنة المُقاوِمة لجميع التدخلات، كما أشارت التحاليل التي أجريت عليها إلى وجود علامات لفرط الأنسولين في الدم، والالتهاب الكبدي الدهني في مرحلة الطفولة المبكرة.

في سن الثانية عشرة، كان مؤشر كتلة جسم الفتاة يبلغ 47.6 كجم لكل متر مربع، ويبلغ وزنها 156 كيلوجرامًا، أما طولها فيبلغ 181 سنتيمترًا، وفي محاولة للسيطرة على الوزن، خضعت الصغيرة لجراحة لعلاج البدانة عن طريق استئصال المعدة التكميلي، مما أدى إلى فقدان وزنها بمقدار 40 كجم، إلا أنها استعادت وزنها لاحقًا على الرغم من الاحتفاظ بتحسن التمثيل الغذائي.

جين واحد

حار الباحثون في سبب السمنة، وأجروا جميع التحاليل الجينية محاولين الكشف عن السبب، إلا أن جميع التحاليل جاءت سلبية.

يَعُدُّ العلماء السمنة مرضًا ناتجًا عن تفاعل العوامل الوراثية والعوامل البيئية، ومنذ عام 2006، عُثر على أكثر من 50 جينًا مرتبطًا بالسمنة، ولكن لم يُحدَّد سبب وراثي واحد، والآن، بفضل تلك الفتاة، أظهرت دراسة جديدة نشرتها دورية “نيتشر ميتابولزم” (Nature Metabolism)، وأجراها باحثون من جامعة “لايبزيغ” بألمانيا أن جينًا واحدًا قد يكون مسؤولًا عن البدانة عند الأطفال.

وقال الباحثون في الدراسة الجديدة إن جينًا واحدًا يُسمى ASIP هو المسؤول عن السمنة الشديدة لدى تلك الفتاة وغيرها من الأطفال.

تقول “أنتجي كورنر” -الباحثة بمركز أبحاث طب الأطفال في كلية الطب بجامعة “لايبزيغ”، والمؤلفة الرئيسية لتلك الدراسة- إن فريقها وجد طفرة جديدة في جين (ASIP) لم تكن مرتبطة سابقًا بالسمنة البشرية، مشيرةً في تصريحات لـ”للعلم” إلى أن ذلك الجين “متورط في دوائر تنظيم الطاقة العصبية المركزية؛ إذ ينتج الخلل الجيني للإصابة بالسمنة”.

لم يُعرف سابقًا عن ذلك الجين إسهامه في الإصابة بالسمنة؛ إذ إنه مسؤول في الأساس عن ترميز بروتين (ASIP) الذي يؤدي دورًا رئيسيًّا في توزيع صبغة الميلانين في الثدييات، ولأن الفتاة تُعاني من طفرة في ذلك الجين، ظهرت عليها آثار النمش الجلدي، وعانت من السمنة أيضًا، وقد ورثت تلك الفتاة الجين من والديها.

هروب الطفرة

لم يقتصر البحث على تلك الفتاة فحسب؛ إذ استطاع العلماء تحديد هذا الجين في مجموعة تحكم تضم أكثر من 1745 طفلًا يعانون من السمنة.

ويهرب نوع الطفرة المكتشف في الدراسة الحالية من خوارزميات الفحص الجيني القياسية، مما يعني أنها ما زالت غير مكتشَفة في العديد من المرضى المتضررين، وبفضل الفحص المستهدف لمرضى السمنة في مرحلة الطفولة في لايبزيغ، حدد الفريق العلمي أربعة مرضى إضافيين يعانون من الطفرة نفسها.

وقد تمت دراسة هذا الجين سابقًا على الفئران ولوحظ ارتباطه بالسمنة، وزيادة قابلية الإصابة بالأورام، وتصبغ الشعر، الذي يُنظر إليه على أنه الفراء الأصفر على جسم القوارض، وعادةً ما يرتبط وجود هذا الجين بكميات غير عادية بالتحكم في الشهية، ولا يُكتشَف في الاختبارات الروتينية للسمنة.

تقول الدراسة إن “جين ASIP يتسبب في حدوث طفرات تتداخل مع جين يُسمى مستقبل الميلانوكورتين 4 (MC4R)، وهو الجين المسؤول عن الشبع”.

كميات غير عادية

يعرف العلماء أن الطفرات في مستقبل الميلانوكورتين البشري ترتبط بشدة بالسمنة؛ إذ تؤدي زيادة مستوياته إلى تقليل تناول الطعام، في حين يؤدي تثبيطه إلى زيادة تناول الطعام.

ويؤثر نشاط مستقبل الميلانوكورتين 4 على حجم الوجبة واختيار الوجبة، كما تؤثر أيضًا نوعية النظام الغذائي عليه، وتؤدي النواة المجاورة للبطين في الدماغ دورًا مهمًّا في تناول الطعام بحد ذاته، وتلك المنطقة تتأثر بمستويات نشاط ذلك الجين.

في تلك الدراسة، أثبت العلماء أن الجين ASIP المعروف دوره في التحكم بمستويات الميلانين يؤثر أيضًا في الجين المسؤول عن السمنة؛ إذ يتسبب في زيادة تناول الطعام وقلة النشاط البدني.

أخذ فريق الباحثين الألمان عينةً من نسيج المريضة في أثناء جراحة إنقاص الوزن، وتمكنوا من التوصل إلى استنتاج مفاده أن ASIP هو الجين الوحيد المسؤول عن السمنة لديها.

كما أدى جين ASIP -الذي كان موجودًا بكميات غير عادية لدى الفتاة- إلى توسع جزيئات الدهون وزيادتها في خلاياها، وجنبًا إلى جنب مع التجارب التي أجريت على الفئران، أكد الباحثون أن ASIP  هو جين يسبب السمنة لدى البشر، وأن وجود طفرة واحدة في ذلك الجين -دون أي طفرات أخرى في أيّ جين آخر- قد يؤدي إلى الإصابة بالسمنة المفرطة المقاومة للجراحات والأدوية.

سبب رئيسي للوفاة

تقول الدراسة إن الوظيفة البيولوجية المكتشفة لطفرة ASIP تُسهم في قمع تنشيط مستقبل الميلانوكورتين 4، مما يؤثر على سلوك الأكل وتمايُز الخلايا الشحمية والتصبغ، كما أن نشاط ذلك الجين غير الطبيعي والمنتبذ في الخلايا تحت المهاد سوف يمنع باستمرار تنشيط جين MC4R، مما يؤدي إلى الإحساس بالجوع المستمر.

وعادةً توجد البروتينات التي أنتجها جين ASIP فقط في أنسجة الجلد وبصيلات الشعر، لكن في المريضة الشابة كانت موجودةً في كل مكان، حتى في أنسجتها السليمة.

تُعد السمنة والأمراض المرتبطة بها من الأسباب الرئيسية للوفاة في جميع أنحاء العالم، وتقول منظمة الصحة العالمية إن مستويات السمنة تضاعفت بنحو 3 أضعاف منذ عام 1975، وعلى الرغم من أن السمنة يُمكن الوقاية منها في بعض الأحيان، إلا أن “كورنر” تقول إن الأسباب الجينية المؤدية إلى الإصابة بالسمنة “ليست مفهومةً بشكل كامل، ولا يُمكن الوقاية منها حتى الآن”.

اللغز المفقود

من المعروف أن هناك عدة عوامل مسؤولة عن تطور السمنة، وأن العوامل الوراثية تؤدي دورًا أيضًا، في معظم الأفراد المتضررين، يؤدي الجمع بين نمط الحياة غير الصحي والاستعداد الوراثي المسمى الاضطراب متعدد الجينات إلى السمنة الشديدة، والاضطراب متعدد الجينات هو الاضطراب الذي تتأثر فيه عدة جينات، “لكن في حالة الفتاة كان الاضطراب متعلقًا بجين واحد فقط”، كما تقول “كورنر”.

ووفق الباحثة الألمانية، فهذا الاكتشاف هو كشف لـ”اللغز المفقود في الأبحاث حول السمنة البشرية أحادية المنشأ”، كما أنه دليل على أهمية الآليات التنظيمية الجزيئية الرئيسية لتوازن الطاقة ووزن الجسم عبر الخلايا العصبية لمستقبلات الميلانوكورتين 4 في البشر، ويوفر فرصةً فريدةً لدراسة هذه الآليات.

يقول “كريس ليلوت”، الباحث في شبكة كامبريدج للتمثيل الغذائي، وغير المشارك في الدراسة: إن عبء السمنة وراثية المنشأ يتزايد حول العالم، مشيرًا -في تصريحات خاصة لـ”للعلم”- إلى ضرورة “إعادة التفكير في خوارزميات الفحص الجيني؛ “فبعض الطفرات لا يُمكن اكتشافها بسهولة بواسطة تلك الأدوات، وتلك الدراسة خير دليل على ذلك الأمر”.

ويرى “ليلوت” أن العلاقة المكتشَفة حديثًا بين طفرات ASIP والسمنة “تلقي مزيدًا من الضوء على الأسباب الجينية للسمنة المقاومة للعلاج”، وقد تُمهد “لظهور علاج لتلك الحالات”، لكن يجب الإشارة إلى أن السمنة أحادية الجين “نادرة”؛ فمعظم الحالات تُسببها عوامل متضافرة من البيئة والجينات، وليس جين واحد فقط.

تتفق “كورنر” مع “ليلوت” بشكل كامل، مضيفةً أن “السمنة أحادية الجين لا تُسبب إلا نحو 5٪ من حالات السمنة حول العالم، وهناك أيضًا بلا شك أسباب متعددة الجينات تهيئ الأفراد للإصابة بذلك المرض”.

ليست ذنب المرضى

قبل سنوات، ابتكر الباحثون تقنيةً جديدةً يُمكن استخدامها لتعديل الجينات، تُسمى تلك التقنية “كريسبر-كاس9″، وهي عبارة عن “مقص جزيئي” يُمكن استخدامه لإصلاح تسلسلات الحمض النووي داخل الجينات، وتوجد العديد من المخاوف حول استخدام تلك التقنية؛ لأنها قد تؤدي هي ذاتها إلى إحداث طفرات غير مقبولة.

لكن.. ماذا عن احتمالية استخدام تلك التقنية لعلاج السمنة التي سببها طفرة في جين واحد فقط؟

تقول “كورنر”: إن أدوات التعديل الجيني قد تُعَدُّ خيارًا علاجيًّا جيدًا في المستقبل، كما هو الحال بالنسبة لأي مرض وراثي، إلا أننا نحتاج إلى مزيد من التجارب وتطبيق على نطاق التجارب السريرية.

تؤكد “كورنر” أن السمنة مرض “وليست ذنب المرضى”، مضيفةً: إننا نعيش في بيئة مُسببة للسمنة تجعلنا على استعداد للإصابة بالسمنة الشائعة، إلا أننا نحتاج إلى تحديد المرضى الذين يعانون من السمنة أحادية الجين؛ إذ قد يكون لدينا خيارات علاجية لهؤلاء، وقد نقوم أيضًا بتقليل العبء والضغط ووصمة العار للمرضى، ويمكننا فهم آليات مسببات الأمراض بشكل أفضل.عن “ساينتافيك أميريكان”